في خضم الحرب بين إسرائيل وإيران والتي استمرت 12 يوما قبل أن تنتهي، كان لافتا عدم مشاركة الفصائل العراقية المسلحة في الحرب إلى جنب طهران، لا سيما وأن هذه الفصائل هي الأكثر عمقا وارتباطا بإيران، عقائديا وجغرافيا وأيديولوجيا وحتى من ناحية المسافة عطفا على الحدود البرية الطويلة المشتركة بين بغداد وطهران.
استقلال الفصائل العراقية عن إيران.. لهذا السبب
في التفاصيل، قدمت صحيفة “واشنطن بوست”، تحليلا لأسباب التزام الفصائل العراقية الصمت خلال الحرب بين إسرائيل وإيران، مستعرضة مجموعة ظروف وراء هذا القرار المفاجئ نوعا ما.
وقالت الصحيفة الأميركية، إنه “عندما شنّت القوات الأميركية ضربات على ثلاث منشآت نووية إيرانية خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، سرت موجة من القلق في العراق، حيث تملك الميليشيات الموالية لإيران نفوذا، ومعظم السكان، كما في إيران، هم من المسلمين الشيعة”.
“لقد خيّم شبح الانتقام في العراق لفترة وجيزة. فليس هناك مكان آخر في العالم العربي تتداخل فيه المصالح الأميركية والإيرانية بهذا الشكل الوثيق، مع تمركز عدة آلاف من الجنود الأميركيين في قواعد عسكرية في أنحاء البلاد، في الوقت الذي تدعم فيه إيران مجموعة من الفصائل السياسية والمسلحة النافذة على الأرض، لكن هذه الميليشيات العراقية بقيت صامتة بشكل لافت”، قال تقرير “واشنطن بوست”.
وبحسب التقرير، فإن هذه الجماعات المسلحة باتت أكثر حذرا بشأن الانخراط في صراعات خارجية، وأكثر استقلالية عن داعميها الخارجيين في إيران؛ لأنها وببساطة تعد الآن من اللاعبين الأساسيين في الحكومة العراقية، إذ تحصل على مليارات الدولارات من ميزانية الدولة، وتدير شبكات أعمال واسعة، وتمتلك نفوذا أكثر من أي وقت مضى.

لهيب هيكل، كبيرة محللي الشأن العراقي في “مجموعة الأزمات الدولية”، قالت: “لقد أصبحت هذه الجماعات مدمجة في الدولة العراقية بشكل أو بآخر، سواء من خلال التعاملات التجارية أو من خلال السياسة. فلماذا يتخلّون عن كل ذلك؟”.
وأضافت هيكل كما ورد في تحليل “واشنطن بوست”، أنه “قد تتصاعد التوترات إلى حد العنف، لكن هذه الجماعات ستحافظ على صمتها لأطول فترة ممكنة’، وبحسبها، فإنه منذ نحو 5 سنوات، تحوّلت الفصائل العراقية من جماعات خاضعة للسيطرة الإيرانية المباشرة إلى أخرى تتمتع باستقلالية أكبر.
كيف تستفيد إيران من استقرار العراق؟
من جهته، قال سجاد جياد، زميل في مؤسسة “القرن” الدولية ومقرها نيويورك، إن اغتيال قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري الإيراني” قاسم سليماني، وقائد “الحشد الشعبي” أبو مهدي المهندس، في ضربة أميركية مطلع يناير 2020 قرب مطار بغداد الدولي، أزال أداة قوية كانت إيران تستخدمها للسيطرة على الفصائل العراقية، فغياب شخصية ”الأب الروحي“ للفصائل جعل هذه الجماعات ترسم مساراتها الخاصة.
ليس ذلك فحسب، بل أن إيران نفسها تستفيد من بقاء العراق هادئا، حيث قال مسؤول عراقي رفيع -رفض الإفصاح عن اسمه للحديث في موضوع حساس- إن “بقاء العراق خارج دائرة الصراع يعود بشكل أساسي إلى رغبة إيران في ذلك”، مردفا بأنه في طهران “يدركون أن استقرار العراق مهم جدا لأمنهم القومي، وأيضا لوضعهم الاقتصادي”.
وأوضح التقرير الأميركي، أنه مع تزايد عزلة إيران بسبب العقوبات الغربية، أصبح العراق شريانها الاقتصادي. فالبلدان شريكان تجاريان رئيسيان، وقد استخدمت إيران سوق الصرف العراقية لتحريك الأموال، وموانئ العراق لإعادة تصدير منتجات نفطية خاضعة للعقوبات، وذلك نقلا عن باحثين من “تشاتام هاوس”، وهذا “يمنح طهران منفذا إلى الاقتصاد العالمي”.
نقل التقرير عن مسؤول في “عصائب أهل الحق”، وهو فصيل مسلح يعد من أهم وأكبر الفصائل العراقية الموالية إلى إيران، ويشارك في الحكومة العراقية ولديه عدة وزارات، بل وهو الداعم الأساسي لرئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني، إن “الفصائل المسلحة ما زالت في حالة ترقب حذر”.
وأكد المسؤول: “نحن لا نرغب في الانجرار إلى الحرب، على الرغم من أن فصائل المقاومة جاهزة للرد. لكن ذلك يعتمد على تطور الأحداث ومدى تأثيرها على بلدنا”، وفي هذا إشارة حقيقية إلى نأي الفصائل العراقية بنفسها عن أي وضع خارجي، وذلك لأجل عدم فقدان المكاسب السياسية والاقتصادية في الداخل العراقي.
وكانت الحرب بين إسرائيل وإيران بدأت في 13 يونيو الجاري بضربة إسرائيلية استباقية طالت إيران، لترد عليها الأخيرة بصواريخ بالستية، وتطور الأمر إلى حرب استمرت 12 يوما، قبل أن تنتهي بمقترح أميركي من رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، ووساطة قطرية من قبل أمير قطر، تميم بن حمد.
وكان الهدف من الحرب بالنسبة لإسرائيل، هو إنهاء البرنامج النووي الإيراني وإضعاف القدرات الصاروخية البالستية الإيرانية، بينما كانت طهران تقول إن هجماتها التي طالت تل أبيب طيلة 12 يوما، هي دفاعا عن النفس “ولردع العدوان الصهيوني” بحسب قولها.

