“رايتس ووتش”: توثق استمرار انتهاكات تركيا و”فصائل مسلحة” في شمال سوريا

في تقرير حديث لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية، أوضحت أن تركيا وفصائل “الجيش الوطني السوري” المدعومة من أنقرة ما تزالان ترتكبان انتهاكات حقوقية بحق المدنيين في شمال سوريا.

وقد وثقت المنظمة الحقوقية غارة بطائرة مسيّرة، نُفذت في 16 آذار/مارس جنوب مدينة عين العرب/كوباني، أسفرت عن مقتل سبعة أطفال أكراد، وشقيقتهم البالغة من العمر 18 عاما، ووالديهم، في حين لم ينجُ من العائلة سوى طفلة تبلغ من العمر تسع سنوات. 

وأشارت المنظمة الحقوقية الدولية إلى أن تلك الغارة نفذتها إما تركيا أو فصائل سورية مسلحة مدعومة من أنقرة، مؤكدا أن هذه الغارة تثير مخاوف من ألا يكون المنفذين قد اتخذوا جميع الاحتياطات الملائمة لتقليل الأذى على المدنيين.

استمرار انتهاكات تركيا وفصائلها

نحو ذلك، قال آدم كوغل، نائب مديرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في “رايتس ووتش”: “حتى بوجود هدف عسكري قريب، كان على القوات المسؤولة عن الغارة فعل كل ما يمكن لتقليص الأذى اللاحق بالمدنيين. نظرا إلى الخسائر الفادحة التي تكبّدتها أسرة واحدة، يبدو أن منفذي الغارة لم يتخذوا تدابير كافية لتجنّب المدنيين”.

قرويون وسكان من كوباني متجمعون لدفن 10 أفراد من عائلة عبدو، الذين قتلوا جميعا في غارة بمسيّرة، في مارس/آذار 2025- “هيومن رايتس ووتش”

هذه الغارة، التي يُحتمل ألا تكون قانونية، طبقا للمنظمة الحقوقية، تثير القلق بشأن الانتهاكات المستمرة في سوريا، لا سيما مع دمج الحكومة الجديدة قوات ذات سجل سيئ (فصائل الجيش الوطني المدعومة من تركيا)، وبشأن استمرار الدعم التركي لهذه الجماعات.

ووقوع هذه الغارة الجوية على المدنيين في عين العرب/كوباني، تذكير واضح بأن الأعمال العدائية لا تزال تحصد أرواح المدنيين في سوريا، وفق المنظمة الحقوقية.

وجاءت هذه الغارة بعد أيام قليلة من توقيع الاتفاق في 10 آذار/مارس بين رئيس المرحلة الانتقالية السورية أحمد الشرع وقائد قوات “قسد” مظلوم عبدي، لدمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري وتمهيد الطريق لعودة النازحين.

وأوضحت المنظمة الحقوقية أنه في 16 مارس/آذار الماضي، أسقطت مسيّرة قنابل تركية الصنع على مزرعة بالقرب من قرى تحت سيطرة قوات “قسد”، إلى الجنوب من عين العرب/كوباني، فأودت بحياة الأسرة. 

وتقع المزرعة قرب خطوط التماس، وتضم مناطق كانت سابقا تحت سيطرة فصائل من “الجيش الوطني السوري” السابق تدعمها تركيا. لم ينجُ من الأسرة غير طفلة في سن التاسعة. ما تزال فصائل عدة تابعة لـ “الجيش الوطني السوري”، التابعة الآن لـ”وزارة الدفاع” في الحكومة الانتقالية، ناشطة في هذه المنطقة، وفق “رايتس ووتش”.

شهادات مدنية

ووثقت “رايتس ووتش” المجزرة عبر مقابلات مع مالك المزرعة، وثلاثة جيران شهدوا آثار القصف، إضافة إلى ناشط حقوقي محلي. كما حلّل الباحثون 21 صورة وفيديو قدمها السكان ونشروها على الإنترنت، منها مقاطع مصورة للانفجار، وإجلاء الضحايا، وصور للدمار، وبقايا الذخيرة، وملابس ملطخة بالدماء.

وأشارت المنظمة الحقوقية، وفق شهادات مدنية، إلى أن المنطقة المستهدفة تقع قرب خطوط التماس مع فصائل “الجيش الوطني السوري” المدعومة من أنقرة، ولا تبعد أكثر من 15 كيلومترا عن قاعدة عسكرية تتشاركها قوات تركية وسورية. 

ورغم عدم تأكيد وجود قوات عسكرية في المزرعة، فإن الغارة أسفرت عن مقتل مدنيين بالكامل، ما يثير مخاوف من عدم اتخاذ الاحتياطات الكافية لتجنّب الإضرار بالمدنيين، وفق التقرير الحقوقي.

بقايا قنبلة ملقاة من مسيرة تركية الصنع استخدمت في هجوم على مزرعة جنوب كوباني قتل 10 أفراد من عائلة عبدو، مارس/آذار 2025- “هيومن رايتس ووتش”

وحلّل فريق “رايتس ووتش” مقاطع فيديو وصورا التُقطت في موقع الغارة، أظهرت جثث خمسة أطفال على الأقل وامرأة ورجل، بالإضافة إلى آثار الدمار.

استخدام “قنبلة موجهة بالليزر”

كما وثّقوا بقايا ذخيرة تتطابق مع قنبلة موجهة بالليزر من نوع MAM-L تركية الصنع، والتي تُطلَق من مسيّرات وتُوَجَّه بباحث ليزر شبه نشط – ما يشير إلى أن المُشغّل يستطيع مراقبة الغارة بشكل مباشر. يظهر في صور للدمار توزع منتظم للأضرار، ما يتوافق مع كون الذخيرة مجهزة بشظايا مُدمجة فيها لتعزيز تأثيرها المسبب للإصابات، لا سيما ضد الأفراد غير المحميين في العراء، طبقا لـ”رايتس ووتش”.

ولم تتمكن “رايتس ووتش” من تأكيد ما إذا كانت أي قوات مسلحة بقيادة كُردية موجودة في المزرعة تلك الليلة، إلا أنها لم ترصد، وفق الصورة والفيديوهات التي تمت مراجعتها، أي مؤشرات على وجود عتاد عسكري ضمن الركام أو مسلحين في موقع الغارة أو ما يدل على أن العائلة كانت تشارك في أي أعمال قتالية.

تحميل أنقرة ودمشق المسؤولية

وأكد التقرير الحقوقي أن القانون الإنساني الدولي يمنع الغارات المتعمدة ضد المدنيين والأعيان المدنية، أو تلك العشوائية، أو التي تلحق أذى غير متناسب بالمدنيين. يتمتع المدنيون بحصانة ضد الهجمات، إلا في حال مشاركتهم المباشرة في الأعمال القتالية. ويلزم أطراف النزاع باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لحمايتهم.

وحمّلت المنظمة الحقوقية تركيا مسؤولية مباشرة في حال ثبوت تورط طائراتها أو جنودها، مضيفة بالقول:”إذا كان الجيش التركي هو من شنّ هذه الغارة، تتحمل تركيا المسؤولية كاملة. تركيا، التي ما تزال تشرف على بعض فصائل الجيش السوري السابق، وتقدم إليها الأسلحة، والرواتب، والتدريب، والدعم اللوجستي، قد تتحمل أيضا مسؤولية انتهاكات هذه الفصائل”.

كما حمّلت الحكومة السورية المؤقتة مسؤولية الانتهاكات المرتكبة من فصائل تُعد جزءا من جيشها، داعية إلى المساءلة وتعويض الضحايا، مردفة بالقول: “إذا كانت فصائل من (الجيش الوطني السوري) السابق هي من شنتها، فالسلطات السورية تتحمل مسؤولية الانتهاكات التي ترتكبها قوات مُدمجة في الجيش، بالإضافة إلى مسؤولية منع الانتهاكات وضمان المحاسبة”.

حمّلت “رايتس ووتش” الحكومة السورية المؤقتة مسؤولية الانتهاكات المرتكبة من فصائل تُعد جزءا من جيشها- “إنترنت”

وقال كوغل: “ينبغي لتركيا والسلطات السورية الانتقالية إجراء تحقيقات حيادية، وشاملة، وشفافة في الغارة. ينبغي لهما تعويض ضحايا أي غارة غير قانونية واتخاذ جميع التدابير الممكنة لتقليص الخسائر البشرية”.

أيضا، دعت “رايتس ووتش” الحكومة السورية الانتقالية إلى توحيد الجيش تحت قيادة خاضعة للمحاسبة والإشراف المدني، واتخاذ خطوات فورية لوقف الانتهاكات ضد السكان، وخصوصا الأكراد، في شمال سوريا. ودعت تركيا إلى التوقف عن دعم الفصائل والقادة المنتهكين وإنهاء الإفلات من العقاب.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم