سجال سياسي حاد بين إسرائيل وتركيا وصراع نفوذ علني في سوريا 

سجال سياسي حاد بين إسرائيل وتركيا وصراع نفوذ علني في سوريا
سجال سياسي حاد بين إسرائيل وتركيا وصراع نفوذ علني في سوريا

اندلع سجال سياسي حاد بين أنقرة وتل أبيب عقب الضربات العسكرية الواسعة التي نفذتها إسرائيل داخل الأراضي السورية، والتي أسفرت عن مقتل العديد من المدنيين والعسكريين، في مشهد جديد يعكس تصاعد التوتر بين الدول صاحبة النفوذ (تركيا وإسرائيل) في سوريا المنهكة، التي خرجت قبل شهور قليلة من حرب استمرت 14 سنة. 

وتبادلت العاصمتان الاتهامات، إذ وصفت تركيا إسرائيل بأنها “التهديد الأكبر لأمن المنطقة”، فيما أعربت الأخيرة عن قلقها مما وصفته بــ”التمدد التركي المقلق” في سوريا، على خلفية الاتفاق الدفاعي بين أنقرة والنظام السوري المؤقت لإنشاء قاعدة عسكرية تركية في سوريا. 

تخوف إسرائيلي من التمدد التركي في سوريا

بات النفوذ التركي المتنامي داخل سوريا يشكل هاجساً أمنياً واستراتيجياً لإسرائيل، التي بدأت تنظر بجدية إلى هذا التحول كعامل يهدد توازن القوى في المنطقة ويقيد هامش تحركها العسكري، بحسب تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وتقارير الصحافة العبرية. 

مصدر أمني إسرائيلي كشف مؤخراً لصحيفة “جيروزاليم بوست” أن إنشاء قاعدة جوية تركية في سوريا يمثل “تهديداً محتملاً” لحرية العمليات العسكرية الإسرائيلية في الأجواء السورية.  

وبحسب المصدر، فإن القيادة السياسية والأمنية في إسرائيل عقدت خلال الأسابيع الأخيرة عدة اجتماعات لمناقشة تداعيات هذا التوسع التركي، وسط قلق متزايد من تحول سوريا إلى منطقة نفوذ تركي دائم. 

صحيفة “معاريف” الإسرائيلية نقلت أن اجتماعاً أمنياً موسعاً سيُعقد بمشاركة وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، ورئيس الأركان، إيال زامير، وعدد من القادة العسكريين، لبحث التواجد التركي المتزايد في سوريا، والذي تعتبره إسرائيل تهديداً “يخل بالتوازن الإقليمي”. 

وبعد سقوط نظام الأسد، سارعت إسرائيل للسيطرة على أجزاء من جنوب غربي سوريا وأنشأت منطقة عازلة، بحجة تأمين سلامة إسرائيل من الجماعات المسلحة.   

رسائل واضحة إلى أنقرة 

في خطوة فسرت على نطاق واسع بأنها رسالة مباشرة إلى تركيا، نفذت القوات الإسرائيلية ليلة الأربعاء – الخميس، غارات جوية واسعة على مواقع عسكرية في دمشق، حمص، حماة، وقصفت بالمدفعية مواقع في درعا. 

وقال الجيش الإسرائيلي، إنه استهدف قدرات عسكرية تركية وسورية في قاعدتي حماة و”تي فور”، بالإضافة إلى مواقع بنى تحتية في محيط العاصمة دمشق. 

وأضاف أن قوات “اللواء 474” نفذت عملية توغل بري وجوي في ريف درعا، أسفرت عن مصادرة أسلحة وتدمير بنى تحتية واشتباك مع مسلحين محليين، وأعلن المتحدث باسم الجيش، أفخاي أدرعي، القضاء على عدد من “الإرهابيين” حسب وصفه، دون تسجيل إصابات في صفوف القوات الإسرائيلية. 

وأفادت السلطات المحلية في درعا بمقتل تسعة مدنيين على الأقل وإصابة آخرين، إثر قصف استهدف منطقة حرش سد الجبيلية بين مدينة نوى وبلدة تسيل. 

من جانبها، وصفت وزارة الخارجية السورية الضربات الإسرائيلية بأنها “انتهاك سافر لسيادة سوريا والقانون الدولي”، وطالبت المجتمع الدولي بالتدخل الفوري لوقف “العدوان المتكرر”، داعية إلى احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها. 

تحذيرات إسرائيلية لدمشق وتركيا 

وفي أعقاب سلسلة الضربات التي نفذها الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، عبّر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، خلال مؤتمر صحفي عقده مع نظيره الفرنسي في باريس، أمس الخميس، عن قلق بلاده مما وصفه بــ”الدور السلبي” الذي تلعبه تركيا في سوريا ومناطق أخرى. 

وقال ساعر: “يبذلون (الأتراك) قصارى جهدهم لجعل سوريا محمية تركية.. من الواضح أن هذه هي نيتهم”. 

بدوره، وجّه وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عقب الضربات الجوية، تحذيراً شديد اللهجة إلى دمشق، فيما اعتُبر رسالة واضحة إلى أنقرة. 

وقال كاتس: “إذا سمحت دمشق بدخول قوات معادية لإسرائيل إلى سوريا، فستدفع ثمناً باهظاً جداً”، مشدداً على أن نشاط سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا يمثل “تحذيراً للمستقبل”، مضيفاً أنه “لن يُسمح بأي مساس بأمن الدولة”. 

تصريحات تركية شرسة ضد إسرائيل 

في رد قوي، أصدرت وزارة الخارجية التركية بياناً أدانت فيه الهجمات الإسرائيلية، ووصفتها بـ”العدوان غير المبرر” و”محاولة لتقويض الجهود الإقليمية لتحقيق الاستقرار”، مضيفة أن “إسرائيل تشكل التهديد الأكبر لأمن المنطقة”، محملة تل أبيب مسؤولية التصعيد والفوضى. 

وأوضحت الوزارة أن إسرائيل شنت هجمات جوية وبرية متزامنة على عدة مواقع داخل سوريا، رغم عدم وجود أي استفزاز أو تهديد مباشر ضدها في الساحة السورية، معتبرة أن هذه الاعتداءات تُعد دليلاً على أن نهج السياسة الخارجية الإسرائيلية يقوم على “تغذية الصراعات وزعزعة الاستقرار”. 

وزادت أنه “من أجل إرساء الأمن في المنطقة بأكملها، يجب على إسرائيل أولاً التخلي عن سياساتها التوسعية، والانسحاب من الأراضي التي تحتلها، والتوقف عن تقويض الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في سوريا”. 

واعتبرت الخارجية التركية، أن “التصريحات الاستفزازية للوزراء الإسرائيليين ضد بلادنا تعكس الحالة النفسية التي يعيشونها، فضلاً عن السياسات الأصولية والعنصرية التي تنتهجها حكومة إسرائيل”. 

صراع إقليمي يتضخم في سوريا 

يأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه الساحة السورية تحولات عسكرية وجيوسياسية معقدة، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية، وتتزاحم المشاريع والنفوذ على أرض أنهكتها الحرب التي استمرت لأكثر من عقد، وأصبحت اليوم مسرحاً شبه مفتوح لصراع النفوذ بين أطراف متعددة تسعى خلف مصالحها.  

في خضم هذه التحولات، تحاول السلطة الجديدة في سوريا، التي تشكلت عقب سقوط نظام بشار الأسد قبل أربعة أشهر فقط، فرض نفسها على المشهدين الداخلي والخارجي، وسط تحديات هائلة تتراوح بين إعادة بناء المؤسسات، واحتواء القوى المحلية المتنازعة، وضبط الوضع الأمني الذي أصبح أكثر سوءاً من السابق. 

افتقار الإدارة السورية الجديدة لقاعدة سياسية راسخة أو اعتراف دولي واسع، يجعلها في موقف صعب، وقد يدفعها ذلك إلى التعجيل بعقد تحالفات خارجية بحثاً عن الدعم والشرعية، وتُعد الاتفاقية الدفاعية التي وقعتها مع تركيا، لإنشاء قاعدة عسكرية تركية، واحدة من أبرز الخطوات التي أثارت المخاوف، ففي الوقت الذي ترى فيه دمشق أن هذا التحالف من شأنه أن يدعم استقرار البلاد ويوفر مظلة أمنية قوية، يحذر كثيرون من أن الارتهان المبكر لأنقرة قد يزيد من تعقيد الموقف السياسي الداخلي، ويفتح الباب أمام توترات إقليمية جديدة، لا سيما مع إسرائيل. 

وترى أنقرة في شراكتها مع دمشق فرصة لترسيخ نفوذها ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، وتثبيت دورها كلاعب رئيسي في مستقبل سوريا، لكن هذا التمدد التركي لا يُنظر إليه بعين الرضا في إسرائيل، التي تعتبر أي وجود عسكري دائم لخصومها في سوريا تهديداً مباشراً لأمنها القومي الآن أو في المستقبل. 

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم