وصل وزير الطاقة السوري محمد البشير إلى العاصمة العراقية بغداد في زيارة رسمية تهدف إلى بحث آفاق التعاون في مجال النفط والطاقة مع الجانب العراقي، ومناقشة إعادة تأهيل خط كركوك – بانياس النفطي المتوقف عن العمل منذ أكثر من اثنين وعشرين عامًا.
وأعلن البشير عبر منصة “إكس” أن مباحثاته ستتركز على تعزيز التكامل في قطاع الطاقة بما يخدم مصالح البلدين الشقيقين، إضافة إلى بحث مشاريع مشتركة في مجالات أخرى مثل الموارد المائية.
إعادة تفعيل خط كركوك – بانياس
في هذا الإطار، أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية أن الزيارة، التي لم تُحدد مدتها، تشمل لقاءات مع كبار المسؤولين العراقيين في قطاع النفط والطاقة، لبحث إعادة تفعيل هذا الخط الاستراتيجي الذي كان يشكل في الماضي أحد أهم مسارات تصدير النفط في الشرق الأوسط.

الخط الذي يمتد لمسافة تقارب 800 كيلومتر، من حقول كركوك شمال العراق إلى ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، دخل الخدمة في مطلع خمسينيات القرن الماضي وبدأ تشغيله فعليًا عام 1952 بطاقة ضخ وصلت إلى 300 ألف برميل يوميًا.
لكنه تعرض للتوقف التام منذ عام 2003 نتيجة أضرار جسيمة لحقت به جراء الحرب والإهمال، ما أدى إلى فقدان سوريا والعراق أحد أهم منافذ التعاون النفطي المباشر بينهما.
مشروع استثماري ضخم
تقدَّر كلفة إعادة تأهيل الخط وتشغيله بين 300 و600 مليون دولار وفق الدراسات الأولية، ما يجعله مشروعًا استثماريًا ضخمًا يحتاج إلى توافق سياسي وإرادة اقتصادية مشتركة.
ويأتي التحرك السوري الأخير في سياق مساعٍ أوسع لإحياء الشراكات الإقليمية في مجال الطاقة، بعد سنوات من الانقطاع بسبب النزاعات والعقوبات الدولية، وكانت وزارة الطاقة السورية قد أشارت مؤخرًا إلى أن إعادة تشغيل هذا الخط سيمنح دمشق فرصة أكبر لتأمين إمدادات مستقرة من النفط الخام، بما يخفف من أزمة الوقود الخانقة التي تعانيها البلاد منذ سنوات، كما قد يتيح للعراق منفذًا إضافيًا لتصدير نفطه عبر المتوسط، ما يفتح أمامه أسواقًا جديدة في أوروبا.
وفي تصريحات سابقة لقناة “الإخبارية السورية”، أوضح البشير أن إعادة تأهيل خط كركوك – بانياس ستكون خطوة أولى ضمن خطة أوسع تشمل دراسة إنشاء مصفاة نفط جديدة في سوريا، بهدف تحويل البلاد من مستورد صافٍ للمشتقات النفطية إلى دولة قادرة على تصدير جزء من إنتاجها.
استعادة الدور الإقليمي
هذه الطموحات، وإن بدت بعيدة المنال في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، تعكس رغبة دمشق في استعادة دورها كمحور إقليمي في مجال الطاقة، خاصة بعد أن فقدت معظم بنيتها التحتية النفطية خلال سنوات الحرب.

وكان العراق قد أرسل في نيسان/ أبريل الماضي وفدًا فنيًا واقتصاديًا رفيع المستوى إلى سوريا لإجراء دراسة جدوى شاملة لإعادة تأهيل وتشغيل الخط، وشملت الدراسة تقييم الوضع الفني للأنبوب، وحساب الكلفة، ودراسة التأثيرات الاقتصادية المحتملة على البلدين.
وتشير التقديرات إلى أن تشغيل الخط مجددًا قد ينعش قطاعات النقل والصيانة والهندسة في كلا البلدين، فضلًا عن توفير فرص عمل جديدة، وتحقيق عوائد مالية مهمة إذا ما تم تشغيله بكامل طاقته.
تحديات قائمة
لكن المشروع لا يخلو من التحديات، إذ يتطلب توافقًا سياسيًا وأمنيًا، وضمان حماية البنية التحتية الممتدة عبر أراضٍ تشهد اضطرابات أمنية متقطعة، كما أن العقوبات الغربية المفروضة على سوريا رغم تخفيفها قد تعيق انخراط شركات دولية في تنفيذ المشروع أو تمويله، ما يفرض على دمشق وبغداد البحث عن شراكات بديلة ربما تشمل أطرافًا إقليمية حليفة.
تحمل زيارة البشير إلى بغداد بعدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد إعادة تأهيل خط نفطي قديم، فهي إشارة إلى رغبة الطرفين في إعادة بناء روابط اقتصادية متينة بعد عقود من الانقطاع والتوترات.
وإذا ما نجح البلدان في تجاوز العقبات الفنية والسياسية، فإن خط كركوك – بانياس قد يستعيد مكانته التاريخية كجسر للطاقة يربط بين موارد العراق وأسواق المتوسط، ما سيمنح الطرفين مكاسب اقتصادية واستراتيجية في بيئة إقليمية شديدة التنافس.
- بعد سقوط الأسد.. مبادرة سورية تطالب بمواصلة دعوى التعذيب أمام “العدل الدولية”
- الغش والتهديدات في امتحانات سوريا.. ماذا تكشف شهادات عن نزاهة الدورة 2026؟
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟

