شهدت الأسواق السورية ظاهرة غير مألوفة بالنسبة للسوريين مع دخول صيف هذا العام، حيث ظهرت على أرفف المتاجر أنواع مختلفة من الفواكه التي كانت تُعد محظورة ونادرة الظهور خلال سنوات الأزمة والحصار الاقتصادي مثل الكيوي والأناناس وغيرها.
وبعد مرور أكثر من عقد على الحرب الأهلية في سوريا، باتت أصناف تلك الفواكه من الكماليات بالنسبة للسوريين، الذين أصبح 90 بالمئة منهم يعيشون تحت خط الفقر، ويكافحون من أجل توفير قوت يومهم وشراء الضروريات نظرًا لضعف قدرتهم الشرائية وعدم تعافي اقتصاد بلادهم الذي أنهكته الحرب.
تغير سياسة الاستيراد
تعكس عودة الفواكه المحظورة في عهد الأسد إلى أرفف المتاجر في الأسواق التغيرات في سياسة الاستيراد لدى الحكومة الجديدة والانفتاح الملحوظ أمام السلع الكمالية.
عودة هذه الفواكه إلى رفوف المحال التجارية والأسواق المركزية تُعد مؤشراً على تغيرات في سياسة الاستيراد والانفتاح النسبي أمام السلع الكمالية.

وعلى الرغم من تعطش السوريين لتناول تلك الفواكه التي كانوا يعتبرونها مُحرمة خلال العهد السابق، إلا أن الارتفاع الكبير في أسعارها مقابل مستوى الدخل المتدني لهم جعلها ليست في متناول جميع الفئات، حيث لم تظهر على كثير من الموائد بينما اكتفى البعض بالنظر إليها فقط ممن يعانون ضعفًا في قدرتهم الشرائية.
تهريب داخل محركات السيارات
أصبح مروان أبو هايلة، تاجر في سوق الشعلان بوسط دمشق، يتعامل مع رفوف متجره كلوحة فنية تزينها أشكال وألوان الفواكه بجميع أصنافها وأشكالها وألوانها الزاهية، في مشهد لم يعتده هو أو زبائنه إبان الحكم السابق، الذي صنفها من السلع الكمالية وعرقل عملية استيرادها وعاقب بائعيها.
عبّر مروان عن سعادته بأنه لم يعد يخبئ الأناناس وأصبح يضعه على واجهة متجره بصورة علنية، قائلًا: “زمن الخوف من الأناناس انتهى”، وفقًا لوكالة “الصحافة الفرنسية”.
وأشار إلى أن الأناناس والكيوي والمانغا، كانت كلها فاكهة مفقودة وسعرها مرتفع للغاية، موضحًا أنه كان يتم إحضارها عن طريق التهريب من خلال السائقين، على غرار البنزين والمازوت، الذي اعتاد السوريون تهريبه من لبنان المجاور على وقع أزمة اقتصادية خانقة وعقوبات حالت دون الاستيراد، مشيرًا إلى أنهم كانوا أحياناً يخبئونها داخل محرك السيارة، وبكميات قليلة.
رمز الرفاهية
طيلة عقود، عُدّت الفاكهة الاستوائية رمزاً للرفاهية في سوريا، حيث صنفتها السلطات، وفق تجار، من الكماليات، وعرقلت استيرادها من الخارج، في إطار سياسة تخفيض فاتورة الاستيراد والحفاظ على العملة الصعبة، عدا عن دعم الإنتاج المحلي، وعاقبت بالغرامة المالية وحتى السجن كل من يعرضها للبيع، مما جعل وجودها يقتصر على موائد الأغنياء.
واعتاد التجار إيجاد طرق بديلة لإحضار تلك الفاكهة التي كانت أشبه بعملة نادرة.

ودفعت التغيرات السياسية التي طرأت على البلد، منذ وصول السلطة الجديدة إثر إطاحة الحكم السابق في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، نحو تغير المشهد تمامًا، حيث تدفقت السلع والمنتجات طالما كانت محظورة أو نادرة.
بينما الدولار الذي كان التداول به أو حتى الإتيان على لفظه ممنوعاً مثلاً ويعاقب عليه القانون، بات موجوداً في كل مكان، وتجوب سيارات من طراز حديث الشوارع، بينما بات الوقود الذي عانى السكان لأعوام من شحّه، متوافراً.
انهيار الأسعار
يقول البائع أحمد الحارث، إن الفاكهة التي كانت “أصنافاً نادرة وسعرها مرتفع للغاية، انهارت أسعارها بعد سقوط النظام”، مشيرًا إلى أن حبات الأفوكادو والأناناس والكيوي والموز الصومالي باتت اليوم في متناول السوريين إلى حدّ كبير، بعدما كان سعر الحبة الواحدة يعادل راتب موظف.
في العام الماضي كان سعر كيلو الموز المستورد في دمشق يتراوح بين 30,000 و40,000 ليرة سورية، بينما يبلغ متوسط راتب الموظف الحكومي حوالي 200,000 ليرة سورية شهرياً، أي أن شراء كيلو واحد من الموز يستهلك نحو 15-20 بالمئة من دخل المواطن الشهري، وانخفض حالياً إلى نحو 40 ألفاً (أربع دولارات تقريباً).
وكانت دوريات الجمارك والأجهزة الأمنية تداهم المحال، مما دفع الباعة إلى التعامل معها كسلع تباع في الخفاء وعلى نطاق محدود، خوفاً من الملاحقة.
المشاهدة فقط
طالبة الطب نور عبد الجبار، تقول إنها كانت ترى الفاكهة الاستوائية على شاشة التلفزيون أكثر مما كانت تراها في السوق، وتضيف ساخرة: “الأناناس من حق الجميع، حتى لو أن بعضهم لا يعرف كيفية تقشيره”.

وصفت ربّة المنزل إلهام أمين، المشهد وقالت إن واجهات المحال باتت ملونة أكثر وتغري الزبائن بالشراء، لكنها على رغم ذلك، لا تزال غير قادرة على شراء الفاكهة عامة، وتجنب أطفالها المرور أمام تلك الواجهات لئلا “تثير شهيتهم”، وأكدت: “الأوضاع المعيشية صعبة، ويُعد الأناناس من الكماليات ورفاهية لعائلة مثل عائلتنا”.
رغم ظهور الفواكه المستوردة المحظورة على السوريين في الأسواق من جديد، إلا أن ضعف القدرة الشرائية لدى غالبية المواطنين، وتدهور سعر صرف الليرة السورية، يحولان دون استفادة عموم السوريين من هذا التغيير، كما لم يُسهم ذلك الانفتاح في تحسين حالة الأمن الغذائي.

