استشعر انهيار النظام في منتصف 2021، ليمهد لرئيس المرحلة الانتقالية لسوريا، أحمد الشرع، خطواته نحو القصر في خطة محكمة. العلوي خالد الأحمد، صديق الطفولة للشرع، كان يرغب في جس نبضه قبل أن يوصله إلى مناطق العلويين الذين يتمنون نصب مشانقهم.
في تقرير مطوّل نشرته مجلة “الإيكونوميست” البريطانية، سبقتها تضارب الروايات، ناقش التقرير كيف أسقط ذلك الشاب نظامًا مافيويًا يبلغ عمره خمسين عامًا من القمع، عُرف بالأبدي. أشارت المجلة إلى دور خالد الأحمد، الذي كان على علم بانهيار المنظومة الأسدية ماليًا ودوليًا، على الرغم من أن المشهد السوري غلب عليه تطبيع المجتمع الدولي، مللًا من الملف السوري وملف اللاجئين الذين يستمر تدفقهم برًا وبحرًا وجوًا.
مناخ ملائم
لكن المنظومة الأسدية كانت مفككة، معصورة من رجال الأعمال الذين كان يبتزهم الأسد، معتمدة على الاقتصاد الأسود (تجارة الكبتاغون)، بينما روسيا، المنشغلة بحربها الرئيسية، لم تكن تنوي تقديم المزيد للأسد، فوجود قوتها في سوريا لم يعد يُعتمد عليه بعد الآن. أما حرب غزة وانهيار قادة إيران و”حزب الله” كحجر الدومينو، عوامل جعلت من الشرع رجل التوقيت المناسب، ليدخل ساحات دمشق فارغة منهم بعد انهيارهم، جالسًا أمام نافذة القصر بعد ثلاث سنوات من التخطيط للإطاحة بالأسد.

طلب خالد الأحمد في صيف 2021 من وسطاء أتراك ربطه بالشرع، عانق الشرع صديقه القديم في المدرسة بشدة، مناديًا إياه: “أخي” و”حبيبي”. على مشارف إدلب قضيا اليوم في ذكريات الطفولة، يتخيلان سوريا ما بعد الأسد بثقة أبداها الشرع، مطلعًا الأحمد على مخططات إعمار دمشق، ليغادر الأحمد باتجاه رسم مستقبل سوريا مع صديقه.
ينحدر خالد الأحمد من الطائفة العلوية، من مواليد محافظة حمص 1980. شغل دور أحد مستشاري الأسد غير الرسميين، ولعب دورًا مختلفًا بعد 2011 كدبلوماسي وسياسي في عواصم الغرب، عدا عن علاقاته بأجهزة استخبارات إقليمية ودولية، حتى نُفي إلى لبنان في 2018، وأُبعد بتهم فساد مالي وعلاقات تضر بالنظام.
ذكر الأحمد في تحقيق لصحيفة “الغارديان” كشف النقاب عن أن أكثر من 2000 شخص، بما في ذلك أفراد مطلوبون من قبل الشرطة، اشتروا جوازات سفر، ومعهم إمكانية الوصول من دون تأشيرة إلى الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة. وكان الأحمد من ضمنهم، بحصوله على جنسية فانواتو عام 2019، وفقًا لوثائق حصلت عليها الصحيفة بشكل منفصل.
الطريق إلى دمشق مفتوح
بحلول عام 2024، شعر الشرع أن الوقت قد حان لتوسيع نفوذه. احتشد حوالي 150 رجلًا، قائلًا لهم: “استعدوا للهجوم”، بضوء أخضر من الأتراك للسيطرة على حلب.

لجأ الشرع إلى الأحمد لتسهيل طريقه. صرّح الأحمد لـ “الإيكونوميست” أنه نقل رسالة إلى كبار القادة في حلب: لن تطاردهم قوات الشرع إذا انسحبوا. سقطت المدينة بسرعة. وسط الفوضى، تمكن الأحمد من التفاوض على خروج 630 طالبًا عسكريًا شابًا من الأكاديمية العسكرية بالمدينة بأمان. كان الأحمد يرسل رسائل إلى الضباط الكبار في قوات الأسد، يقنعهم بعدم المقاومة وتسليم مواقعهم.
وفي معركة وضع لها الشرع عامًا من القتال، انهارت الصفوف بسرعة لم يتخيلها. تلقى اتصالًا من خالد ليسمع الخبر المنتظر: “الطريق مفتوح إلى دمشق”. انسحب كبار المسؤولين من مواقعهم، قائلين بأسف: “هرب الأسد إلى موسكو”.
بعد انتصار الثورة وسقوط نظام الأسد، زار الأحمد دمشق عدة مرات للقاء الشرع. وكما أمل الأحمد، ستُساعد دمشق الإسلاميين في إدلب على التحلي بعقلية أكثر انفتاحًا. إلا أنه، في تكملة تصريحه للمجلة، بدت حكومة الشرع وجيشه أكثر طائفية من حكومة الأسد، قائلًا: “لقد غزا البلاد بالوحوش، وبدون الوحوش، لن يكون شيئًا.. لكن لا أحد يُدرك مدى خطورتهم، لا يُمكن حكم البلاد بالوحوش”.
في أيديولوجيا الشرع.. انتصارات شكلية ومعارك مؤجلة
عرف الشرع جيدًا كيفية كسب شعب منهك، يتوق للنصر والاحتفالات بعد خمسين عامًا من القمع البعثي الأسدي. تُركز خطاباته المفتقرة للتفاصيل والمشاريع الوطنية على حب دمشق وتحرير الجمهورية من أحد أظلم الأنظمة التي شهدها التاريخ.
يقارن في خطاباته سوريا قبل الأسد وبعده، ويركز على الانتصار العظيم الذي لم يكن ليحلم به أي سوري، مستندًا إلى معرفته المطلقة بما عاشه شركاؤه في الوطن من قمع وظلم.
أيديولوجيته جعلت الجولة الأولى من معركة الساحل معركة مؤجلة، فرحًا بالنصر واختيار التوقيت المناسب لكسب شرعية جزئية وتتويجه محررًا حاكمًا، أو “خادمًا” وليس حاكمًا كما وصف نفسه.
لم تكن معركة الساحل منتهية، بينما ما يزال “مصاصو دماء السوريين” يجوبون شوارع سوريا، بينما تنتشر صور المعتقلين متطايرة، يبحث أصحابها عن أمل أو عن التوقف عن الانتظار. كانت معركة حتمية، والمجهول إن كانت الجولة الأولى أو الأخيرة.
مستشار الجلاد في لجنة السلم الأهلي
كانت أحداث الساحل ما أعاد للأحمد بناء نفوذه في دمشق من خلال لجنة السلم الأهلي التي أعلن الشرع عن تشكيلها بعد الأحداث الأخيرة في اللاذقية. شكل وجوده ثغرة إشكالية في مصداقية اللجنة، إذ لم يُنظر إلى تعيينه بارتياح، معتبرين أن اللجنة تهدف لكسب الرأي العام وليس لتحقيق الأمن والسلم في الساحل.
تداولت عدة تقارير حول تناقض وجوده كرجل الأسد السابق، نجل الرجل البعثي عبد الله الأحمد. كشخصية يعاد تدويرها يهدد السلم الأهلي والعدالة الانتقالية في قضايا مصيرية ستحدد حكم الدولة الحالية، كيف سيعمل رجلا عمل على بناء علاقات خارجية للأسد، صاحب فكرة تأسيس ميليشيات “الدفاع” التي تم تنظيمها من قبل حكومة النظام المخلوع بمهمة المساندة في عملياته ضد المعارضة المسلحة، مما يطرح أسئلة عديدة حول الشرع في وضع يتطلب منه تسليم سوريا لنفس المدمرين بغاية إرضاءهم.
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
- النفط الخليجي يقترب من مستويات ما قبل الحرب.. هل نجح الحصار في خنق إيران؟
- ثاني استهداف خلال أسابيع.. تفجير خط غاز الجبسة يوقف الإمدادات إلى محطات التوليد
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا
