لعبة النار بين طهران وتل أبيب.. ماذا لو أغلقت إيران مضيق هرمز؟

مضيق هرمز

هدد مسؤولون إيرانيون أكثر من مرة بإغلاق مضيق هرمز في أعقاب الهجمات الإسرائيلية على بلادهم، والتي كان آخرها تأكيد القيادي في الحرس الثوري الإيراني اللواء إسماعيل كوثري، أن إغلاق المضيق قيد الدراسة، وأن طهران ستتخذ القرار الأفضل بحزم.

ورغم أن إغلاق المضيق لا يزال احتمالا بعيدا جدا، إلا أن تصاعد الصراع دفع البعض للتفكير في هذا السيناريو الذي وصف بالأسوأ على الاقتصاد العالمي كاحتمال ضعيف، نظراً للدور الحيوي الذي يلعبه المضيق كأحد أهم نقاط العبور للتجارة والطاقة العالمية، وأن تنفيذ هذا التهديد سيُحدث زلزالاً في قطاع النفط.

تهديد أكثر واقعية

مضيق هرمز عبارة عن امتداد ضيق من المياه، يبلغ عرضه 29 ميلاً بحرياً فقط في أضيق نقطة منه، ويمر عبره ما يقرب من ثلث النفط المنقول بحرًا في العالم وخمس الغاز الطبيعي المسال العالمي، والذي وصفته إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأنه “أهم نقطة اختناق نفطية في العالم”، مما يؤكد الأهمية الاستراتيجية للممر الذي يربط الخليج الفارسي بخليج عمان وبحر العرب.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تهدد فيها إيران بإغلاق مضيق هرمز، فسبق أن توعدت بذلك أيضاً خلال السنوات الماضية عدة مرات، خلال عامي 2019 و2020، تعالت أصوات سياسية وعسكرية في إيران طالبت بإغلاق المضيق بعد تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة الأميركية، التي هددت من جهتها بأنها سترد على الخطوة إن أقدمت عليها طهران.

 وفي هذه المرة التجهيزات العسكرية الإيرانية تجعل التهديد أكثر واقعية، إذ تمتلك طهران ترسانة من الألغام البحرية القابلة للتحكم والاختراق، والزوارق السريعة، والصواريخ الساحلية، مدعومة باستراتيجيات مضادة للدخول وصولاً إلى منع مرور السفن، وهو ما تم تدريبه عليه خلال مدة طويلة بحسب تقارير عسكرية متخصصة.

احتمالات نشوب صراع إقليمي

زادت الأحداث التي وقعت خلال الأيام الأخيرة من احتمال نشوب صراع إقليمي إلى “احتمال كبير”، وأظهرت وثائق اطلعت عليها وكالة “رويترز” أن اليونان وبريطانيا نصحتا سفن الشحن التجاري التابعة لهما بتجنب الإبحار عبر خليج عدن وبتسجيل جميع الرحلات عبر مضيق هرمز، وذلك بعد الهجوم الإسرائيلي على إيران.

يعد مضيق هرمز حيويا لسوق الطاقة العالمية، فبحسب وكالة الطاقة الدولية، مر نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات المكررة عبر مضيق هرمز في عام 2023، وهو ما يمثل نحو 30 بالمئة من إجمالي تجارة النفط العالمية، وكان الجزء الأكبر من هذا الحجم ــ نحو 70 بالمئة ــ متجهاً إلى آسيا، وكانت الصين والهند واليابان من بين أكبر المتلقين.

ورغم وجود بنية تحتية بديلة لخطوط الأنابيب، إلا أنها محدودة، وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أنه لا يمكن إعادة توجيه سوى 4.2 مليون برميل يوميًا من النفط الخام عبر الطرق البرية، مثل خط أنابيب شرق-غرب السعودي الممتد إلى البحر الأحمر، وخط أنابيب أبوظبي للنفط الخام الإماراتي الممتد إلى الفجيرة، وتمثل هذه الطاقة الاستيعابية بالكاد ربع الحجم اليومي المعتاد للنفط العابر للمضيق.

التحذير من الأزمة المطولة

حذرت وكالة الطاقة الدولية في تقرير لها من أن “أي أزمة مطولة في مضيق هرمز لن تؤدي فقط إلى تعطيل الشحنات من المنتجين الرئيسيين في الخليج – المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والعراق وقطر – بل ستجعل أيضًا من غير الممكن الوصول إلى غالبية الطاقة الإنتاجية الفائضة في العالم، والتي تتركز في الخليج الفارسي”.

أسواق الغاز الطبيعي المسال هي الأكثر عرضة للاضطرابات المحتملة، حيث يجب أن تمر جميع صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر – ثاني أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم – والإمارات العربية المتحدة عبر المضيق، وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن 90 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق في الأشهر العشرة الأولى من عام 2023، أي ما يعادل 20 بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.

وفي ظل غياب مسارات بديلة مجدية لصادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر أو الإمارات العربية المتحدة، فإن أي إغلاق بحري سيؤدي إلى تقليص حاد في الإمدادات العالمية، و يُوجه حوالي 80 بالمئة من هذه الكميات من الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا، بينما تستقبل أوروبا حوالي 20 بالمئة، مما يعني أن أي انقطاعات في إمدادات الغاز الطبيعي المسال ستؤدي إلى تفاقم المنافسة بين المناطق، لا سيما في ظل سوق يشهد تنافسًا شديدًا.

سيناريو اقتصادي محتمل

ذكرت وكالة الطاقة الدولية أن الحجم الهائل من النفط الذي يمر عبر المضيق وندرة الطرق البديلة يعني أن أي اضطرابات حتى ولو كانت قصيرة الأمد من شأنها أن تخلف عواقب وخيمة على السوق العالمية.

من الناحية الاقتصادية، أشارت الحكومة البريطانية إلى أن ارتفاع سعر النفط قد يفاقم معدلات التضخم، ويُصعّب خطط تخفيض أسعار الفائدة، وقد يدفع باتجاه زيادة الضرائب في موازنة الخريف، وقد تجاوز ذلك فتكاليف الإنتاج الصناعي والزراعي والنقل ستتزايد، مما يخفض هوامش أرباح الشركات ويدفع أسعار السلع الاستهلاكية للارتفاع.

يثير الوضع المتوتر الحالي بالمنطقة قلق العالم، خاصة مع تزايد حدة الصراع ونبرة التهديد بالإغلاق الكامل للمضيق، لكن مجرد التهديد بذلك كان  كافٍ لزعزعة الأسواق والحفاظ على ارتفاع أسعار النفط.

مع استمرار تبادل الضربات بين القوات الإيرانية والإسرائيلية، يلوح خطر سوء التقدير بشكل كبير. ففي منطقة هشة دبلوماسيًا ومخاطرها عالية، قد تُحوّل خطوة خاطئة صراعًا إقليميًا إلى أزمة طاقة عالمية.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم