مرة جديدة، وبينما لم تسقط من ذاكرة السوريين الاعتداءات الدموية في مناطق الساحل السوري، خلال النصف الأول من الشهر الماضي آذار/ مارس، وامتدت لبضع أيام، حيث حصدت أرواح مدنيين من الطائفة العلوية بلغت نحو 1700، فإن مجزرة أخرى تعاود تكرار ما سبق، وقضى فيها نحو 12 مدنيا في حمص وطرطوس، وذلك في أول أيام عيد الفطر، يوم الاثنين 31 آذار/مارس.
ملابسات ووقائع ما جرى، مؤخرا، تؤشر إلى أن موجات العنف التي تشهدها البلاد، تعكس حالة من التفلت الأمني، بالدرجة التي تسمح بحدوث توابع لهذا العنف على مراحل متفاوتة وفي استهدافات متكررة.
مجزرة في بانياس
الأمن العام السوري، قال إنه اعتقل عناصر محسوبين على وزارة الدفاع، على خلفية تورطهم في قتل 6 مدنيين من الطائفة العلوية في ريف بانياس.
غير أن هذا الإعلان يصطدم بفداحة الحقائق على مستوى صور القتلى المروعة، وعدد الضحايا، مع استئناف القتل الانتقامي والطائفي الذي تجدد في غضون ثلاثة أسابيع إثر توقف مجزرة الساحل، بما يطرح تساؤلات حول جدوى هذا التوقيف في ظل حوادث ليست فردية أو عرضية، بل هي نذر موجات عنف متجددة، وبحاجة إلى ما هو أكثر من مجرد ضبط إجرائي يتعلق بعناصر أو مجموعات، إنما البحث وراء تفشي الظاهرة التي راكمت كل هذه الأجساد المتهالكة والمشوهة جراء التعذيب والقتل الهمجي.
إذ تشير مصادر محلية، إلى أن مجموعة من الملثمين وبحوزتهم أسلحة باشروا في إطلاق النار على مختار قرية “حرف بنمرة” في ريف بانياس، جودت فارس، فسقط قتيلا على الفور، بينما قضى معه خمسة آخرون. ووثق “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، مقره لندن، مقتل 6 مدنيين في القرية.
وأوضح “المرصد السوري”، أن المسلحين جاءوا من “قاعدة الديسنة”، أحد المعسكرات السابقة للجيش السوري لنظام بشار الأسد المخلوع، كما نقل عن “مصادر أهلية أن المسلحين انطلقوا من قاعدة الديسنة المعسكر السابق لقوات النظام في ريف بانياس، والذي تتمركز ضمنه قوات تابعة لوزارة الدفاع والداخلية، ونفذوا العملية وعادوا إلى القاعدة”، كما رددوا “شعارات طائفية وأطلقوا تهديدات مباشرة قبل تنفيذ الجريمة”.
وعلى إثر وقوع المجزرة في بانياس قال “المرصد السوري” في تقرير آخر منفصل: “شهدت قرى حرف بنبرة ودير البشل وبلغونس والتلة بريف بانياس التابعة لمحافظة طرطوس، حركة نزوح للأهالي نحو الجبال ونحو مناطق أكثر أمنا بعد المجزرة التي حصلت اليوم في قرية حرف بنمرة والتي راح ضحيتها 6 مدنيين من أبناء الطائفة العلوية قتلوا بدم بارد”.
وتابع: “ورافق حركة النزوح حالة من الخوف والهلع بين المدنيين من أن ترتكب مجزرة جديدة بحقهم، ونقص وشح في الغذاء والماء والدواء”.
مجزرة حمص وصحة صورة الطفل
وفي مدينة حمص، اقتحم مسلحان أحد المنازل في حي كرم الزيتون، وقاما بإطلاق “الرصاص على من بداخله وقتلوا بدم بارد سيدة وثلاثة من أولادها، بينهم طفلة، وأُصيب رب الأسرة”، في حين قضى بالهجوم ذاته اثنان من المدنيين من الطائفة السنية كانا في استضافة الأسرة، بحسب “المرصد السوري” الحقوقي.
كان لافتا مع المجزرة الأولى بالساحل السوري وفي ظل الانتقادات الأممية، تحرك السلطة الانتقالية لمواجهة الأحداث والتصدي لنتائجها، حيث تم تشكيل لجنة تحقيق، وقد شدد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع على ضرورة محاسبة كل من “تورط في دماء المدنيين”، ومحذرا من مغبة الوصول إلى “حرب أهلية” والحيلولة دون ذلك.
لكن هناك محاولات مقصودة ومتكررة لاستباق نتائج التحقيقات وحرف مساراتها، سواء عبر خلط الأمور ببعضها مثل اتهام أطراف من النظام السابق بالوقوف وراء هذه الأحداث ووصفها بـ”المؤامرة”، أو التشكيك في الصور ومقاطع الفيديو التي تنقل الانتهاكات وتوثق الجرائم الدموية المدوية.
فاضطلعت اللجان الإلكترونية بهذه المهمة، كما بدا واضحا مع الصورة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي لطفل ضمن الضحايا الذين قضوا برصاص المسلحين في ريف بانياس، حيث سعوا إلى الترويج بأن الصورة تعود لعام 2011، إلا أن منصة “تأكد” لتقصي وتدقيق المعلومات أكدت صحة الصورة.
وقالت منصة “تأكد” في منشور، يوم الاثنين، إن “الصورة التي شكّك مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي في صحتها بعد انتشارها تزامنا مع أنباء عن وقوع مجزرة في إحدى قرى مدينة بانياس التابعة لمحافظة طرطوس، هي صورة حديثة تُظهر الطفل إبراهيم شاهين، أحد ضحايا المجزرة التي وقعت في أول أيام عيد الفطر في سوريا”.
وأردفت منصة “تأكد”، أن “إبراهيم قُتل مع عدد من أفراد عائلته، بينهم والده وجده وثلاثة رجال آخرين، على يد مسلحين ظهر يوم الاثنين 31 آذار/مارس، في قرية حرف بنمرة بريف بانياس. ومعظم سكان القرية نزحوا بعدها خوفا على سلامتهم”.
ورغم أن مواقع عديدة معنية بالتحقق من المعلومات قد سارعت بنفي الأمر، إلا أن الشاهد في تلك الصورة المتداولة لجثة الطفل وحول خصره حبل استخدمه لبنطاله عوضا عن الحزام، هو عدم تبدل وضعه المأساوي بين عامي 2011 و2025، لينتهي به الحال إلى مجرد رقم جديد في قائمة الضحايا السوريين من عمليات القتل الهمجي والطائفي.
بينما هناك من يصر على الاستمرار في التعمية عن الحقائق، فضلا عن الخلط والتزييف المتعمدين، لتخفيف وطأة الضغط الحقوقي أو ممالأة السلطة.

