دمشق تغلق معابرها مع “قسد”.. أزمة اقتصادية أم ورقة ضغط؟

معابر دمشق مع قسد

تداولت أنباء اليوم، الخميس، تفيد بأن السلطات السورية أغلقت فجأة معبرين تجاريين رئيسيين، وهما معبر “دير حافر” في ريف حلب الشرقي، ومعبر “سلمية” المعروف باسم “الطبقة”، فيما نقلت مواقع إخبارية نفي الإدارة الذاتية ذلك مؤكدة أنها أخبار عارية عن الصحة.

ومن شأن تلك الخطوة أن تؤدي إلى توقف تام لحركة الشاحنات التجارية ونقل المحروقات بين مناطق سيطرة الحكومة السورية ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وفق ما نقل “المرصد السوري لحقوق الإنسان”.

 تداعيات اقتصادية مباشرة

على الرغم من توقف التبادل التجاري، استمر السماح للمدنيين بالعبور عبر المعبرين، كما يأتي هذا الإغلاق في ظل اقتصاد ممزَّق ومأزوم منذ سنوات، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 84 بالمئة بين عامي 2010 و2023.

وأدت الأزمة المتواصلة والعقوبات الغربية في تقويض قدرة الدولة على الاستجابة لاحتياجات السوق، ما دفع الاقتصاد إلى الاعتماد على الإمدادات الواردة عبر طرق غير رسمية، بما فيها المعابر الخاضعة لتحكم “قسد” والمجموعات المدعومة من تركيا.

https://twitter.com/syriahr/status/1955893819523653784

ويشتري النظام عبر وسطاء المحروقات من الإدارة الذاتية التي تورد المادة إلى الشمال السوري، ولا توجد أرقام رسمية أو تقديرية معلنة عن حجم التبادل التجاري بين النظام والإدارة الذاتية التي تسيطر على منطقة شرقي الفرات الغنية بالثروات منذ عدة سنوات.

ومن شأن الحظر المفاجئ على حركة البضائع والنفط عبر المعابر الحيوية أن يعيد تشكيل ديناميات التبادل الداخلي، ففي الأسابيع الماضية، بلغ اقتصاد سوريا مرحلة غير مسبوقة من ضياع الاحتياطيات الأجنبية، إذ لم تعد الاحتياطيات تغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات، مع توفر نحو 200 مليون دولار فقط في البنك المركزي و26 طناً من الذهب لذلك، فإن أي قرار بإغلاق ممر تجاري أو ضبطه ينعكس مباشرة على توافر السلع الأساسية وأسعارها في السوق المحلية.

فقدان مواد أساسية بالأسواق

من المرجح أن يؤدي إغلاق المعابر إلى فقدان السوق للمواد التي يستمدها من مناطق “قسد” بالدرجة الأولى، وبالتالي سيؤدي هذا لارتفاع الأسعار في مناطق النظام، ومن ثم سينسحب أيضًا على زيادة استغلال التجار للنظام والأسواق من جهة أخرى عبر السوق السوداء.

وعلى الصعيد الميداني، تصاعد التوتر في خطوط التماس بين فصائل موالية لأنقرة، من ضمنها “السلطان سليمان شاه” (“العمشات”) و”فرقة الحمزات”، وقوات سوريا الديمقراطية، بحسب المرصد.

وكشف المرصد عن تعزيزات عسكرية تشمل عربات مدرعة وأسلحة ثقيلة على امتداد المناطق الممتدة من دير حافر إلى بلدة عكيريش في ريف الرقة الشرقي، في حين عززت قسد مواقعها الدفاعية على الجبهة الشمالية

في هذا الإطار، يبدو أن الإغلاق والتصعيد العسكري ليسا منفصلين، بل مترافِقين وفق استراتيجية قد تسعى إلى استخدام المعابر كورقة ضغط أو منطلق لتحولات ميدانية أو تفاوضية، خاصة وأن ذلك يعد من قبيل الأنماط السابقة في التوترات السورية، حيث كان إغلاق المعابر غالبًا ما يسبق مفاوضات إعادة توزيع النفوذ أو اشتباكات جديدة.

الضغط على “قسد”

بحسب ما أفاد به الناشط السياسي عمر أحمد من المنطقة، فإن هذه الإجراءات جاءت عقب زيارة مسؤولي الحكومة السورية إلى تركيا، وما تلاها من اتفاقات تهدف إلى الضغط على (قسد) وإجبارها على الخضوع لإملاءات الدمج والاندماج دون أي شروط أو مطالب تتعلق باللامركزية السياسية، وفقا لما نقله عنه موقع “باسنيوز”.

دمشق تصر على أن تبقى سوريا دولة مركزية تحكمها فئة واحدة، في حين ترفض (قسد) حتى الآن هذا الطرح وتتمسك بمطلب اللامركزية، لافتًا إلى أن التصعيد الأخير جاء أيضًا في أعقاب مؤتمر الحسكة للمكوّنات، حيث اعتبر بعض المراقبين أن هذه الخطوة تمثل ذريعة لمنع نقل المفاوضات إلى باريس، والإصرار على أن تجري المفاوضات في دمشق وتحت سيطرة السلطة السورية الجديدة”.

وأشار أحمد ، إلى أن التحالف الدولي لن يسمح بأي عملية عسكرية ضد مناطق سيطرة (قسد) في شمال وشرق سوريا وتحاول واشنطن التوافق بين الطرفين وكذلك فرنسا، لمنع حدوث أي اقتتال قد يؤدي إلى مجازر كما وقعت في السويداء والساحل.

خسائر الحرب وانعكاساتها بالمستقبل

تشير دراسات “البنك الدولي” إلى أن أضرار الحرب أدت لوقوع خسائر ضخمة في البنية التحتية والقطاعات الحيوية مثل النفط والزراعة أو ما بين 2011 و2016 قد تجاوزت 226 مليار دولار

وفي غياب بيانات رسمية أو تصريحات من الحكومة السورية تحدد أسباب الإجراء أو سقف مدته، يبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات، ومن المتوقع أن يفاقم قطع المعابر من ندرة المحروقات والسلع الغذائية، وقد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ما يُربك الأسواق المحلية التي تكاد تئن تحت وطأة التضخم والانكماش الاقتصادي.

ويضاف هذا التوتر الجديد إلى المشهد السوري المعقد، حيث تتشابك الحسابات الإقليمية والدولية مع الصراع الداخلي، فيما تظل المعابر التجارية والنقاط الحدودية ورقة ضغط أساسية بيد الأطراف المتنازعة، تُستخدم مرة للمساومة وأخرى للتهيئة لمعارك جديدة، تاركة المدنيين في مواجهة مباشرة مع تبعات الحصار والاضطراب الأمني.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم