حنان دعدوش
يشهد قطاع السكن الطلابي في العديد من المدن ارتفاعاً كبيراً في الطلب، مدفوعاً بارتفاع إيجارات المنازل بشكل غير مسبوق، لا سيما في الفترة التي أعقبت سقوط الأسد وغياب الرقابة الحكومية على الأسواق العقارية، ما جعل إيجار المنزل الواحد يتجاوز قدرة معظم الطلبة على تحمّله، خصوصاً القادمين من محافظات بعيدة.
في الوقت الراهن، تتراوح إيجارات المنازل بين 200 و700 دولار أميركي شهرياً، وذلك بحسب الموقع والخدمات، وهي أرقام تفوق بكثير قدرة الطالب الجامعي على تغطيتها من دخله أو دعم أسرته، خاصة في ظل انعدام فرص العمل الجزئي وارتفاع تكاليف المعيشة.
ضغط متزايد على السكن الجامعي
يُواجه الطلبة القاطنون في السكن الجامعي أوضاعاً صعبة، نتيجة الاكتظاظ الكبير داخل الغرف، حيث يضطر خمسة أو ستة طلاب أحياناً لتقاسم غرفة واحدة لا تتجاوز مساحتها 4 أمتار، في ظل غياب الخصوصية وبيئة الدراسة المناسبة، إضافة إلى شكاوى متكررة من ضعف خدمات الكهرباء والمياه والإنترنت.

الطالب في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، حسين العلي، قال إنه لم يعد يستطيع تحمّل مصاريف السكن في الخارج، مضيفاً لـ “الحل نت”: “كنت أستأجر غرفة بمبلغ 150 دولار شهرياً ومع الغلاء المستمر، اضطررت للانتقال إلى المدينة الجامعية، رغم سوء الخدمات”.
وأكّد عدد من الطلبة أن الوضع في المدن الجامعية بات “لا يُطاق”، لكنه يبقى خياراً لا بديل عنه بالنسبة لطلاب لا يملكون مصادر دخل إضافية. وقالت الطالبة في كلية العلوم، رهف حمود: “حتى وإن كانت الغرفة تضم ست فتيات، وتفتقر للمياه النظامية والكهرباء، فإنها على الأقل لا تتطلب دفع إيجار كالمنازل الخارجية، لأننا لا نستطيع أن نتحمل نفقات السكن والطعام في الوقت ذاته”.
باتت فكرة التوازن بين إيجار المنزل والمصاريف الشخصية حلماً بعيد المنال بالنسبة للطلبة، ويضطر العديد منهم إلى تقليص نفقاتهم الأساسية مثل التغذية والمواصلات وحتى شراء الكتب، من أجل دفع الإيجار، في حال قرروا البقاء خارج السكن الجامعي.
وقال الطالب في كلية الهندسة، إنه كان يتقاسم إيجار شقة مع اثنين من زملائه، لكن المالك رفع السعر فجأة بمقدار 50 بالمئة بحجة “تغيّر الأسعار في السوق”، مما دفعهم للخروج الفوري والانتقال إلى السكن الجامعي.
وأضاف لـ “الحل نت”: “اليوم لا ندري ما إذا كنا سندفع للسكن أم للطعام، فالدعم قليل، والوضع صعب، ومن يملك المال يستطيع أن يواصل حياته، أما من لا يملك… فالله يعينه”.
السكن الجامعي: ملاذ آمن
فيما يرى البعض أن السكن الجامعي هو “ملاذ آمن رغم ظروفه”، يعتبره آخرون “بيئة طاردة لا تصلح للعيش أو الدراسة”، في ظل وضعه الحالي وعدم القيام بأعمال صيانة شاملة للأبنية السكنية، حيث باتت تعاني من أوضاع سيئة بعد سنوات من الإهمال.

إذ قالت الطالبة هبة مصطفى من كلية التربية: “الضغط النفسي كبير للغاية، فلا راحة، ولا هدوء، وهناك ضوضاء دائمة، وفوضى، وانقطاع متكرر للمياه، ومع ذلك فأنا مجبرة على البقاء، لأنه لا يوجد بديل أمامي”.
تبلغ القدرة الاستيعابية للمدينة الجامعية بدمشق، بمختلف تجمعاتها، نحو 20 ألف طالب، إلا أن توزيع الطلاب على الغرف ما يزال غير متوازن؛ إذ نجد غرفاً تضم سبعة إلى ثمانية طلاب، بينما تحتوي أخرى على طالب أو طالبين فقط، بحسب حديث مدير السكن الجامعي، الدكتور عماد الأيوبي لـ “الحل نت”.
مصطفى أبو دياب، سنة رابعة بكلية الحقوق، قال في حديث لـ “الحل نت” إن “الطالب في أيامنا هذه لا بد أن يكون خارقاً حتى يتمكن من الدراسة في مثل هذه الظروف؛ لا سكن لائق، ولا مصروف كافٍ، ولا حتى احترام من بعض المشرفين، نشعر وكأننا نُعامل فقط كأرقام لتعبئة الغرف”.
مع غياب الضوابط الواضحة لسوق الإيجارات، وغياب التنظيم الداخلي في المدن الجامعية، تتفاقم معاناة الطلاب والطالبات، لا سيما مع اقتراب امتحانات العام الدراسي، وعودة الآلاف إلى الجامعات.
الأيوبي: خطط تطويرية
مدير السكن الجامعي، عماد الأيوبي، أكد في حديث لـ “الحل نت”، أنه سيتم العمل على إعادة توزيع الطلبة “بما يضمن العدالة”، على ألا يتجاوز عدد الطلاب في الغرفة الواحدة أربعة كحد أقصى.

وأضاف: “بدأنا بوضع خطط عملية لتحقيق هذا الهدف، لكننا ارتأينا أولاً رصد المشكلات الجوهرية التي تعيق سير العمل، سواء كانت إدارية أم خدمية، فقمنا بإعداد خطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لمعالجة جذور هذه الإشكالات.”
أما عن أولى هذه المشكلات، فقد كانت مسألة الكهرباء، إذ أكد الأيوبي البدء بمعالجتها بشكل نسبي من خلال التواصل المباشر مع الجهات المختصة، و”بدعم من وزيري الكهرباء والتعليم العالي تمكنا بفضل ذلك من تأمين التيار الكهربائي من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثانية عشرة ليلاً، كما استطعنا توفير مادة المازوت وتشغيل المولدات”
“نضمن قرابة 18 ساعة من الكهرباء يومياً في سكن المزة، أما في سكن الهمك، فالكهرباء متوفرة على مدار 24 ساعة، بينما تعتمد مساكن برزة على المولدات فقط، ما يفسر ضعف التغذية الكهربائية فيها”، وفق الأيوبي.
فيما يخص الخدمات، قال مدير السكن الجامعي، إنه تم التركيز على مسألة الحمامات، حيث “بدأنا فعلياً بأعمال التأهيل في معظم الوحدات السكنية. كما تم تحسين الإضاءة والصيانة الكهربائية وأعمال الدهان في مكتبة المدينة الجامعية، بهدف تهيئة بيئة ملائمة تساعد الطلاب والطالبات على الدراسة بفاعلية، وفق الأيوبي.
وأشار إلى أن المظهر العام للمدينة الجامعية ينعكس مباشرة على الحالة النفسية للطالب، ومن ثم على أدائه الأكاديمي لذلك، “حرصنا على تحسين الشكل الخارجي للمدينة الجامعية من خلال إطلاق عدة مبادرات بالتعاون مع منظمات متعددة، شملت حملات تنظيف، وطلاء الأرصفة والجدران، وتزيين المداخل، فضلًا عن إقامة نشاطات اجتماعية متنوعة.”
الأيوبي أكد على إعداد مجموعة من الخطط التطويرية مؤخرا، موضحا أنه تم الاتفاق مع الكوادر المكلّفة بتنفيذها، على أن يبدأ العمل بها في أقرب وقت ممكن.

