بعد نجاحها في تحقيق اختراقات دبلوماسية متتالية، وتوسيع قنوات التواصل مع المؤسسات الدولية والشركاء الاقتصاديين، تجد الحكومة السورية نفسها أمام اختبار مختلف وأكثر تعقيداً، يتمثل في تحويل الانفتاح الخارجي وتخفيف العقوبات إلى نتائج اقتصادية ملموسة.
فبينما أتاحت التحركات السياسية لدمشق استعادة جانب من علاقاتها الدولية وفتح الباب أمام التمويل والاستثمارات، تظل قدرة مؤسسات الدولة على إدارة هذه الفرص وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة موضع تساؤل، في ظل احتياجات إعادة الإعمار واتساع الضغوط المعيشية.
من الانفتاح السياسي إلى اختبار الاقتصاد
في هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي السوري الدكتور كرم شعار أن نجاح الحكومة في إدارة ملف العلاقات الخارجية ورفع العقوبات وضع المسؤولية عن المرحلة المقبلة بصورة أكبر على عاتق الرئيس أحمد الشرع، معتبراً أن المكاسب الدبلوماسية، على أهميتها، لا تمثل سوى الخطوة الأولى في مسار التعافي.
وقال شعار، في منشور عبر منصة “فيسبوك”، إن الحملة الدبلوماسية الخارجية التي أطلقتها الحكومة السورية أسفرت عن رفع العقوبات بسرعة كبيرة نسبياً، مما يضع الكرة فيما يخص المرحلة المقبلة، في ملعب الشرع تماماً، مشيراً إلى أنه يمكن للمناورات السياسية أن ترفع العقوبات وأن تؤمن بعض تدابير الدعم المؤقتة، مثل دفع رواتب الموظفين أو توفير الغاز الطبيعي لبضعة أشهر، لكن ما تبقى يتطلب مهارات فنية.
ويشير هذا الطرح إلى اختلاف طبيعة التحديات التي تواجه دمشق في المرحلة المقبلة؛ فبينما يمكن للتحركات السياسية أن تهيئ الظروف لتخفيف القيود الاقتصادية واستعادة العلاقات مع الدول والمؤسسات الدولية، فإن الاستفادة الفعلية من هذه التطورات تتطلب إعداد برامج اقتصادية قابلة للتنفيذ، وتطوير الإدارة الحكومية، وتوفير كوادر متخصصة قادرة على التعامل مع متطلبات التمويل والتعاون الدولي.
مكاسب سياسية تحتاج إلى خبرات فنية
في تقييمه لآلية إدارة الملفات الخارجية، أشار شعار إلى أن أسلوب العمل الذي اعتمده وزير الخارجية أسعد الشيباني، والقائم على مركزية القرار وإدارة الملفات من خلال دائرة ضيقة، ربما حقق نتائج خلال المرحلة السابقة، لكنه قد يصبح أقل فاعلية مع الانتقال إلى ملفات تتطلب تفاوضاً فنياً ومتابعة مؤسسية طويلة الأمد.
قال في هذا الصدد: “وبالرغم من أن أسلوب عمل الشيباني المتمثل في إدارة الرجل الواحد قد أجدى نفعاً في السابق، فمن المرجح أن تقل إنتاجيته وفاعليته مستقبلاً”.
وأضاف أن نجاح التحركات السياسية في فتح قنوات التعاون لا يغني عن وجود فرق متخصصة داخل مؤسسات الدولة، قادرة على استكمال المفاوضات ومتابعة التفاصيل القانونية والاقتصادية والفنية، بدلاً من استمرار الاعتماد على الجهود السياسية وحدها.
الاتفاق الأوروبي.. من التفاهمات إلى التنفيذ
تبرز أهمية هذا التحول في ضوء الخطوات التي اتخذها الاتحاد الأوروبي لإعادة بناء علاقاته الاقتصادية مع دمشق، ففي 11 أيار/ مايو 2026، قرر مجلس الاتحاد الأوروبي إنهاء تعليق بعض أحكام اتفاقية التعاون مع سوريا، الموقعة عام 1977، واستعادة تطبيقها الكامل، بما يعيد تفعيل إطار مهم للعلاقات التجارية والاقتصادية بين الجانبين، بعد سنوات من تعليق أجزاء منها على خلفية انتهاكات نظام بشار الأسد.
لكن استعادة الاتفاقية لا تعني تلقائياً تدفق الاستثمارات أو عودة النشاط التجاري إلى مستوياته السابقة، إذ يتطلب ذلك تفاوضاً حول آليات التنفيذ، وتهيئة بيئة أعمال قادرة على جذب الشركات، إلى جانب معالجة العقبات القانونية والإدارية التي تواجه المستثمرين.

وفي هذا الإطار، يرى شعار أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من تحقيق الاختراقات السياسية إلى امتلاك القدرة الفنية على استكمال الملفات المفتوحة.
واستشهد الباحث بالمسار الأوروبي لتوضيح هذه الفجوة، قائلاً: “دفعت الإشارات السياسية الصحيحة رفيعة المستوى الاتحاد الأوروبي للإعراب عن انفتاحه على إعادة التفاوض بشأن اتفاقية التعاون التاريخية لعام 1978، لكننا الآن بحاجة إلى فريق فني متكامل على الجانب السوري قادر على العمل معهم للوصول بها إلى خط النهاية؛ فريق مُمكَّن وقادر على الغوص في أدق التفاصيل”.
التمويل الدولي.. أموال مشروطة بقدرة التنفيذ
لا يقتصر هذا التحدي على العلاقات الأوروبية، بل يمتد إلى ملف التمويل الدولي، الذي يمثل أحد أهم المسارات المطروحة لتوفير الموارد اللازمة لإعادة الإعمار وتحسين الخدمات الأساسية، فالحصول على موافقات سياسية لإنشاء صناديق تمويل لا يعني بالضرورة توافر الأموال بصورة فورية أو من دون اشتراطات، إذ ترتبط هذه الآليات عادةً بمعايير تتعلق بالحوكمة والشفافية، وقدرة المؤسسات الحكومية على تنفيذ المشروعات ومراقبة الإنفاق وتقديم تقارير دورية عن النتائج.
في هذا السياق، يطرح شعار تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات السورية على التعامل مع متطلبات التمويل الدولي، قائلاً: “يمكنك إقناع الدول بتأسيس صندوق مشترك في البنك الدولي، لكن من المرجح أن يأتي التمويل مصحوباً بدرجة من المشروطية، بحيث يتم الإفراج عن شرائح التمويل بناءً على مراحل التنفيذ، فمن هي الفرق الفنية التي ستتولى التنسيق معهم داخل المؤسسات السورية بما في ذلك وزارة الخارجية؟”.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية مع إعلان سوريا ومجموعة البنك الدولي، في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، الاتفاق على تأسيس صندوق ائتماني متعدد المانحين للتعافي وإعادة الإعمار، تحت اسم “START”، يستهدف توفير التمويل الميسر وضمانات الاستثمار والمساعدة الفنية وبناء القدرات المؤسسية، إلى جانب تنسيق مساهمات الدول والجهات المانحة وتوجيهها نحو أولويات التعافي.
ولا تتوقف أهمية الصندوق عند توفير الموارد المالية، بل تمتد إلى طبيعة إدارته وآليات توزيع مخصصاته ومراقبة تنفيذ المشروعات، فقد أكدت المناقشات بين المسؤولين السوريين وممثلي البنك الدولي ضرورة وضع أطر للحوكمة والشفافية والمساءلة، مع تعزيز قدرات المؤسسات العامة على إدارة المشروعات ومتابعة تنفيذها، وهي متطلبات تجعل وجود فرق فنية متخصصة داخل الوزارات والجهات الحكومية شرطاً أساسياً للاستفادة من التمويل، وليس مجرد تفصيل إداري.
216 مليار دولار.. حجم تحديات إعادة الإعمار
تتضاعف أهمية هذه المسألة بالنظر إلى حجم الاحتياجات السورية؛ إذ قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار البلاد بنحو 216 مليار دولار، في تقدير يعكس حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والمساكن والمنشآت الاقتصادية خلال سنوات الحرب، وهو ما يجعل الاعتماد على التعهدات المالية وحدها غير كافٍ، ما لم يقترن بقدرة مؤسسية على تحويلها إلى مشروعات فعلية ذات أثر اقتصادي واجتماعي.
وفي ختام طرحه، شدد شعار على أن المرحلة المقبلة تتطلب تغييراً في طريقة إدارة الملفات الاقتصادية، عبر توسيع دور الخبراء والفنيين داخل مؤسسات الدولة، ومنحهم الصلاحيات اللازمة للمشاركة في صنع القرار وتنفيذ البرامج، بدلاً من تركيز إدارة الملفات المعقدة في أيدي عدد محدود من المسؤولين.

وقال: “مع قطف الثمار الدانية بفضل الحنكة السياسية خلال الفترة الماضية، فإن ماراثون التعافي المستدام يتطلب تمكين الخبراء الفنيين في مؤسسات الدولة”.
وبذلك، لا يتمثل الاختبار المقبل للحكومة السورية في قدرتها على توسيع علاقاتها الدولية أو الحصول على تعهدات تمويلية جديدة فحسب، بل في مدى قدرتها على بناء مؤسسات تمتلك الكفاءة اللازمة لإدارة هذه الفرص، وتنفيذ الإصلاحات، وضمان توجيه الموارد إلى القطاعات الأكثر احتياجاً، فالمكاسب الدبلوماسية قد تفتح أبواب التعافي، لكن تحويلها إلى تحسن في الإنتاج والاستثمار ومستوى معيشة السوريين يظل مرهوناً بما تستطيع مؤسسات الدولة إنجازه على الأرض.
- بعد مكاسبها الدبلوماسية.. هل تملك حكومة الشرع أدوات إنقاذ الاقتصاد السوري؟
- حين يصبح انتقاد المسؤولين تهمة.. كيف تتعامل السلطات السورية مع الأصوات الناقدة؟
- صواريخ “الحوثيين” الباليستية تحصد أرواح المدنيين في تعز ولحج
- مجلس الشعب يناقش قانون الإعلام الجديد في سوريا.. هل يحمي حرية الصحافة؟
- بعد دخول الأزمة أسبوعها الثالث.. متى يصل مازوت التدفئة إلى السوريين؟

