لا تزال مسألة المقاتلين الأجانب ضمن هياكل “الجيش السوري الجديد” تشكّل معضلة أمام الحكومة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، في وقت تتزايد فيه الضغوط الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تربط أي انفتاح سياسي واقتصادي تجاه دمشق بعدة شروط، ولكن ابرزها ضرورة طرد هؤلاء المقاتلين من سوريا.
ومن هنا، تبرز عدة تساؤلات حول مصير هؤلاء العناصر، وحجم خطورتهم وتأثيرهم على الداخل السوري، وعلى سلطة الشرع نفسه. فهؤلاء المقاتلون، الذين انخرط بعضهم في الصراع السوري منذ بداياته، ينتمون إلى جنسيات متعددة، وبينهم عناصر سابقة في فصائل جهادية وإرهابية، مما يثير مخاوف من أن يشكّلوا لاحقا عائقا أمام تعافي العديد من أزمات سوريا، أو أدوات لجهات خارجية، أو حتى أن ينضموا لتنظيم “داعش” الإرهابي.
وفي تقرير حديث لـ”DW“، يسلط الضوء على من هم المقاتلون الأجانب في سوريا ومدى خطورتهم على سوريا وعلى سلطة الشرع.
من هم المقاتلون الأجانب في سوريا؟
قبل أيام قليلة، وخلال لقائه الشرع، قال الرئيس الأميركي إن “المقاتلين الأجانب يجب أن يغادروا سوريا” كأحد شروط رفع العقوبات الأميركية عن سوريا.

كما وأدلى المبعوثون الفرنسيون والألمان بتصريحات مماثلة، إذ يخشى كثيرون من أن تصبح سوريا ملاذا لجماعات ذات أيديولوجيات متطرفة قد تنشط لاحقا على المستوى الدولي.
ويقدر عدد الأجانب الذين قاتلوا إلى جانب “هيئة تحرير الشام”، التي تحكم سوريا الآن، بما يتراوح بين 1500 و6000 مقاتل، بحسب خبراء، فيما يقدر آخرون عددهم الإجمالي بما يتراوح بين 10 و12 ألف مقاتل، وهو ما يعادل نحو 10 إلى 20 بالمئة من إجمالي قوات “المعارضة السورية” التي أطاحت بالنظام السابق.
وبحسب “DW”، تتكون أكبر مجموعة من المقاتلين الأجانب من الأويغور، المعروفين أيضا باسم “التركستان”، القادمين من وسط وشرق آسيا، بما في ذلك الصين. أما المقاتلون الآخرون، فيأتون من روسيا، ودول الاتحاد السوفيتي السابق، والبلقان، وتركيا، والدول العربية، والدول الأوروبية.
وجاء معظم هؤلاء المقاتلين الأجانب إلى سوريا في بداية الحرب السورية عام 2011، استجابةً لدعوات تنظيم “داعش” الإرهابي، الذي كان يسعى آنذاك لإقامة ما يُسمى بـ” دولة الخلافة”. لكن بعد أن قطعت “هيئة تحرير الشام” علاقاتها مع تنظيمي “داعش” و”القاعدة”، غادر بعض الأجانب الجماعة، بينما بقي آخرون.
وفي أواخر عام 2024، خلال العملية التي قادها تنظيم “هيئة تحرير الشام” للإطاحة بالرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، لعبت عدة مجموعات من الأجانب، بمن فيهم الأويغور والشيشان، دورا أساسيا في نجاح العملية. وقال الشرع إنه يجب مكافأتهم على مساعدتهم، وتم تعيين عدد منهم في شهر كانون الثاني/يناير بمناصب عليا في “الجيش السوري الجديد” وهو ما أثار بعض الجدل.
ويرى الباحث في “معهد واشنطن”، آرون زيلين، في حوار مع “DW”، أنه من الصعب تحديد مدى أهمية المقاتلين الأجانب لقوات الأمن السورية الآن “لأن عدد السوريين يفوق بكثير عدد الأجانب”. لكنه أشار إلى أن بعضهم يتمتع بأهمية أكبر، فعلى سبيل المثال، يعمل مقاتلو الكتيبة الأويغورية الآن كقوة أمنية شخصية للشرع.
ويقول زيلين: “هم أساسا من يحمونه لأنه يثق بهم، ويُنظر إليهم كرفاق سلاح في القتال ضد بشار الأسد”.
من جانبه، أشار لاجئ سوري مقيم في ألمانيا، طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إلى أنه التقى بعدد من المقاتلين الأجانب أثناء قتاله قوات نظام الأسد في مدينة حلب السورية، مردفا لـ “DW”: “كان بعضهم جيدا، بينما لم يكن بعضهم الآخر جيدا. كانوا شديدي التركيز على القتال، وكان لدى الكثير منهم عقلية سلفية. أرادوا الذهاب إلى حيث تدور المعارك”.
خطورة المقاتلين الأجانب
يعد المقاتلون الأجانب، وهم أكثر توجها دينيا، المجموعة الأكثر اتهاما بالتورط في أعمال العنف الأخيرة ضد الأقليات السورية، كما يُلامون أيضا على محاولات السيطرة على لباس المرأة وسلوكها الاجتماعي في المدن السورية.

في هذا الصدد، قال الباحث والخبير في الشؤون السورية، عروة عجوب، في تقرير “للمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية”، إنه حتى وقت قريب جدا، كانت “هيئة تحرير الشام” لا تزال تُصوّر نفسها على أنها “مدافعة” عن الإسلام السني.
ولكن بعد سقوط نظام الأسد، اتخذت الجماعة مسارا “أكثر ليبرالية”، بحسب التقرير. ويقول عجوب: “يُمثل هذا التغيير المفاجئ في السردية تعديلا كبيرا للصفوف.. قد يكون هذا التحول تحديا للمقاتلين الذين اعتادوا على وجهة نظر طائفية أضيق. يواجه العديد من مقاتلي هيئة تحرير الشام، الذين لم يغادروا أبدا البيئة المحافظة في إدلب، مجتمعات أقل تحفظا في دمشق”.
احتمالات الانضمام لـ”داعش”
على إثر لقاء أحمد الشرع بالرئيس الأميركي في السعودية، دعا تنظيم “داعش” المقاتلين الأجانب في سوريا إلى الانشقاق عن الحكومة الحالية بقيادة الشرع. وحثّ التنظيم المقاتلين الأجانب الغاضبين من دبلوماسية الشرع مع الولايات المتحدة على الانضمام لصفوفه.
ووصف التنظيم الإرهابي الشرع بـ”خائن للقضية” و”كافر” و”عبد” و”تذلل أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب”، في العدد الأخير من نشرته الأسبوعية.
ويرى الباحث في معهد أبحاث السياسة الخارجية في فيلادلفيا، محمد صالح، أنه “إذا استمرت هيئة تحرير الشام في اتجاهها نحو الاعتدال النسبي، مثل التسامح مع النساء غير المحجبات والسماح ببيع الكحول والمشاركة في عملية سياسية على النمط الغربي، فقد تنشق العناصر المتشددة داخل هيئة تحرير الشام، وخاصة الجهاديين الأجانب، أو تنشق عنهم، أو تتعاون مع داعش أو القاعدة”، وفق “DW”.
حتما، لا يزال بإمكان المقاتلين الأجانب ارتكاب جرائم أو التسبب في مشاكل. إلا أن التهديد الأكبر يأتي حقيقة من المقاتلين الأجانب الأعضاء في “داعش”، والذين يواصلون تمردا محدودا في شرق سوريا، بالإضافة إلى مقاتلين معتقلين في شمال شرق سوريا.
وبعد اجتماع الشرع مع ترامب، ظهرت أنباء بشأن مداهمات من قوات الأمن السورية لقواعد خاصة بالمقاتلين الأجانب في محافظة إدلب. لكن يرى مراقبون ومحللون أنه لا يزال من غير الواضح ما إن كان الأمر صحيح أم مجرد شائعات أو “مسرحيات سياسية”.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

