تسببت تصريحات للشيخ نعيم عرقسوسي، عضو “مجلس الإفتاء الأعلى” في سوريا، بجدل بين السوريين، بعدما كشف أن المجلس الذي تم تشكيله مؤخراً تحت إشراف الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، له صلاحيات كثيرة. 

وأكد عرقسوسي في تصريحات لصحيفة “القدس العربي” أن من مهام المجلس الرقابة على القوانين وقرارات الوزراء، وغيرها من القرارات الصادرة عن المسؤولين في مؤسسات البلاد العامة. 

تشكيل المجلس وأعضائه

تم تشكيل مجلس الإفتاء قبل أقل من أسبوع برئاسة الشيخ أسامة الرفاعي، الذي تم تعيينه أيضاً مفتياً لسوريا. 

Syria’s interim President Ahmed al-Sharaa speaks during a Ministerial formation of the government of the Syrian Arab Republic, in Damascus, Syria March 29, 2025. REUTERS/Khalil Ashawi TPX IMAGES OF THE DAY

ويضم المجلس 14 عضواً آخر من أبرز الوجوه الدينية في دمشق، منهم الداعية الشهير راتب النابلسي، ومفتي دمشق السابق عبد الفتاح البزم، والشيخ نعيم عرقسوسي، وعميد كلية أصول الدين في جامعة بلاد الشام ضمن مجمع كفتارو وهبي سليمان. 

كما تم تكليف اثنين من أعضاء المجلس بمهام في وزارتي العدل والأوقاف، وهما مظهر الويس ومحمد أبو الخير شكري، والشيخ أنس عيروط الذي يشغل أيضاً منصب محافظ طرطوس. 

صلاحيات مجلس الإفتاء أكثر من الإفتاء! 

لم يعقد مجلس الإفتاء الجديد بعد أي اجتماعات، ولم يتم تحديد مقر له، بحسب تصريحات عرقسوسي، الذي أشار إلى أن التفاصيل الخاصة بالتنظيم الداخلي والمقر ستتضح في الأيام المقبلة. 

ورغم ذلك، صرح عضو المجلس أن العمل فيه لن يقتصر على تلقي الأسئلة والإجابة عليها فقط، بل يمتد إلى إصدار الفتاوى والإرشاد فيما يتعلق بالقرارات الإدارية والقضائية، التي قد تتعارض مع الشريعة الإسلامية. 

وأضاف بأن مجلس الإفتاء سيكون “المصوب والمرشد والموجه” للقرارات التي تخالف الشريعة، لافتاً أنه حتى الآن لا يمكن الجزم بأن قراراته ستكون ملزمة؛ نظراً لعدم وضع نظام داخلي بعد، وذلك لكون تشكيل المجلس تم عشية العيد. 

وأردف عرقسوسي أن المجلس سيسعى لإنصاف كل شخص مظلوم قدم شكوى له، نظراً لكونه على تواصل دائم مع جميع الوزارات، ما يتيح إيصال المظالم إلى الجهات المعنية. 

آلية العمل والاجتهاد الجماعي 

عضو المجلس شدد على ضرورة أن يكون الاجتهاد داخل المجلس جماعياً وليس فردياً، مشيراً إلى أن الاجتهاد الفردي، مهما بلغ من العلم، لا يدرك بعض الزوايا والحيثيات اللازمة، مما قد يؤدي إلى فتوى غير متوافقة مع المسائل المطروحة. 

كما أبرز أهمية وجود وزير العدل مظهر الويس كعضو في المجلس، معتبراً أن مشاركته ستسهم في ضمان التزام قرارات وزارة العدل والأحكام القضائية بالخط العام للشريعة الإسلامية. 

ورأى عرقسوسي أن نص الإعلان الدستوري الذي يؤكد أن الفقه الإسلامي هو المصدر “الرئيسي” للتشريع لا ينفي إمكانية الاستفادة من مصادر أخرى لا تتنافى مع الشريعة، مضيفاً أن التعاون مع وزارة الأوقاف سيكون على نفس المبادئ الشرعية، مما يعكس تناغماً بين الجهات الدينية والإدارية، حسب رأيه. 

تصريحات تثير الجدل حول علاقة الدين بالدولة

فور انتشار تصريحات الشيخ نعيم عرقسوسي، ارتفعت موجة من الجدل بين السوريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها البعض مؤشراً خطيراً على تغوّل السلطة الدينية والمشيخية في إدارة شؤون الدولة، وتحول مجلس الإفتاء عملياً إلى جهة تشريعية تتدخل في حياة المواطنين السوريين الذين ينتمون إلى أديان وطوائف ومشارب فكرية شديدة التنوع والتلوّن. 

وحذر سوريون من أن منح مجلس الإفتاء صلاحيات تتجاوز وظيفته الأساسية، قد يؤثر سلباً على الحريات العامة والشخصية مثل حرية الاعتقاد واللباس وحرية التعبير والإعلام والنشر، ما قد يحوّل سوريا إلى دولة دينية في الشكل والمضمون قبل نهاية المرحلة الانتقالية التي ستمتد إلى 5 سنوات.  

كما رأى البعض أن تصريحات عرقسوسي ليست مستغربة، وهي تتوائم مع الخلفية الدينية المتشددة للسلطة الجديدة في البلاد، وسياساتها في تعيين المسؤولين والمحافظين والوزراء، وأسلوبها في إدارة شؤون البلاد وتعاملها المباشر مع المواطنين. 

من جهة أخرى، اعتبر آخرون أن سوريا لن تصبح أفغانستان و”هيئة تحرير الشام” ليس مثل حركة “طالبان”، وصلاحيات مجلس الإفتاء لن تتجاوز السقف والسياسة العامة للدولة، والتي يحددها الرئيس الانتقالي والدائرة المحيطة به، والتي تحاول التحلل من الماضي الجهادي ببطء دون تأليب البيئة الداعمة، وذلك لأجل كسب ود المجتمع الدولي وتقليل مخاوفه، ولرفع العقوبات القاسية والحصول على التمويل والدعم اللازم، لإعادة الإعمار وتوطيد الحكم.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات