وقف استيراد السيارات المستعملة في سوريا.. خطوة لإنقاذ الدولار أم عبء جديد على المواطن؟

السيارات المستعملة

أثار قرار الحكومة الانتقالية السورية القاضي بوقف استيراد السيارات المستعملة، جدلًا واسعًا على الساحة المحلية، لما له من انعكاسات مباشرة على حياة المواطنين، وأسعار السيارات في السوق، فضلًا عن ارتباطه المباشر بالأوضاع الاقتصادية والنقدية المتأزمة التي تعيشها البلاد.

القرار، الصادر عن وزارة الاقتصاد والصناعة، دخل حيّز التنفيذ بتاريخ 29 حزيران/يونيو الجاري، ونصّ على منع استيراد السيارات المستعملة بشكل كامل، مع السماح فقط باستيراد السيارات الجديدة التي لا يتجاوز تاريخ صنعها عامين، باستثناء سنة الصنع ذاتها، كما استُثني من القرار الشاحنات ورؤوس القاطرة وآليات الأشغال العامة والجرارات الزراعية التي لا يتجاوز عمرها عشر سنوات، إلى جانب حافلات الركاب التي تحتوي على 32 مقعدًا أو أكثر، بشرط ألا يتجاوز عمرها أربع سنوات.

قرار فوري!

المفارقة اللافتة في هذا القرار أنه طُبّق بشكل فوري ودون أي فترة انتقالية، ما أثار مخاوف لدى المستهلكين من اضطراب مفاجئ في سوق السيارات، وفتح الباب على مصراعيه لتضخم أسعار المركبات المستعملة المتاحة حاليًا، في ظل غياب بدائل واضحة وفعالة على الأرض.

وقد ازدادت هذه المخاوف حدة مع تأكيدات رسمية تفيد بأن أكثر من 100 ألف سيارة مستعملة دخلت البلاد منذ عام 2018، معظمها تم استيرادها من دول الخليج، لا سيما الإمارات والسعودية وقطر، في ظل بيئة تشريعية فضفاضة وغياب واضح للرقابة على جودة المركبات، ما أدى إلى تدفق عدد كبير من السيارات التي وُصفت بـ”الخردة”، أو تلك التي انتهى عمرها الفني الافتراضي في بلدان المنشأ.

وفقًا لبيانات المؤسسة العامة للمناطق الحرة، فإن ما يقرب من 70 بالمئة من السيارات المستوردة خلال السنوات الماضية هي من النوعيات منخفضة الجودة، وبعضها تعرّض لحوادث أو غمر بالمياه، أو تلاعب بعدادات المسافة المقطوعة.

 هذه الحقائق دفعت الحكومة، على ما يبدو، إلى اتخاذ قرار حاسم لوقف النزيف في سوق السيارات، خاصة أن فاتورة استيراد هذه المركبات تستنزف مبالغ كبيرة من القطع الأجنبي، وهو مورد بالغ الأهمية في ظل تراجع صادرات البلاد وضعف تدفق العملات الصعبة.

توضيح لأبعاد القرار

القرار رغم وجاهته من ناحية الاقتصاد الكلي، إلا أنه أثار غضب شريحة واسعة من المواطنين الذين رأوا فيه مساسًا بحقهم في الوصول إلى وسائل نقل ميسورة الكلفة، ففي ظل تدهور خدمات النقل العام، الذي لا يعمل بأكثر من 40 بالمئة من قدرته التشغيلية بحسب تقرير لوزارة النقل السورية صدر في نيسان/أبريل 2025، ما يجعل امتلاك سيارة مستعملة خيارًا ضروريًا وليس ترفًا، كما يؤكد كثير من السوريين الذين لا يملكون القدرة على شراء سيارات جديدة، سواء لارتفاع تكاليفها أو لصعوبة الحصول على تمويل مصرفي.

في خضم هذا الجدل، حاول المستشار التنفيذي لشؤون السيولة والنقد في وزارة الاقتصاد، جورج خزام، توضيح أبعاد القرار، مؤكدًا أن الحكومة لا تستهدف حرمان السوريين من وسيلة نقل، بل تسعى لتنظيم السوق ووقف استيراد السيارات غير الآمنة أو التي تُباع بأسعار مبالغ بها وهي لا تستحقها فنيًا، وفقًا لمنشور له عبر “فيسبوك“

كما أوضح خزام أن الدول ذات الأنظمة الاقتصادية الراسخة لا تسمح بإدخال سيارات يتجاوز عمرها الفني 10 سنوات، وبعضها يمنع استيراد المستعمل كليًا، مضيفًا أن أكثر من 100 ألف سيارة دخلت السوق السورية خلال سنوات قليلة، وهي كافية لتلبية احتياجات السوق لعدة سنوات مقبلة، ومؤكدًا أن المعروض الحالي يُفترض أن يغني السوق عن الحاجة إلى المزيد، لو تم تنظيم آلية البيع ومنع الاحتكار.

تلاعب المستوردين

أعرب خزام عن أسفه لأن بعض المستوردين استغلوا ثغرات التشريعات السابقة لاستيراد مركبات تعرضت لأضرار جسيمة، إما بسبب الغمر بالمياه كما في بعض السيارات الخليجية، أو نتيجة تلاعب بعدادات المسافة أو عبر تجميع أجزاء من سيارات تالفة لتكوين مركبة واحدة، في ممارسات تنطوي على غش واضح وظلم للمستهلك السوري الذي غالباً ما يدفع ثمناً باهظاً لسيارة غير صالحة تقنياً.

ونبّه إلى أن الفنيين المختصين رصدوا معدلات تلاعب كبيرة في عدادات المسافة، إذ يتم استيراد سيارات قطعت ما يزيد على 500 ألف كيلومتر، وتُعرض للبيع وكأنها جديدة، بعد تقليص العداد إلى أقل من 100 ألف، مستغلين في ذلك نمط الاستخدام الكثيف في دول الخليج حيث تقطع السيارات مسافات طويلة في فترات زمنية قصيرة، ما يؤدي إلى إنهاك المحركات وتلف نظم الحقن والتبريد.

وفي ختام تصريحه، شدد خزام على أن الإصلاح الاقتصادي ليس شعارًا نظريًا، بل سلسلة من الإجراءات التصحيحية التي لا بد من تقبلها، وإن بدت صعبة في ظاهرها، ما دامت تحمي الاقتصاد الوطني من الاستنزاف وتضع حداً للفوضى التي تسببت بها ممارسات غير مسؤولة، مشيرًا إلى أن مطالبة الشعب بالإصلاح لا يمكن أن تترافق مع الاعتراض على كل قرار إصلاحي جاد، وخصوصًا إذا كان القرار يصب في صالح الجميع على المدى الطويل.

مستهلكون عن القرار: غير صائب

في المقابل، يرى بعض المستهلكين السوريين أن القرار رغم وجاهته المبدئية، افتقر إلى التدرج، حيث قال أحدهم إنه لم يُراعِ الوضع المعيشي المتدهور لشريحة كبيرة من السوريين، وكان من الأولى، وفق رأيه، تعديل شروط الاستيراد بدلًا من منعه كليًا، كأن يتم السماح باستيراد السيارات التي يقل عمرها عن سبع سنوات، أو التي تحمل سجلًا فنيًا موثقًا، واصفًا القرار بأنه “غير صائب”.

وحذر من أن يظهر خلال فترة قريبة جشع التجار بارتفاع أسعار السيارات، مؤكدًا أن القرار أضر بالمواطن البسيط واستفاد منه التجار، مطالبًا بأن يتم تعديل القرار على أن يكون نظام الاستيراد لسيارات بعمر 7 سنوات، مستطردًا: “لاتسلمونا للتجار بعد أن تحررنا منهم”.

أحد المستهلكين

ورأى مستهلك آخر أن القرار غير موفق ويخالف طبيعة اقتصاد السوق الحر الذي أعلنت الحكومة عن تطبيقه كنظام اقتصادي، مشيرًا إلى أن المفترض أن يعالج السوق نفسه حال كثرة المعروض، وأن القرار سيزيد من قيمة أسعار السيارات فقط.

وأضاف أن البديل عن “البتر أو القطع” هو “التقليم”، من خلال تحديد معايير جديدة للاستيراد منها على سبيل المثال ألا يقل عمر السيارة عن سنة تصنيع محدد وأن يكون معها سجل تاريخي، وأن يمنح كل مغترب فرصة لاستيراد سيارة على الأقل بدون جمارك.

فيما أشار آخر إلى البُعد الاقتصادي للقرار، حيث ربطه بأزمة القطع الأجنبي، الذي تستنزفه السيارات المسعتملة، مؤكدًا أن سوريا تحتاجه أكثر من أي وقت مضى، في مرحلة إعادة الإعمار و النهوض والتعافي.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم