عمليا، لم تسفر المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران بشأن الملف النووي الإيراني بهدف الوصول إلى اتفاق نووي دائم، عن أي نتائج ملموسة بعد، بل على العكس، بات التشاؤم سائدا، ومن هنا ازداد التوتر الأميركي الإيراني بشكل لافت منذ مساء أمس الأربعاء، وذلك قبل جولة مفاوضات سادسة مرتقبة، لكن التوتر الذي حدث، أمسى حديث العالم، والكل يتحدث عن أن الحرب قد تنشب في أي لحظة، فهل حقا ستقع الحرب أم أن ما يحدث ضغوط تفاوضية من الطرفين؟
حتى الآن، عقدت 5 جولات تفاوضية غير مباشرة بين واشنطن وطهران بوساطة عُمانية، الأولى والثالثة والرابعة، عقدت في مسقط، بينما عقدت الثانية والخامسة في روما، أما الجولة السادسة المرتقبة، والتي ربما ستحسم الأمر بشكل قاطع، بين الوصول لاتفاق نووي من عدمه، فستستضيفها مسقط أيضا، يوم الأحد المقبل.
الجولات الماضية لم تأتِ بنتيجة مرضية، بل كل طرف متزمت لموقفه، وهنا ولأول مرة منذ بدء التفاوضات، عبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن تشاؤمه بشأن الوصول لاتفاق نووي، ملوّحا بالخيار العسكري في حال فشل المفاوضات، ناهيك عن اتخاذ واشنطن لحالة التأهب القصوى، وهذا ما تجلى بشكل عملي، من قرارات، صدرت ليلة أمس، لكن ما هذه القرارات؟ ولماذا صدرت؟
نهار أمس الأربعاء، هدد وزير الدفاع الإيراني عزيز نصير زاده، بضرب جميع القواعد العسكرية الأميركية في دول الجوار لها، أي في العراق والخليج ضمن منطقة الشرق الأوسط، وذلك في حال نشوب صراع مسلح إن لم تثمر المفاوضات النووية عن أي نتيجة ملموسة.
واشنطن تسحب موظفيها من السفارات وفصائل طهران تهدّد بـ “الاستشهاديين”
عقب تصريح نصير زاده، أعلنت واشنطن، استعدادها لإخلاء منظم لسفارتها في بغداد، وأن سحب الموظفين من السفارة الأميركية سيتم عبر رحلات جوية مدنية، كما أن الطائرات العسكرية مستعدة للمشاركة في الإجلاء، مع الإبقاء على عدد من الموظفين الأساسيين لتسيير الأمور الدبلوماسية، وإضافة إلى ذلك، أصدرت الخارجية الأميركية توجيها بمغادرة الموظفين غير الأساسيين وأفراد عائلاتهم من سفارتيها في الكويت والبحرين، وذلك نظرا لتزايد المخاطر الأمنية في المنطقة.
في الولايات المتحدة، يرى الكثير من الخبراء، أن إيران حاليا في أضعف حالاتها بعد ما طالها وأذرعها من ضربات قاسية عقب أحداث السابع من تشرين الثاني/أكتوبر وما جرى في غزة، لذا بحسبهم، فإن هذه الفرصة هي الأنسب لتدمير برنامج طهران النووي، في حال فشل المفاوضات الجارية بالتوصل لاتفاق نووي.
إيران، لم تخسر أذرعها بشكل كامل أو كلي، فالضربات الكبيرة طالت “حزب الله” في لبنان و”حماس” في غزة، والنظام السابق في سوريا، وضربات عدة تجاه “الحوثيين” في اليمن، غير أن الأخيرة لا تزال فاعلة، ومعها الفصائل العراقية الموالية لطهران، فهذه الأخيرة، وبشكل غريب، الوحيدة التي لم تمسها إسرائيل بأي ضربة قط، منذ أحداث “طوفان الأقصى” وإلى اليوم، رغم الهجمات المسيّرة التي قامت بها الفصائل ضد تل أبيب.

بالتالي، فإنه في حال قيام واشنطن بضرب إيران، فإن أذرع الأخيرة جاهزة للمشاركة معها باستهداف المصالح الأميركية، وهذا ما عبّر عنه صراحة، الأمين العام لـ “كتائب سيد الشهداء”، أبو آلاء الولائي، اليوم الخميس، حيث هدد بإرسال عشرات “الاستشهاديين لمهاجمة مصالح أميركا في حال اندلعت الحرب ضد إيران”.
ليس ذلك فقط، بل وبحسب معلومات حصل عليها “الحل نت” من مصادر خاصة، فإن “المقاومة الإسلامية في العراق” قررت خلال اجتماع حصل في الغرفة رقم 313 بـ”فندق البارون” في محافظة كربلاء، القيام بقصف باليستي من العراق للقواعد الأميركية في جميع دول جوار العراق ودول الخليج، وكذلك استهداف القواعد الأميركية في إقليم كردستان، وذلك بناء على توجيهات من قائد الإجتماع، الجنرال في “الحرس الثوري الإيراني”، حسن دانائي فر، الذي كان سفير طهران لدى بغداد بين عامي 2010 و2017.
الجديد اليوم، هو أن “وكالة الطاقة الذرية” اعتمدت قرارا يدين عدم امتثال إيران بالتزاماتها النووية لأول مرة منذ 20 عاما، ورغم هذا القرار، ردّت إيران بأنها ستبني منشأة تخصيب جديدة في منطقة آمنة، مؤكدة تمسكها بحقها في تخصيب اليورانيوم، وأنها لن تتخلى عن هذا الحق، وهذا هو أس الخلاف في المفاوضات الجارية؛ لأن واشنطن ترفض استمرار طهران بتخصيب اليورانيوم.
الضربة آتية والحرب حتمية؟
الآن السؤال البارز: هل نحن أمام حرب وشيكة تبدأ بضربة أميركية أو إسرائيلية للنووي الإيراني أم لا؟ هنا يقول الخبير الأمني، أحمد الشريفي بإجابة مباشرة، إن الحرب حتمية، لكن توقيت الضربة ليس محدّدا بعد، ويضيف أن ضرب النووي الإيراني أمر مفروغ منه -على الأقل من قبل تل أبيب- منذ عدة سنوات، لكن الوقت الفعلي للتنفيذ هو المختلف عليه.
الشريفي يبيّن في حديث مع “الحل نت”، أن ما يحصل من توترات بين طهران وواشنطن، حتى الآن هي رسائل ضغط متبادلة تمارس بينهما، لأجل الوصول لتفاهم إيجابي خلال جلسة مفاوضات الأحد المقبلة، وبعدها سيتحدد الموقف بشكل أوضح، وهنا الموقف سيكون أميركيّا، واشنطن هي من ستتخذ القرار، وغالبا ما سيكون القرار عسكريا، أما طهران فستلجأ لأسلوب الرد، أي أنها لن تبدأ بأي تصعيد، لمعرفتها بأنها ستخسر الكثير طبقا لإمكانياتها غير المتكافئة مع الولايات المتحدة.
وبما يخص إشارة الشريفي إلى إسرائيل، فإن التقارير تتحدث عن تهديد إسرائيلي محتمل بشن هجوم على إيران؛ لأن تل أبيب ترفض رفضا قاطعا أن تمتلك طهران السلاح النووي، كما أنها تخشى من اتفاق أميركي إيراني حول النووي، يعطي امتيازا ما لإيران، وهذا -إن حصل- قد يدفعها أيضا لضرب طهران، كما تفيد التقارير.
هل يمكن توجيه ضربة لإيران؟ تقول الكاتبة والمتخصصة بالعلاقات العامة والسياسة الدولية، جمانة ممتاز: نعم يمكن، لا أميركا بالبلد العابر، ولا إسرائيل بالبلد الذي يستهان به، وكلاهما وضعا خططا استخباراتية وعسكرية لهذا اليوم، وقد تم تجربة الأميركان في احتلال أفغانستان والعراق، وكلاهما مجاوران لإيران، وتم استهداف قاسم سليماني، أحد أهم وأبرز قادة الشرق الأوسط، لذا فإن الضربة قد تحدث بأي لحظة.
في المقابل، تطرح ممتاز في حديثها لـ “الحل نت”، سؤالا جوهريا، وهو ما هي كلفة الحرب التي تتردد أميركا في خوضها؟ لتجيب، أنه “عندما دخل الأميركيون إلى أفغانستان ظنوا أن القضاء على طالبان سيستغرق من سنة إلى سنتين، ثم انتهى بهم المطاف 20 سنة من الاستنزاف العسكري والاقتصادي، كما وتسببت حربهم على العراق بإحداث أكبر أزمة اقتصادية وهي أزمة الرهن العقاري في عام 2008”.
بالنسبة لإيران، فإن أول ما سيحصل وفق ممتاز، هو ارتفاع أسعار النفط والوقود سواء عطلت طهران مضيق هرمز أم لم تعطّله، وهذا يعني تضخما عالميا فوق التضخم الذي سببته الحرب الروسية الأوكرانية، فيما تردف، بأنه ستنقسم المواقف بين مؤيد ومعارض للحرب، وهنا سيستغل الديمقراطيون الذين يستعدون لانتخابات 2026 ذلك الحدث، وهذا ما لا تريده إدارة ترامب، خاصة مع تراجع في شعبيته مؤخرا، ناهيك عن اضطرابات لوس أنجلوس التي لم يحسن التعامل معها حتى الآن.
ما علاقة العراق؟
ماذا عن العراق المعروف بقربه من إيران سياسيا أو فصائليا؟ اليوم، وبشكل لافت، أطلقت وزارة الخارجية الأميركية في بيان لها، سلسلة تحذيرات لرعاياها، طالبة منهم عدم السفر إلى العراق بسبب “الإرهاب والاختطاف والنزاع المسلح والاضطرابات المدنية والقدرة المحدودة للحكومة الأميركية على تقديم خدمات الطوارئ للمواطنين الأميركيين”.
الخارجية الأميركية، حظرت في بيانها، على الموظفين الحكوميين في بغداد، استخدام مطار بغداد الدولي بسبب “مخاوف أمنية”، قائلة، إن الميليشيات المعادية للولايات المتحدة، تهدد للمواطنين الأميركيين والشركات الدولية وتحدث هجمات باستخدام العبوات الناسفة والنيران غير المباشرة والطائرات المسيرة في العديد من المناطق بما في ذلك المدن الكبرى، وأضافت، أنه يتعين على موظفي الحكومة الأميركية في العراق، العيش والعمل في ظل إجراءات أمنية مشددة، نظرا للتهديدات الخطيرة.
هنا، وبحسب الخبير الأمني أحمد الشريفي، فإن المنطقة معظمها ستتضرر من الحرب إن وقعت الضربة على إيران، لكنه يؤكد، على أن العراق سيكون المتضرر الأكبر، لأنه وعلى حد قوله، يمثل عمق أذرع طهران التي لم تتضرر بعد، وهي مستعدة لشن هجمات مباشرة على القواعد والمصالح الأميركية، وتلك اللحظة ستجر العراق لساحة الصراع، رغم تأكيد حكومة بغداد نأيها عن أي طرف، قائلا، إن الحكومة لا تملك القدرة على منع الفصائل من أي تصرف.
دخول الفصائل للحرب جنب طهران، سيجعلها تدفع الثمن باهظا، إذ سيحل بها ما حل ببقية أذرع إيران في المنطقة، وفق الشريفي، الذي يشير إلى، أن الخطر هو ليس ضرب الفصائل، بل استهداف مقراتها، لأن مقراتها تقع بقلب المدن السكنية، وهذا سيتسبب بوقوع العديد من المدنيين، لافتا إلى إمكانية حدوث استهداف ذاتي عن بعد لبعض عناصر الفصائل، كما جرى مع “حزب الله” حين تم تفجير أجهزة البيجر.
أخيرا، واختصارا لما تم طرحه، لا شيء مستبعد، الضربة والحرب قد تحدث في أي لحظة، وهي أمر مفروغ منه، لكن توقيتها غير محدد بعد، والتوتر الحاصل، ضغوط سياسية متبادلة بين واشنطن وطهران، وكل شيء يعتمد على ما سيعقب جلسة مفاوضات الأحد في مسقط، والعراق لن يكون بمنأى عن أي حدث، والفصائل لن تهرب من مصيرها إن قامرت واشتركت مع إيران ضد أميركا.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

