بلغ التلاعب بالمساعدات الإنسانية في سوريا ذروته، خاصة في ريف حماة، وتجلى ذلك عندما استلمت إحدى المداجن كميات من المواد المعدنية المُخصصة لإضافتها إلى العلف الحيواني، وكانت تُعبأ في أكياس واضحة الطباعة “مساعدات من تركيا – غير مخصصة للبيع”.
هذا المشهد يطرح أسئلة أكثر مما يجيب، فالعاملون في المدجنة أكدوا أن طلبهم كان لأعلاف عادية، لا لمساعدات إنسانية، ما يوحي بأن الحمولة لم تكن موجهة إلى المستحقين، بل تم تحويلها نحو السوق التجاري، وفقًا لـ”المدونة السورية” على موقع التواصل “إكس”.
فساد متجذر
إعادة استخدام أكياس الهلال الأحمر السوري للتغطية أو الإيهام ليست حادثة معزولة، بل رمز لمسار طويل من الفساد المستشري في النظام الإغاثي، حيث تظهر هذه الواقعة ضمن نمط متزايد من التقارير التي توثق تهريب أو حجب جزء كبير من الشحنات الإنسانية داخل سوريا.
فبينما تستمر تبعات الحرب الضخمة على الأوضاع الإنسانية بين السوريين، تبدو المساعدات عرضة لعملية انتزاع ممنهج، حيث تُباع أو تُعاد تعبئتها أو تصرف لأغراض غير إنسانية، في حين يعزف المعنيون بالأمر عن الشفافية وسط تصاعد الأزمات الإنسانية التي تعصف بسوريا.
ويوثق هذا المشهد بوضوح انهيار آليات الرقابة وتحول الإغاثة إلى مورد للربح غير المشروع، في حين ترسم تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية صورة قاتمة لما يجري، حيث أشار برنامج الغذاء العالمي في تقريره لعام 2024 إلى أن ما لا يقل عن 25 بالئة من شحنات المساعدات التي دخلت سوريا فقدت أو بيعت في الأسواق قبل أن تصل إلى المستحقين.
نازحون يشترون المساعدات من الأسواق
كما أشار البرنامج في كانون الثاني/ يناير 2025 إلى أن المساعدات تصل إلى 2.8 مليون شخص في أنحاء سوريا، فيما يواجه صعوبات في الوصول إلى مناطق في شمال شرق البلاد بسبب انعدام الأمان.

وفي تقرير صادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” أواخر العام الماضي، وُثقت شهادات لنازحين في شمال وغرب البلاد تحدثوا عن اضطرارهم لشراء مواد إغاثية تحمل شعار الأمم المتحدة من الأسواق بأسعار مضاعفة، في حين يفترض أنها توزع مجانًا.
ولم تحصر هذه الظاهرة في مناطق بعينها، بل تمتد عبر مختلف الجغرافيا السورية، من دمشق إلى إدلب والحسكة ودير الزور، حيث تعمل شبكات من السماسرة والمسؤولين المحليين على إعادة توجيه المساعدات نحو السوق السوداء.
فجوة هائلة بين الإمدادات والمستفيدين الفعليين
تكشف الأرقام حجم الكارثة، فبحسب إحصاءات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن نحو 15.3 مليون سوري كانوا بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية في 2024، بينهم 6.8 مليون نازح داخلي.
لكن مؤشرات التوزيع الفعلي تشير إلى فجوة تصل أحيانًا إلى أكثر من 40 بالمئة بين الكميات المرسلة والكميات التي تصل فعليًا إلى المستحقين، هذه الفجوة تتحول إلى أرباح طائلة لشبكات متنفذة تبيع القمح والسكر والزيت المخصص للإغاثة بأسعار تنافس السوق، بل وأحيانًا تتفوق عليه.
وتتم عمليات توزيع المساعدات الدولية والأممية عبر شركاء محليين، بعضهم مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالسلطات في مناطق مختلفة، لتجعل هذه البنية الهشة المساعدات عرضة للسرقة أو سوء الإدارة، كما أن القيود المفروضة على الوصول الإنساني، خاصة في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة المركزية، تحد من قدرة فرق المراقبة على التحقق الميداني.
يجدر الإشارة إلى أن السفير التركي في سوريا الدكتور برهان كور أوغلو، كان قام بتوزيع مساعدات إنسانية على عدد من العوائل في حلفايا بريف حماة، مقدمة من منظمة خيرية تركية، في حزيران/ يونيو الماضي.
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران

