رغم الإعلان عن حلّ جميع الفصائل العسكرية السورية ضمن “وزارة الدفاع السورية” نهاية كانون الثاني/يناير الماضي، إلا أن بعض الفصائل المسلحة السورية لا تزال تمارس الاعتقالات وتسيء معاملة المدنيين وتبتزهم في شمال سوريا.
وبحسب ما كشفته منظمة “هيومن رايتس ووتش“ الحقوقية، فإن فصائل من “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا (انضم إلى وزارة الدفاع السورية) تقوم بهذه الانتهاكات بحق المدنيين.
سوريا: “رايتس ووتش” توثق الانتهاكات
نحو ذلك، قالت “هيومن رايتس ووتش“، اليوم الأربعاء، إن العمل يجري على دمج هؤلاء المقاتلين (فصائل الجيش الوطني) في القوات المسلحة السورية وتعيين قادتهم في مناصب حكومية وعسكرية رئيسية رغم ضلوعهم سابقا في انتهاكات جسيمة.

وشددت المنظمة الحقوقية على أنه “ينبغي للحكومة الانتقالية السورية العمل على إنهاء الانتهاكات المستمرة والتحقيق فيها، واستبعاد من يُعرف أن لديه سجل من الانتهاكات من قوات الأمن السورية”.
وقال نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في “هيومن رايتس ووتش”، آدم كوغل: “أنهى سقوط حكومة بشار الأسد المنتهِكة عقودا من الفظائع التي ارتكبتها تلك الحكومة، لكن تواصل فصائل الجيش الوطني السوري احتجاز السكان وابتزازهم وتعذيبهم بدون عقاب”.
وتابع كوغل: “بينما تدمج الحكومة الانتقالية السورية فصائل الجيش الوطني السوري والجماعات المسلحة الأخرى في صفوفها، ينبغي لها استبعاد المسؤولين عن الانتهاكات في الجيش الوطني السوري ومحاسبتهم. إذا لم تفعل ذلك، فلن يتمكن الشعب السوري من الثقة بقواته المسلحة وسيكون عرضة لمزيد من الانتهاكات”.
وأشارت المنظمة الحقوقية في تقريرها الحديث إلى أنه “من بين القادة الضالعين في انتهاكات سابقة والذين يشغلون الآن مناصب مؤثرة في الجيش السوري الجديد، محمد الجاسم (أبو عمشة)، قائد “الفرقة 62″؛ وسيف بولاد (سيف أبو بكر)، قائد “الفرقة 76″؛ وفهيم عيسى، مساعد وزير الدفاع للشؤون الشمالية؛ ومؤخرا، أحمد الهايس (أبو حاتم شقرا)، قائد “الفرقة 86” في المنطقة الشرقية (الحسكة والرقة ودير الزور).
واعتمدت المنظمة الحقوقية وفق تقريرها الصادر حديثا، على مقابلات أجرتها مع مدنيين كرديين احتجزتهما فصائل موالية لتركيا، وثلاثة أشخاص احتجز أقاربهم أو جيرانهم في فترة سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، بالإضافة إلى الحديث مع باحث حقوقي سوري يرصد الانتهاكات في المنطقة، وصحفي، وعامل إغاثة في شمال حلب.
“نزعوا أظافر يديه وقدميه وأسنانه”
في الأول كانون الأول/ديسمبر الماضي، شنّ “الجيش الوطني السوري” هجومه الخاص، متشجعا بالعمليات العسكرية لـ “هيئة تحرير الشام” ضد نظام الأسد آنذاك، وفق “هيومن رايتس ووتش“.
وأردفت “هيومن رايتس ووتش“ أن فصائل “الجيش الوطني السوري” ركز على الاستيلاء على أراضي شمال حلب، بما في ذلك الشهباء، وهي منطقة كانت إلى حد كبير ملجأ للأكراد النازحين خلال سيطرة تركيا على عفرين في عام 2018.
وبحسب إحدى الشهادات لـ“هيومن رايتس ووتش“، داهمت قوات “الجيش الوطني السوري” منزل إحدى سكان الشهباء وزوجها وأطفالها الثلاثة. واعتقلوا زوجها، وهو عامل بناء عمره 42 عاما، بدون أي تفسير. وبعد 40 يوما، كما قالت، وجده أحد أقاربها في مستشفى بعفرين.
وتابعت في حديثها للمنظمة الحقوقية: “نزعوا أظافر يديه وقدميه وأسنانه بالقوة، وكانت ثمة آثار حروق على قدميه… أخبرني أن قوات المخابرات التركية والشرطة العسكرية التابعة للجيش الوطني السوري عذبوه في سجن معراتة وأجبروه على الاعتراف بأنه كان يبني أنفاقا لقوات سوريا الديمقراطية (قسد). ثم أخذوه إلى المستشفى وتركوه هناك. بعد أيام قليلة من عودته إلى المنزل، أصيب بجلطة ولم يعد قادرا على الكلام”.
من وراء هذه الانتهاكات؟
في الإطار ذاته، وصف سكان قرية في عفرين عمليات الابتزاز المستمرة التي تمارسها “فرقة السلطان سليمان شاه” التابعة لمحمد الجاسم (أبو عمشة)، والتي قالوا إنها تفرض ضرائب على مزارعي الزيتون وغرامات على العائلات العائدة تتراوح بين ألفي و5 آلاف دولار أميركي، طبقا للتقرير الحقوقي.
وبحسب المنظمة الحقوقية، في الفترة بين كانون الأول/ديسمبر 2024 وكانون الثاني/يناير 2025، احتجز المقاتلون تسعة من السكان، متهمين إياهم بالتهرب من دفع الضرائب، وطالبوا كلا منهم بما يصل إلى 3,800 دولار أميركي لإطلاق سراحهم.
كما واتهمت شاهدة أخرى الفصائل باقتيادها إلى أحد المقار لطلب فدية قدرها 850 دولارا أميركيا تحت التهديد بالعنف.

وأشارت “هيومن رايتس ووتش“ إلى أن “فرقة الحمزات” التابعة لسيف بولاد، اختطفت رجلا (61 عاما)، بعد عودته إلى عفرين بعد ثماني سنوات من مغادرته.
وأضافت أن عناصر الفرقة المسلحة ضربوا الرجل المسن بالعصي والسياط، وصادروا هاتفه وأمواله. واتهموه بالارتباط بـ”قوات سوريا الديمقراطية”، ثم نقلوه لاحقا إلى مدينة عفرين، حيث تعرض للضرب في الطريق. واحتُجز لمدة يومين حتى دفع ابن عمه 1500 دولار لإطلاق سراحه.
وقال إنه بعد أسبوع، سعى للحصول على وثيقة تصريح أمني من الشرطة العسكرية “للجيش الوطني السوري” لتقليل خطر اعتقاله مجددا، ولكن احتُجز بدل ذلك واستُجوب على يد عناصر المخابرات والشرطة العسكرية التركية لمدة ستة أيام، واضطر إلى دفع 1500 دولار لإطلاق سراحه مجددا، طبقا لتقرير المنظمة الحقوقية.
ورغم إزالة معظم نقاط تفتيش “الجيش الوطني السوري”، قالت مصادر في عفرين وأماكن أخرى لـ”هيومن رايتس ووتش” إن الفصائل لا تزال تعمل انطلاقا من قواعدها السابقة.
سلطات دمشق تتحمل المسؤولية
وحمّلت “هيومن رايتس ووتش” السلطات السورية مسؤولية الانتهاكات التي ترتكبها القوات المندمجة في الجيش، وكذلك مسؤولية منع الانتهاكات وضمان المساءلة.
كما حمّلت تركيا، التي ما تزال تشرف على فصائل “الجيش الوطني السوري” السابق ومدها بالأسلحة والرواتب والتدريب والدعم اللوجستي، مسؤولية الانتهاكات وجرائم الحرب المحتملة التي ترتكبها هذه الفصائل.
ودعت “هيومن رايتس ووتش” الحكومة الانتقالية السورية لتوحيد جيشها بشكل عاجل تحت قيادة خاضعة للمحاسبة بإشراف مدني، وضمان الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وشدد على ضرورة اتخاذ خطوات لمنع المزيد من الانتهاكات ضد الأكراد وغيرهم من السكان في شمال سوريا، وضمان إطلاق سراح جميع المعتقلين تعسفا، والتحقيق في الانتهاكات السابقة بإجراءات قانونية عادلة، فضلا عن وقف تركيا لدعم القادة المنتهِكين والفصائل المنتهِكة وتعويض الضحايا.

كما دعت الحكومة الانتقالية لتهيئة الظروف لعودة آمنة وطوعية وكريمة للنازحين، ومنح مراقبين مستقلين حق الوصول غير المقيد إلى جميع مراكز الاحتجاز، بما في ذلك تلك التي تديرها فصائل “الجيش الوطني السوري” السابق والقوات التركية.
ينبغي للدول الأخرى تقديم المساعدة الفنية والمالية لضمان حماية قوات الأمن الجديدة للمدنيين ومراعاة سيادة القانون، بما في ذلك دعم قضاء مستقل لضمان الاحتجاز القانوني والمعاملة القانونية بحق المعتقلين.

