في وقت كان يأمل فيه الطلبة السوريون العائدون من بلدان اللجوء أن تفتح أمامهم الجامعات أبوابها، اصطدموا بواقع مختلف، بعد أن واجهوا جداراً من الشروط الإدارية المعقدة وُصفت بـ “التعجيزية”، أبرزها مطالبتهم بإبراز شهادة الصف التاسع غير المعترف بها في كثير من الدول، أو ربط القبول الجامعي بالشهادة الثانوية الصادرة في سنة التقديم نفسها فقط.
وتزداد المعضلة تعقيداً لأن أنظمة التعليم في الخارج لا تتعامل مع شهادة “التاسع” كوثيقة أساسية، بل تعتمد اختبارات تقييم تُدخل الطالب مباشرة إلى الصف المناسب دون اشتراط الحصول على شهادة انتقال، ما يعني أن معظم العائدين لا يملكون أصلاً هذه الوثيقة التي تصرّ الجامعات السورية على طلبها.
هذه الشروط، التي تعود بجذورها إلى سياسات النظام البائد، ما تزال مطبّقة حتى اليوم دون أي تعديل، ما أثار موجة غضب بين الطلبة وذويهم، الذين اعتبروا أن وزارة التعليم السورية لم تواكب التحولات الكبيرة في واقع الشتات السوري وحاجات الشباب، الأمر الذي يهدد مستقبل آلاف الطلاب ويدفعهم إمّا إلى الجامعات الخاصة الباهظة، أو إلى هجرة جديدة.
أصوات الطلبة: “طلبات تعجيزية”
باتت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة للطلبة العائدين إلى سوريا، أملا منهم بإيصال قضاياهم إلى وزارة التعليم العالي السورية والعمل على حل مشكلاتهم وتذليل العقبات لاستكمال دراستهم في الجامعات الحكومية السورية.

تابع “الحل نت” تعليقات طلبة مباشرة عبر مواقع التواصل، من طلبة حاولوا استكمال تعليمهم داخل الجامعات السورية، إذ قال أحد الطلاب معلقاً على منشور نُشر على موقع التواصل الاجتماعي “انستغرام”: إن موظفة أخطأت في ملفه، لكنه اضطر رغم ذلك لدفع مبالغ مالية طائلة لإتمام معاملته، مضيفاً: “حتى لو دفعت ما رح استفيد بدون واسطة أو مصاري”.
كما أن ربط القبول بسنة التقديم نفسها حرم عدداً كبيراً من الطلاب الذين أنهوا الثانوية قبل سنوات قليلة، رغم أن شهاداتهم ما تزال سارية ومعترفاً بها في الدول التي درَسوا فيها.
وأشارت طالبة أخرى إلى أنها فقدت عامين دراسيين بانتظار استكمال إجراءات التصديق، لتكتشف أن شهادتها غير مقبولة لأنها ليست من سنة التقديم، ووصفت الأمر بأنه “حرمان مقصود من حق التعليم”.
إضافة إلى ذلك، فإن بعض الطلبة عبروا عن استيائهم من عدم المرونة وتطبيق الشروط بصرامة ومنحهم وقتا لإتمام تصديق أوراقهم وشهاداتهم من السفارات ووزارات التعليم في الدول التي درسوا فيها، إذ يتطلب ذلك وقتاً طويلاً ونفقات مالية مرتفعة. ويطالب طلبة بإتمام عملية التسجيل ومنحهم مهلة لإتمام تصديق الشهادات، على غرار دول أخرى، مثل الأردن، التي منحت الطلبة السوريين في بداية سنوات اللجوء فصلا دراسيا كاملا لحين استكمال تصديق الشهادات من دمشق وإعادة تسليمها للجامعة.
قرار جديد لكن لا يشمل الجميع
في 5 حزيران/يونيو 2025، أعلنت وزارة التعليم العالي عن قرار خاص بالطلاب العائدين من الجامعات التركية، يتضمن قبولهم في الجامعات السورية الخاصة، وتشكيل لجان لمعادلة المقررات ومساعدتهم على الاندماج.

لكن القرار لم يشمل الطلاب العائدين من دول لجوء أخرى مثل لبنان والأردن والعراق، ما أثار استياءً كبيراً بين الطلاب، الذين اعتبروا أن الوزارة تكرّس سياسة التمييز بين شرائح الشتات، بدلاً من إيجاد حل شامل لجميع العائدين.
في المقابل، تعاملت دول أخرى مع ملف شهادات الشتات بمرونة أكبر، ففي ألمانيا والسويد مثلاً، تُقبل الشهادات الأجنبية بغض النظر عن سنة إصدارها، مع فتح برامج تأهيلية أو مسارات بديلة للطلبة.
أما في لبنان والأردن، فيُكتفى عادة بامتحان تعادلي أو تصديق بسيط، دون فرض رسوم ضخمة أو عراقيل زمنية طويلة، ما يسهل اندماج الطلاب العائدين في النظام التعليمي.
بين الإحباط والبحث عن بدائل
الكثير من الطلبة عبروا عن شعور بالإحباط واليأس من السياسات الجامدة، إذ يقول محمد خالد، من ريف دمشق، وهو طالب طب بشري عائد من الخليج: “كنت متخيل إني رح أرجع وأكمل جامعتي هون، بس حسيت كل شيء معمول مشان نرجع نتهجّر، بس لأن وراقي فيهن ورقة مانها مصدقة بدهن ارجع سافر وصدقها والسفر مكلف ما في قدرة سافر لصدقها”.
في ظل غياب أي خطوات إصلاحية حقيقية، يخشى كثيرون أن تتحول هذه الشروط إلى أداة إقصاء جديدة، تحرم جيلاً كاملاً من حقه في التعليم، ومع بقاء الجامعات الخاصة خياراً مكلفاً، تتجه شريحة واسعة من الطلاب نحو الهجرة مجدداً، ما يفرغ البلاد من طاقات كان من الممكن أن تساهم في إعادة إعمارها.
في حين ترى سارة حداد من حمص، طالبة كانت تقيم في الأردن وحاولت التسجيل في كلية الهندسة، أن العراقيل وضعتهم “في مواجهة مفتوحة مع الوقت”، وأضافت: “خسرت سنتين من عمري بسبب ورقة ما بتفيد غير عندن”.
شروط وُضعت لعصر بائد ما تزال تتحكم بمصير الشباب السوري، لتكشف عن فجوة كبيرة بين السياسات الرسمية وواقع الشتات، ليبقى التعليم حلماً بعيد المنال ما لم تُكسر هذه الحواجز الإدارية ويُفتح الباب أمام مقاربة أكثر عدلاً وواقعية.
- بين النفي والتوقعات.. اتصالات قطرية تمهد لتحريك المفاوضات بين واشنطن وطهران
- 3 فجوات تخنق معيشة السوريين.. كيف عمّقت المحروقات الأزمة؟
- دمشق لطهران: سوريا لم تعد ساحة نفوذ لأي دولة
- مطار المزة فوق ملفين مفتوحين.. أراضي المعضمية والمقابر الجماعية
- جدل حول فصل موظفين في (MTN) سوريا وسط روايات متضاربة.. ما التفاصيل؟
