تفاؤل حذر بعد عقد اتفاق تشغيل ميناء اللاذقية.. ورهان فرنسي على مكاسب الصفقة

ميناء اللاذقية

وقّعت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا اتفاق تطويرِ وتشغيلِ ميناء اللاذقية مع شركة “سي إم إيه سي جي إم” (CMA CGM) الفرنسية ضمن خطة للنهوض بواقع الموانئ السورية وتحسين كفاءتها التشغيلية. 

ويمثل هذا الاتفاق اختبارًا لقدرة الإدارة السورية الجديدة على اجتذاب استثمارات أجنبية مباشرة في ظل القيود المفروضة والعقوبات الغربية، إضافة إلى قدرتها على المنافسة مع الموانئ التجارية الكبرى الأخرى في المنطقة. 

آلية تصاعدية لتوزيع الأرباح 

بحسب الهيئة السورية فإن الاتفاق الذي وُقع في فبراير الماضي مدته 30 عاما، وهي المدة المُعتمدة عالميًا لمثل هذا النوع من الاستثمارات، لضمان الجدوى الاقتصادية وتحقيق الأهداف التطويرية المنشودة. 

وبيّنت أن الشركة الفرنسية ستباشر خلال هذه المدة بضخ استثمارات أولية بقيمة 30 مليون يورو (33.9 مليون دولار) خلال السنة الأولى، مخصَّصة لتطوير البنية التحتية والفوقية، وصيانة المعدات الحالية والأرصفة، بالإضافة إلى إدخال أنظمة تشغيل وتكنولوجيا حديثة تعتمدها الشركة في موانئ عالمية أخرى، كما ستضخ في السنوات الثلاث التالية استثمارات إضافية تصل إلى 200 مليون يورو (226 مليون دولار). 

ويمنح الاتفاق الشركة الفرنسية مسؤولية إدارة وتشغيل محطة الحاويات، في حين تحتفظ الدولة بحق الرقابة والتقييم، وتبقى كافة حقوق السيادة الوطنية محفوظة بالكامل ضمن الإطار القانوني الناظم للعقود الاستثمارية البحرية. 

وحسب الهيئة البحرية، تم وضع آلية تصاعدية لتوزيع الأرباح، إذ سترتفع نسبة الدولة من العائدات كلما زاد حجم المناولة وعدد الحاويات، ووفقًا للاتفاق، تبدأ حصة الدولة عند مستوى معين، ثم ترتفع تدريجيًا حتى تصل إلى 70 بالمئة، مقابل 30 بالمئة للشركة المشغلة، كما أن كافة النفقات التشغيلية ستكون من مسؤولية الشركة، ما يضمن أقصى قدر من الفائدة الاقتصادية للدولة. 

فوارق بين العقد السابق والحالي للشركة 

لمرفأ اللاذقية أهمية اقتصادية وتاريخية كبيرة في سوريا، فهو من أقدم مرافئها التي تأسست على شاطئ البحر المتوسط، ويمثل أحد أهم الفروع الرئيسية للحياة الاقتصادية في المدينة، كما يتم عن طريقه استيراد وتصدير معظم حاجات البلاد غير النفطية. 

أما “سي إم إيه سي جي إم”  CMA CGM فتعتبر من كبرى شركات الشحن البحري في العالم، ويقع مقرها الرئيسي في مارسيليا الفرنسية، وتعمل في مجالات النقل البحري والخدمات اللوجستية، كما تدير العديد من محطات الحاويات الدولية. 

لم تكن هذه المرة الأولى التي تُشغّل فيها الشركة الفرنسية محطة الحاويات في اللاذقية، حيث كانت وقعت عقد عام 2009 ضمن شركة محطة حاويات اللاذقية الدولية (LIST) التي أنشئت بشراكة مع شركة “سوريا القابضة”، التي كان يديرها آنذاك رجل الأعمال طريف الأخرس، والذي شمل حينها استثمارات لا تتجاوز 50 مليون دولار على مدار 10 سنوات، وتضمن تنفيذ أعمال الصيانة وإعادة تأهيل البنية التحتية للمرفأ. 

وبحسب مدير عام الموانئ السورية، عدنان حاج عمر، فإن الفارق بين العقد الحالي والسابق يتمثل في أن البيئة التي وُقّع فيها عقد 2009، لم تكن توفر أي شروط استثمارية مستقرة، وكان هناك غياباً للحوكمة والشفافية، ناهيك عن الظروف الأمنية والسياسية التي عصفت بسوريا لاحقاً. 

أما العقد الجديد جعل سوريا أمام شراكة قائمة على نموذج استثماري حديث، يرتكز إلى إدارة احترافية، وضخ مباشر لرؤوس الأموال، ونقل تكنولوجيا تشغيل متطورة تُعتمد في أهم موانئ العالم، وفق ما نقل عنه موقع “الشرق”. 

تأثير استراتيجية 

بالنسبة للأثر الاستراتيجي للمشروع، أشار حاج عمر إلى أن تطوير مرفأ اللاذقية يهدف إلى تغيير موقع سوريا اللوجستي على خارطة المنطقة من خلال تحويل المرفأ إلى مركز إقليمي للترانزيت يربط شرق المتوسط بدول الجوار مثل العراق والأردن، خاصة مع تحسين الكفاءة التشغيلية واستقدام خطوط ملاحية جديدة. 

وشدد على أن السيادة السورية محفوظة بالكامل، والدولة تحتفظ بحق التقييم والرقابة الكاملة على الأداء، مؤكدًا أن الإدارة السورية لا تبيع أصولاً ولا تمنح امتيازات دائمة، بل تدير المرافئ بأدوات حديثة. 

ويتابع محللون اقتصاديون الاتفاق بتفاؤل حذر مشيرين إلى أن العوائد التي تبدو مثالية من الناحية الفنية تُخفي في طياتها أبعاداً سياسية واقتصادية معقدة. 

بدوره رأى، المحلل الاقتصادي السوري، يونس الكريم، أن الاتفاق يعكس وجود تشابك معقد للمصالح الجيوسياسية والاقتصادية في شرق المتوسط، مشيرًا إلى أنه أقرب إلى وعد بالتعاقد أو تفاهم أولي لا يرقى بعد إلى التنفيذ الكامل. 

أهمية اقتصادية حيوية 

أكد المحلل الاقتصادي السوري، أن ميناء اللاذقية يكتسب أهمية اقتصادية حيوية، خاصة في ظل تعثر مرفأ بيروت، بعد الانفجار الذي شهده عام 2020، إضافة إلى إلغاء التعاقد مع شركة روسية لإدارة مرفأ طرطوس خلال يناير الماضي. 

ورجّح أن يصبح مرفأ اللاذقية منفذًا استراتيجيًا عند إطلاق مشروع إعادة إعمار سوريا بشكل فعلي، مشيراً إلى أن الشركات الغربية، مثل CMA CGM، تسابق الزمن لتأمين موطئ قدم مبكر قبل توزيع الحصص. 

بخلاف المكاسب التجارية، فإن للصفقة أيضًا بُعداً عسكرياً واستخباراتياً، بحسب المحلل الاقتصادي السوري، موضحًا أن ميناء اللاذقية يشكل نقطة مراقبة استراتيجية للوجود الروسي في المياه الدافئة، ويتيح لفرنسا، بشكل غير معلن، تحييد النفوذ الروسي تدريجياً في هذا الشريط الساحلي الحساس. 

وأضاف أن فرنسا تنظر إلى مرفأ اللاذقية كبوابة استراتيجية لتعزيز نفوذها في شرق المتوسط، ليس فقط لمراقبة تحركات القوى الإقليمية، بل أيضاً لمحاصرة خطوط الدعم التي يُعتقد أن كوريا الشمالية كانت تمررها سابقاً عبر الساحل السوري لصالح برامج تسليح إيرانية. 

رسالة سياسية فرنسية 

أشار الخبير الاقتصادي إلى أن إضافة إلى الدوافع السابقة، فإن فرنسا تسعى عبر هذا الاتفاق إلى توجيه رسالة سياسية واضحة إلى الحكومة السورية الجديدة، مفادها استعداد باريس الدخول كشريك اقتصادي، لكن ضمن شروط أوروبية تضمن تحجيم نفوذ روسيا وتركيا، وفتح الباب تدريجياً لمرحلة ما بعد بشار الأسد. 

وأفاد بأن الاتفاق قوّض فرص جذب مستثمرين آخرين بشروط أكثر مرونة، كما أن الإدارة السورية فقدت سيطرتها على ممراتها التجارية، بعد أن سلمت ورقة ضغط مهمة في ملف التمويل الدولي، وهو عنصر حيوي في أي مفاوضات اقتصادية مستقبلية. 

ويشكك الباحث الاقتصادي في إمكانية تحويل ميناء اللاذقية إلى مركز إقليمي للترانزيت على المدى القريب، مشيرًا إلى أن هذه الفكرة جميلة على الورق، لكنها تصطدم بواقع معقد للغاية، يتمثل في عدم استقرار الوضع الأمني، وغياب الاعتراف الدولي الواسع بالحكومة الجديدة، ووجود قواعد عسكرية متنافسة، وهو ما يقلل من جدوى الاستثمار الفعلي في الميناء، وخاصة بوجود طبقات معقدة من العقوبات الدولية والصراعات المحلية. 

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم