الشرع يلتقي المبعوث الأميركي إلى سوريا: تكتيك أميركي مؤقت أم تحوّل استراتيجي؟

الشرع يلتقي المبعوث الأميركي إلى سوريا: بداية انفتاح واشنطن مع دمشق؟
الرئيس السوري أحمد الشرع والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك

بعد رفع العقوبات الأميركية عن سوريا والإعفاء من قانون “قيصر” لـ 180 يوما، بدا واضحا أن الولايات المتحدة بدأت بخطوات جادة ومتسارعة للانفتاح مع دمشق، إذ سارعت إلى تعيين السفير الأميركي لدى تركيا، توماس باراك، مبعوثا خاصا إلى سوريا، في خطوة اعتُبرت تحولا لافتا في تاريخ العلاقات السورية الأميركية منذ أزيد من 100 عام.

 والتقى المبعوث الأميركي بالرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، أمس السبت في إسطنبول. إذ نشرت الرئاسة السورية تفاصيل اللقاء في بيان، مشيرة إلى أن الاجتماع بين الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع باراك، ركز على مناقشة عدد من الملفات الحيوية، في مقدّمتها متابعة تنفيذ قرار رفع العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا.

ماذا دار في الاجتماع؟

بحسب بيان الرئاسة، فإن الشرع أكد خلال الاجتماع أن العقوبات الأميركية ما تزال تشكّل عبئاً كبيراً على الشعب السوري، وتعيق جهود التعافي الاقتصادي، فيما قال المبعوث الأميركي إن بلاده شرعت بالفعل في خطوات عملية لتخفيف العقوبات، تنفيذاً لقرار الرئيس دونالد ترامب، مشيرا إلى أن العمل مستمر حتى الوصول إلى رفع شامل وكامل لها.

الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني يلتقيان بالمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس باراك في اسطنبول – “الرئاسة السورية”

كما ناقش الطرفان سُبل دعم الاستثمار الأجنبي في سوريا، ولا سيما في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، إذ أبدى الجانب السوري استعداده لتقديم التسهيلات اللازمة لجذب المستثمرين، والمساهمة في جهود إعادة الإعمار، مع ضمان بيئة مستقرة وآمنة، وفق البيان.

عقب اللقاء، اعتبر باراك أن سوريا باتت مفتوحة للاستثمار، إذ في تغريدة عبر موقع “إكس”: “في أعقاب الاجتماع التأسيسي التاريخي بين الحكومة الأميركية والحكومة السورية الجديدة، الذي استضافه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان، أصبحت سوريا الآن مفتوحة للأعمال”.

في الملف السياسي، شدّد الرئيس الشرع على رفض أي محاولات لتقسيم البلاد، وأكّد تمسّك الحكومة السورية بوحدة وسيادة الأراضي السورية، كما تم التأكيد على أهمية تطبيق اتفاق فصل القوات لعام 1974 بين سوريا وإسرائيل لضمان الاستقرار في الجنوب.

وتطرّق اللقاء أيضاً إلى ملف الأسلحة الكيميائية، حيث اتفق الطرفان على ضرورة التخلّص الكامل منها بالتعاون مع المجتمع الدولي، ووفق الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

بينما ناقش الطرفان سُبل التعاون الأمني المشترك لمواجهة التحديات الإقليمية، بما في ذلك مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

وفي محور خاص، شدّد الجانبان على ضرورة تطبيق اتفاق شامل مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، يضمن عودة سيادة الحكومة السورية على كامل الأراضي، مع بحث آليات دمج هذه القوات ضمن مؤسسات الدولة بما يسهم في وحدة القرار والسيادة الوطنية.

من جانبه، أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، اليوم الأحد، أن الحكومة السورية الجديدة وافقت على التعاون مع الولايات المتحدة في جهودها لتحديد مصير المواطنين الأميركيين المفقودين في سوريا، أو استعادة رفاتهم، معتبرا أنها “خطوة قوية إلى الأمام”.

دلالات تعيين باراك؟

تعيين توماس باراك، مبعوثا أميركيا خاصا إلى سوريا، كخطوة أولى بعد رفع العقوبات، يعكس في طياته دلالات سياسية واقتصادية، إذ إن باراك يعتبر صديقا مقرّبا من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وهو أحد أهم مستشاريه أثناء حملة الانتخابات الرئاسية في عام 2016.

https://twitter.com/hashtag/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7?src=hash&ref_src=twsrc%5Etfw

لذلك، فإن اختيار باراك يشير إلى تحول إيجابي في العلاقات الأميركية السورية، وتوجه واشنطن إلى الانفتاح السياسي والاقتصادي مع دمشق، وتعزيز نفوذها عبر الاستثمارات في البلاد، وهو ما أشار إليه المبعوث الأميركي بقوله إن “سوريا باتت مفتوحة للأعمال”.

 اتخذت الولايات المتحدة قرارا جريئا برفع العقوبات عن دمشق، لكنه في طبيعة الحال جاء أيضا خدمة للمصالح الأميركية في المنطقة، من خلال إعادة تموضعها في سوريا، وفتح الاستثمارات في قطاعات مختلفة، أهمها الطاقة.

المبعوث الأميركي إلى سوريا قال بعد اللقاء: “أكدتُ أنا والجانب السوري التزامنا بمواصلة هذه المحادثات المهمة والعمل معًا لتطوير استثمارات القطاع الخاص في سوريا لإعادة بناء الاقتصاد، بما في ذلك من خلال الاستثمار من قبل الشركاء الإقليميين والعالميين مثل تركيا والخليج وأوروبا والولايات المتحدة.”

واعتبر توماس باراك، في منشور عبر “إكس” أن هذا الاجتماع تاريخيا، “إذ وضع قضية العقوبات – كما أشار الرئيس ترامب – خلفنا بعيدا، وأسفر عن التزام مشترك من بلدينا بالمضي قدمًا، وبسرعة، في الاستثمار والتنمية، والترويج العالمي لسوريا جديدة مُرحِّبة خالية من العقوبات.”

تحوّل تاريخي

حول تعيين توماس باراك مبعوثا خاصا إلى سوريا، قال الباحث في الاقتصاد السياسي، الدكتور محمد السعدي، إن السياسات الخارجية للولايات المتحدة محكومة بعمل مؤسساتي منضبط، يتماشى مع توجهات الدولة العميقة هناك.

وأوضح “أن العامل الشخصي يأتي في المرتبة الثانية في اختيار آليات التعامل الدولي للولايات المتحدة.”

“ما جرى مؤخرا بين واشنطن ودمشق، هو تحوّل تاريخي في العلاقات لم يصل لهذه المرحلة من التقدم منذ تأسيس الدولة السورية عام 1920. وهذا ليس تكتيكا مؤقتا للإدارة الأمريكية بل توجه استراتيجي طويل المدى”

الباحث في الاقتصاد السياسي، الدكتور محمد السعدي

واعتبر في حديث لـ “الحل نت” أن “الكرة الآن في ملعب الدولة السورية لتكون قادرة على توظيف هذا الانفتاح الاستراتيجي بما يخدم مصالح الشعب السوري عامة، ذلك عبر سياسات داخلية وخارجية متوازنة تجعل من هذا الانفتاح بوابة كبرى لإحداث عملية تنموية شاملة.”

وأضاف: “وهنا يأتي دور العامل البشري عبر الاستعانة بالكفاءات السورية القادرة على القيام بمثل تلك المهمات”، مشيرا إلى أن “الانفتاح الأمريكي حدث مهم يجب عدم تفويت فرصة استغلاله.”

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم