شكوك حول تصدير أول شحنة فوسفات منذ سقوط الأسد.. ما علاقة روسيا بها؟

شحنة فوسفات

أثير جدلٌ خلال الساعات الماضية بعد خروج أول شحنة كبرى من الفوسفات منذ سنوات، من مرفأ طرطوس غربي سوريا، لتستأنف البلاد نشاطها البحري وتصدير المواد الطبيعية. 

ولم تفصح “الهيئة العامة للمنافذ البحرية” خلال مضمون بيانها الصادر أمس بشأن تلك الشحنة عن وجهة التصدير أو قيمتها السعرية، ما أثار حالة من الجدل والرفض لعدم شفافية الجهات المعنية.  

مرحلة اقتصادية جديدة 

أوضحت “الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية” أن باخرة تجارية أبحرت محمّلة بـ 10 آلاف طن من الفوسفات السوري الخام، لتكون أول شحنة تصديرية تغادر مرفأ طرطوس بعد سقوط نظام الأسد المخلوع. 

وصفت الهيئة خلال بيانها تلك الخطوة بأنها بداية فعلية لاستعادة النشاط التجاري البحري وواحدة من المؤشرات البارزة على دخول البلاد مرحلة اقتصادية جديدة بعد سقوط نظام الأسد البائد. 

كما قالت إن هذا التحرك يعكس إعادة تشغيل واحدة من أبرز سلاسل التصدير المرتبطة بالثروات الباطنية في البلاد، ويمهّد لمرحلة تفعيل قطاع الموارد الطبيعية في إطار خطط التعافي الاقتصادي. 

وأكدت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية أن استئناف تصدير الفوسفات يأتي ضمن رؤية جديدة تهدف إلى استثمار الثروات الوطنية في تحريك عجلة الاقتصاد، وتعزيز الحضور السوري في الأسواق الدولية بعد سنوات من الانقطاع والعزلة الاقتصادية. 

غموض حول المناقصات المطروحة

الحكومة السورية الجديدة كانت أعلنت في شباط/ فبراير الماضي، عن طرح مزايدة لبيع 175 ألف طن من الفوسفات الرطب المستخرج من مناجم الفوسفات في منطقة تدمر بمحافظة حمص وسط سوريا.  

ودعت الشركات والمستثمرين الراغبين بالمشاركة في المزاد إلى تقديم عروضهم في مبنى الوزارة في دمشق، على أن يكون آخر موعد لتقديم العروض في 24 من الشهر الجاري، على أن يتم فضّ العروض في اليوم التالي. 

الحكومة لم تكشف عن هوية الجهة التي رست عليها المناقصة، وحتى رغم الإعلان عن خروج الشحنة لم توضح الجهة التي سيتم التصدير لها، ودائمًا ما يحيط الغموض المناقصات الحكومية، فجميعها لم يعلن عن الطرف الآخر فيها. 

في سياق متصل، أعلنت الحكومة عن مناقصة جديدة تتعلق بأعمال كشف الردم أو التكشيف، التي تهدف إلى الوصول إلى طبقة الفوسفات الخام في المناجم، كما أعلنت عن مناقصة أخرى لإنتاج الفوسفات المركز بواسطة الكسارة في مناجم “الشرقية” و”خنيفيس” بتدمر.  

وحددت موعد تقديم العروض للمناقصة الأولى في 27 من الشهر الحالي، بينما سيكون آخر موعد لتقديم العروض للمناقصة الثانية في 26 من الشهر نفسه. 

مناقصات لشراء النفط ومشتقاته 

سبق أن كشف وزير النفط والثروة المعدنية في الحكومة الانتقالية السورية “غياث دياب”، أن دمشق أصدرت مناقصات علنية لشراء النفط ومشتقاته، في تصريح لأحد المواقع الإعلامية المحلية. 

وقال إن “دمشق أصدرت مناقصات علنية “لاستجرار النفط ومشتقاته لتحقيق الكفاءة في الاستيراد وخلق بيئة تنافسية في سوريا”، وأضاف: “نسعى لجعل قطاع النفط في سوريا يتحلى بالكثير من الشفافية ويكسب ثقة الجميع، بخلاف زمن النظام المخلوع الذي احتكره لنفسه”. 

ويعاني قطاع النفط في سوريا بعد سقوط النظام البائد، من عدة صعوبات وتحديات، تشكل عائقا في تأمين المشتقات النفطية”، وأضاف: “لا يزال عدد من الآبار النفطية خارج إدارة الدولة السورية، وهذا يعد من أكبر تلك العوائق وأبرزها ويزيد من معاناة الأهالي”. 

مدير العلاقات العامة في وزارة النفط والثروة المعدنية، أحمد السليمان، كان صرح بأن الوزارة تلقت عدة عروض من شركات محلية ودولية، مشيراً إلى أن هذه العروض قيد التقييم قبل إعلان النتائج في الوقت المحدد. 

ووفقاً للمسؤول في وزارة النفط، فإن هناك عراقيل تواجه عملية الاستخراج والتصدير، تتمثل بالبنية التحتية المتضررة التي تحتاج إلى استثمارات كبيرة في هذا القطاع. 

تساؤلات حول وجهة الشحنة 

نظرًا لعدم الكشف عن الجهة المصدر لها شحنة الفوسفات، البعض تكهن بأن تكون وجهتها هي روسيا، خاصة وأنها سيطرت عبر عقود مع النظام السابق على جزء كبير من هذا القطاع. 

علق أحد النشطاء على إعلان “الهيئة العامة للمنافذ البرية” بمغادرة أول شحنة فوسفات مرفأ طرطوس، متسائلًا عن وجهتها كما تمت وفق أي عقود، إضافة إلى سعرها وتطابقه بالأسعار العالمية. 

“العقود التي أبرمها المجرم تاجر الكبتاغون كانت فاسدة بأسعار زهيدة لدول حليفة له.. هل غيرتم شيء أم استمرت ذاتها”، في إشارة إلى الإدارة السورية الجديدة”. 

أحد النشطاء مستنكرًا الغموض حول الشحنة

فيما استنكر آخر البيان، وقال: “ألا يوجد تصريح للإعلام عن سعر المتر أو الطن ووجهة التصدير إلى أي دولة.. نريد شفافية يا أفاضل”. 

يشار إلى أن هناك دول مهتمة بالفوسفات السوري، أيضًا على رأسها دول الخليج العربي التي ترغب حاليًا بتوسيع استثماراتها في سوريا، إضافة إلى الصين أيضًا لديها اهتمام بالموارد الطبيعية السورية ضمن استراتيجيتها في الشرق الأوسط، إضافة إلى تركيا التي تسعى للاستفادة من المعادن السورية، والدول الأوروبية والهند يمكن أن تكون مهتمة إذا توفر مناخ استثماري مناسب. 

ما علاقة روسيا؟ 

في آذار/ مارس من العام 2017، وقَّع النظام عقدًا مع شركة “ستروي ترانس غاز” (STG) الهندسية الروسية، بهدف تنفيذ أعمال الصيانة اللازمة للمناجم وتقديم خدمات الحماية والإنتاج والنقل إلى مرفأ “سلعاتا”” بلبنان. 

وفي 26 من آذار/ مارس 2018، صدّق مجلس الشعب في عهد النظام السابق على اتفاق موقع بين “المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية” وشركة “ستروي ترانس غاز” الروسية، نص على استثمار مناجم الفوسفات في تدمر مدة 50 عامًا، بإنتاج سنوي قدره مليونان و200 ألف طن، من احتياطي 105 ملايين طن. 

لم تصدر الحكومة الجديدة قرارًا رسميًا تلغي من خلاله الاتفاق المبرم مع روسيا وعقود استثمار مناجم الفوسفات مع شركة “ستروي ترانس غاز”. 

نقلت وكالة الأنباء “رويترز” بعد سقوط الأسد، في كانون الثاني/ يناير الماضي، عن ثلاثة رجال أعمال سوريين، أن الحكومة المؤقتة ألغت الاتفاق الموقع مع الشركة الروسية، التي تدير وتشغل بموجبه مرفأ طرطوس. 

بينما صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، نقلت عن مصدر دبلوماسي روسي، أن شركة “ستروي ترانس غاز” شركة خاصة وليست حكومية، وأصولها مقسمة بالتساوي بين شركاء روس وسوريين، وبذلك، يمتلك الجانب الروسي 50 بالمئة من أسهمها، بينما تمتلك الـ 50 بالمئة الأخرى واحدة من شركات “مجموعة القاطرجي” المقربة من النظام السابق. 

أرقام 

يبلغ الاحتياطي السوري من الفوسفات نحو 1.8 مليار طن، وينتشر الفوسفات في عدّة مواقع من بادية تدمر، أهمها: مناجم “الصوانة الشرقية” و”خنيفيس”. 

في سبعينيات القرن الماضي، بدأت الدولة استثمار الفوسفات الذي يُعتبر متوسط الجودة، لكنه يتميز بكونه صالحاً لجميع الاستخدامات، من خلال إنشاء 5 مصانع ورصيفي تحميل في مرفأ طرطوس، وسكة حديد لنقل المادة المنتَجة إلى مرفأ التصدير. 

وصل إنتاج الفوسفات وتصديره في عام 2010 إلى نحو 3.7 ملايين طن، صُدِّر منها 2.4 مليون طن عن طريق مرفأ طرطوس، و700 ألف طن برّاً إلى لبنان، إضافة إلى تزويد معمل الأسمدة في حمص بنحو 600 ألف طن بغية إنتاج الأسمدة الفوسفاتية، وفقاً للأرقام الرسمية. 

وتراجعت كمية الفوسفات المنتَج والمُصدَّر اعتباراً من عام 2011، لتصل في عام 2014 إلى نحو 1.2 مليون طن، أي بنسبة انخفاض قُدرت بنحو 68 بالمئة مقارنةً بعام 2010، ثمّ توقّف الإنتاج بشكل كامل منتصف عام 2015، نتيجة سيطرة تنظيم “داعش” على المناجم وتخريبها وسرقة آلياتها ومعدّاتها الهندسية، بحسب تقارير صحفية. 

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم