“الذئاب المنفردة”: خطة “داعش” لمواجهة السلطات السورية الجديدة

"الذئاب المنفردة": خطة "داعش" لمواجهة السلطات السورية الجديدة في المرحلة المقبلة في سوريا
"الذئاب المنفردة": خطة "داعش" لمواجهة السلطات السورية الجديدة في المرحلة المقبلة في سوريا

نفذّ تنظيم “داعش” الإرهابي 33 عملية أمنية وعسكرية وانتحارية ضد سلطات الحكومة السورية الجديدة منذ مطلع العام الجاري وحتّى الثلث الأخير من شهر أيار/مايو الفائت، ففي السابع عشر من ذات الشهر اشتبكت قوات الأمن السورية مع خلايا تتبع للتنظيم في أحد أحياء مدينة حلب، وتمكنت من قتل بعضهم وتحييد عددٍ آخر، وبعدها تمكنت القوى الأمنية من رصد نشاط للجماعة ومداهمتها في قرى بريف دمشق بينها بلدة زاكية، يأتي ذلك بعد أن تبنى التنظيم قبل أيام من ذلك تفجيراً في نقطة للقوات السورية شرق سوريا في منطقة الميادين.

كانت تلك الأحداث قبيل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بنحو أسبوع، وبعد قرار تخفيض تعداد القوات الأميركية العاملة في سوريا أواسط نيسان/أبريل، في الوقت الذي يرى فيه معهد “واشنطن” لدراسات الشرق الأدنى أن وجود تنظيم “داعش” لم يعد بالقوة التي كان عليها، “إلا أن المؤشرات تُظهر استمرار التهديد بدرجة لا يمكن تجاهلها”.

تأثير الانسحاب الأميركي

يربط المعهد المتخصص، تنامي عمليات “داعش” بهشاشة الواقع الأمني من جهة والانسحاب الأميركي من جهة أخرى (من ألفي مقاتل إلى 700 مقاتل)، وبزيادة شهرية في تعداد العمليات في الأشهر الأخيرة قياساً بسابقاتها من 5 إلى 14 عملية، ويرى بأنّ استمرار العملية بذات الوتيرة بالضبط يعني 89 عمليةً سنوية، وهو رقم يبدو كبيراً، ورغم ذلك فهو ضمن الحدود الدنيا للتنظيم منذ ظهر لأول مرّة على الساحة السورية عام 2013.

مدنيون تم إجلاؤهم من معقل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) المحاصر في الباغوز ينتظرون في منطقة تفتيش تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (SDF) بقيادة الأكراد، المدعومة من الولايات المتحدة، في محافظة دير الزور شرقي سوريا، في 5 مارس/آذار 2019. – شنت القوات التي يقودها الأكراد هجومًا نهائيًا يوم الجمعة على آخر جيب لتنظيم الدولة الإسلامية في شرقي سوريا، وفقًا لما ذكره المتحدث باسمهم. وقال مصطفى بالي، المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، في بيان استخدم فيه اختصارًا للجماعة الجهادية: “بدأت للتو عملية تطهير آخر جيب متبقٍ لداعش”. (تصوير: بولنت كيليتش / وكالة فرانس برس)

في ذروة قوّة التنظيم بين عامي 2014 و2015 تمكّن من استقطاب عشرات آلاف المقاتلين الأجانب، واستحوذ بالسيطرة الميدانية على نحو 70 بالمئة من الأراضي السوريّة وأراضٍ أخرى في العراق، قبل أن يتشكل تحالف دولي من أكثر من 80 دولة للقضاء عليه، من جهة، ومن جهة أخرى حضر الجيش السوري و”الحشد الشعبي” و”حزب الله” والميليشيات المولية لهم، بالتزامن مع الدخول الروسي جواً بقوة مفرطة أواخر عام 2015 ما أدى لميلان الكفّة بشكل واضح نحو الحلفاء – الأعداء في مواجهة التهديد العالمي الوليد في “دولة الخلافة”.

و”دولة الخلافة” هو الاسم اللاحق للفرع الذي نمى في العراق من رحم تنظيم “القاعدة” عام 2003 قبل أن ينفصل عنها ويصبح “الدولة الإسلامية في العراق” ثمّ في “العراق والشام” بقيادة زعيمه أبو بكر البغدادي الذي قتل في إدلب بعملية عسكرية للقوات الأميركية أواخر تشرين الثاني/أكتوبر ضمن عملية حملت اسم “كايلا مولر”، ومولر هي موظفة إغاثية اختطفها التنظيم ثم قتلها لاحقا.

ظلّ التنظيم نشطاً وقوياً وقادراً على اختراق عمق المدن والأحياء والبلدات بالانتحاريين طوال سنوات، متخذاً من مدينة الرقة عاصمةً لخلافته، حتى كانت المعركة الأخيرة معه في منطقة الباغوز شرق سوريا عام 2019، والتي أفضت للإجهاز عليه معنوياً ومادياً ولوجستياً وقد شاركت فيها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بحضور بارز للغاية رفقة بقية أطراف النزاع. 

وأدت تلك المعركة لأسر آلاف المقاتلين من “داعش” واحتجاز عشرات الآلاف من عوائلهم، والذين لا زالوا حتّى اليوم في سجون “قسد” شمال شرق سوريا على مقربة من الحدود العراقية في مخيمات الهول وسجن غويران وغيرهما. في واحدةٍ من أعقد قضايا القانون الدولي والدستوري في العصر الحديث في ظلّ الدول التي ترفض استعادة رعاياها ومحاكمتهم على أراضيها باستثناء قلّة قليلة كان على رأسها العراق. 

“إحنا الدولة”

رغم خسارة التنظيم لقواته وقوامه وعتاده لكنّه كان فعلياً توسع في الأراضي العربية والآسيوية والإفريقية ولا زال يمارس نشاطاً ملموساً فيها كآسيا الوسطى والصومال وليبيا ومالي وغيرهم إضافة لعمليات فردية في الدول الأوروبية، وفي الداخل السوري ظلّت جماعات منفردة توالي التنظيم وتتبع نفس النهج في عملياته لكن بشكل أقلّ تنظيماً وكثافةً. 

هؤلاء يمكن شرح حالهم ما قبل سقوط نظام الأسد على لسان أحد ألوية الاستخبارات العسكرية الذي ظلّ على رأس عمله حتى سقوط النظام وفراره، الميجر جنرال وافق على الحديث مع “الحل نت” باسم مستعار رغم اعتباره أنّه لم يكن شريكاً في استباحة الدم السوري لأنّ مهامه في الاستخبارات كانت تقتصر على شؤون البادية ومطاردة التنظيم والتنسيق مع القوات الحليفة.

يقول الضابط إنّهم خلال سنوات ما بعد 2019 وحتى 2024 رصدوا مئات العمليات لـ “داعش” والقوا القبض على عشرات آخرين، وفي كلّ المرّت كانوا يكتشفون أنّ هؤلاء من البدو المحليين الذين لا يرتبطون بالتنظيم عقائدياً، إنما فقط يتنقلون على دراجات نارية ويحملون راياته ويرهبون الرعاة وأصحاب الخيام ويعتمدون على الدوام قول جملة “داعش” الشهير “إحنا الدولة”، فيسرقون وينهبون ويحرقون وقد يقتلون.

وبحسب الضابط الميداني فإنّ هؤلاء الأشخاص كانوا يتخذون من أسلوب الإخافة وسيلة لتمرير تجارتهم في المخدرات والسلاح دون وجود عناصر أجنبية واضحة المعالم بينهم وقتذاك، كما أنّهم على الدوام كانوا “بندقية للإيجار” لمن يدفع أكثر.

ويتابع: “وحتّى الآن يختبئ هؤلاء المسلحون في مناطق محدودة ومعروفة، وهي جبال المنسي والوعر والبشري جنوب الرقة بحوالي 30 كيلو متر، وهذه مناطق تتصف بصعوبة تضاريسها الشديدة، حتّى أنّها كانت من قبل الحرب السورية عصيّة على دخول قوات الشرطة والأمن إليها، فكانت ملاذا للهاربين من وجه العدالة، كذلك هناك مناطق جبال البلعاس في شرق مدينة حماة، ورغمّ أنّ الولايات المتحدة كانت قائدة للتحالف الدولي في معارك داعش الكبرى، إلى أننا كنا نملك في الشعبة مقاطع مصورة تؤكد رمي المروحيات الأمريكية لسلال غذاء نحو تلك المناطق، وهو ما كان يثير قلقنا ويدفعنا أكثر للتنسيق مع الجانب الروسي الشريك”.

ويؤكد المصدر أنّه أحياناً كانت تنشب خلافات داخل العشائر وبين أبناء العمومة نفسهم فينقسمون لقسمين أحدهم يوالي الجيش السابق والآخر يستمر في نهجه مع العمليات المذكورة، وذلك يتبع للتمويل والقدرة على تمرير الممنوعات.

أحمد نزّال هو أحد الفاعلين العشائريين في منطقة البلعاس، يردّ على كلام الضابط بأنّ تلك المساعدات التي كانت تلقى إليهم من الأميركيين كانت بهدف فكّ الحصار الذي يفرضه الجيش السوري السابق عليهم في مناطقهم، ولم تكن تحوي سلاحاً أو متفجرات، بل كانت تذهب للفلاحين والفقراء، مشيراً أنّ لا علاقة لعشيرته عموماً بـ “داعش” رغم أنّ البعض منها قد يكون تورط فعلاً.

المطاريد.. ما بعد الثورة

خدم العميد فؤاد أحمد في القوات الخاصة في منطقة تدمر ومحيطها وخاض معارك طاحنة ضد تنظيم “داعش” قبل أن يحال إلى التقاعد، قال لـ “الحل النت” كثيراً ما قبضنا في أوقات لاحقة على مسلحين محليين كنا نسلمهم لفرع مخابرات البادية، وكنا نعرف من مجريات التحقيق أنّ ليس لديهم علاقة بـ “داعش” أصلاً، هم فقط يحملون اسمها لترويع الناس، وقد يشنون هجمات متفرقة علينا أو على المدنيين العزل، ويحملون رايات التنظيم، لكنّهم عقائدياً لا يعرفون شيئاً عن التنظيم فعلياً.

تقول الولايات المتحدة منذ سنوات إن لديها 900 جندي في سوريا، ضمن “التحالف الدولي” ومع “قوات سوريا الديمقراطية” لمنع عودة تنظيم “داعش” والحد من النفوذ الإيراني في المنطقة. لكن وزارة الدفاع الأميركية كشفت أنها ضاعفت عدد قواتها في سوريا، قبل سقوط نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، إلى نحو 2000 عنصر -انترنت

ويضيف بأنّ هؤلاء الأفراد كانوا قادرين على إحداث بلبلة وكانت تغذيهم دول عديدة في المنطقة، وأطراف سوريّة محليّة أيضاً، وكانوا يعلمون لصالح من يدفع أكثر والدافع أيضاً هو تمرير الممنوعات من جهة، واستحصال امتياز عدم استقرار البادية من جهة أخرى، “حقيقة ليسوا متطرفين، جماعات أهلية من البدو بغالبهم، لديهم مشكلة مع الحواضر التي لفظتهم فتكدسوا في المناطق الأكثر جهلاً والأقل تعليما والتي تسودها لغات السلاح والتهريب، كنا نطلق عليهم لقب “المطاريد”.

بعد سقوط النظام يبدو أنّ أمراً فعلياً تغير في سياسة ونهج من بقي من خلايا التنظيم الذي بدأ يحاول جمع شتات نفسه بعيداً عن المتلطين به والمختبئين تحت رايته، صاروا يريدون مقاتليهم الفعليين، ففي العشرين من نيسان/أبريل الفائت أصدر التنظيم بيانا مصوراً يهدد فيه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع من مغبة الانضمام للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بناء على الطلب الأميركي حينها.

كان كلّ ذلك والتنظيم يعمل على قدم وساق للقيام بنفسه من جديد، مستخدماً أسلوبه القديم في الدعاية والإعلام مستغلاً الفراغ الأمني في أكثر مناطق تناسب تواجده في البادية السورية بين محافظات حمص وتدمر والرقة وحماه ودير الزور، وهي المناطق التي ورغم خسارته للمعركة الكبرى في الباغوز لكنّه لم يخسر تواجده الرمزي فيها عملياً منذ 2019.

في عام 2024 الذي سقط النظام السوري في نهايته كان “داعش” تمكن من شن نحو 700 عملية معظمها فردية في تلك المناطق، 300 ضد قوات النظام المخلوع، 100 ضد ميليشيات إيران، 300 ضد قوات “قسد”، بحسب ما أوردته مجلة “المجلة” في تحديث جديد لها.

 وعقب سقوط النظام السوري بأيام قليلة حذر الجنرال مظلوم عبدي قائد قوات “قسد” من محاولة التنظيم إعادة تكوين نفسه ومواجهة أهداف جديد من بينها سجونه التي تسيطر عليها القوات الكردية في ظلّ حالة الفراغ الأمني في البلاد، كما أكد تقرير للأمم المتحدة في شباط/فبراير 2025 أن “داعش” استفاد من سقوط الأسد لتعزيز عملياته، حيث تسلل عناصر “داعش” إلى مخيم الهول لتحرير مقاتلين مخضرمين وتجنيد شباب، مما يعزز قدرات التنظيم على التخطيط لهجمات معقدة.

وفي وقت لاحق أحبطت قوى الأمن العام عملية أمنية انتحارية لـ “داعش” كانت تريد استهداف مقام السيدة زينب جنوب دمشق، وبعدها بأيام نفذت المقاتلات الأميركية طلعات جوية أسفرت عن مقتل 12 عنصراً من “داعش” شرق سوريا، كما استهدفت بعدها شاحنات أسلحة للتنظيم، تحديداً في الـ 23 من كانون الثاني/ديسمبر، وفي كانون الثاني/يناير 2025، دعمت الولايات المتحدة عملية لـ”قسد” أدت إلى اعتقال زعيم خلية هجومية، وفي 16 شباط/فبراير 2025، أعلنت الحكومة السورية الجديدة اعتقال “أبو الحارث العراقي”، المتهم بالتخطيط لهجمات، بما في ذلك محاولة استهداف مقام السيدة زينب واغتيال قيادي في “هيئة تحرير الشام”.

“الذئاب المنفردة”.. تعداد التنظيم

تشير تقديرات عسكرية أنّ تعداد “داعش” اليوم يتراوح ما بين 1500 إلى 3000 مقاتل، فيما ترجح مصادر بحثية أخرى أنّ تعداده قد يكون ما بين 5 إلى 10 آلاف بين مقاتلين وموالين له، وفي الحالتين فإن التنظيم يواجه صعوبات جمّة ضمن الحصار الخانق الذي تفرضه قوى التحالف جوياً، و”قسد” وسلطات دمشق بريّاً، ما يعكس عدم قدرته على تحريك آليات وأرتال عسكرية على الأرض، وما يبرر عدم اتزان جدول أعماله العدائي وانخفاضه نسبياً وتباينه بين شهر وآخر.

ورغم ذلك لم يفوت التنظيم فرصة تكفير الشرع بل وهدر دمه واعتبره “مرتداً وعدواً” وجب قتله والقصاص منه لجملة أسباب كثيرة، ففي آخر إصدار لـ “داعش” عبر مجلة “النبأ” التابعة لهم، دعوا كل المقاتلين الأجانب في صفوف الشرع للانشقاق عنه والانضمام إليهم وتحقيق حلم “الخلافة”.

ينصب تركيز “داعش” كليّاً اليوم على استقطاب مقاتلين جدد، تسميهم “الذئاب المنفردين” وهم القادرون على التحرك بسلاسة وتنفيذ عمليات أمنية وانتحارية نوعية في ظلّ الضغوط التي تتلقاها من القوات التي تحاصر تحركاتها التي باتت مكشوفةً على أكثر من مستوى وصعيد، بيدَ أنّ الأكيد في كلّ ذلك أنّ “داعش” يناور ويستغل الوقت ويسعى بكل ما أوتي للوصول إلى سجون أسراه وتحريرهم وبذلك يكون استعاد جزءاً لا يستهان به من قوته الفعلية على الأرض.

عبد الرحمن الزعبي أحد مسؤولي قاطع البادية في القوات السورية الجديدة قال لـ “الحل نت”: إنّهم يترصدون بعمق أي حركة مشبوهة في جوارهم، ويلحظون ذلك في أوقات متفرقة، كما أنّ التعليمات لديهم تقتضي بالتعامل الناري الفوري مع أي هدفٍ مشتبه به، مؤكداً أنّ القيادة أعطت أوامرها باستقرار البلاد ومنع عودة “داعش” مهما كلف الأمر، وهو ما يقود لتنسيق بين قادة القطاعات في مثلث البادية على رأس الساعة رغم صعوبة الأمر الجمّة لاتساع المساحات وصعوبة تضاريسها، قائلاً: “داعش يريد إدخال البلاد في أتون حرب جديدة، ويحاول استجماع قواه، وهو ما لن نسمح به كقوات عسكرية مهما كان الثمن، وسنظلّ نلاحق خلاياه في كل زمان ومكان، كما أننا نمتلك أفضلية الاستطلاع والمناورة والوسائط النارية والإمداد المباشر والأوامر التنفيذية الآنية غير الروتينية”.

طارق علي

طارق علي

كاتب وصحفي سوري، ماجستير في الإعلام كتب لصالح عدد من المواقع والقنوات الدولية، مذيع إخباري ومقدم برامج سياسية

5 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم