تقييد بيع المشروبات الكحولية في دمشق.. جدل يفتح باب التساؤلات حول أولويات الحكومة

المشروبات الكحولية

في وقت تتفاقم فيه الأزمات المعيشية إضافة إلى انهيار القدرة الشرائية للسوريين، أصدر المكتب التنفيذي لمجلس محافظة دمشق قراراً أثار موجة جدل واسعة، أعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول أولويات السلطة المحلية في مرحلة تتطلب تضافر كل الجهود لإنعاش الاقتصاد المنهك.

 فبينما يئن المواطن تحت وطأة الفقر والبطالة وانقطاع الخدمات، وجدت المحافظة نفسها مشغولة بإعادة رسم خارطة توزيع المشروبات الكحولية في العاصمة.

خارطة البيع والبنود الصارمة

ينص القرار الجديد على حصر بيع المشروبات الروحية “المختومة” في ثلاثة أحياء محددة هي باب توما والقصاع وباب شرقي، وذلك ضمن محال تجارية مرخصة، مع فرض مسافات فاصلة لا تقل عن 75 متراً عن دور العبادة والمدارس والمقابر.

 كما تضمن القرار بنداً صارماً يحظر تقديم هذه المشروبات بالكأس داخل المحال، تحت طائلة إلغاء الترخيص، ومنح المحال القائمة مهلة ثلاثة أشهر لتسوية أوضاعها، وجاءت التبريرات الرسمية على لسان المحافظة بأن الخطوة تأتي استجابة لشكاوى “المجتمع المحلي” والحد مما وصفته بـ”الظواهر المخلة بالآداب العامة”.

بعض الانتقادات التي وجهت للقرار كشفت عن أبعاد تتجاوز البعد التنظيمي والأخلاقي، لتلامس ملفات حساسة كالحريات الشخصية والعلاقات الدولية والاقتصاد الموازي، ففي الوقت الذي تتفاعل فيه منشورات مؤيدة ومعارضة للقرار على وسائل التواصل الاجتماعي، يبرز سؤال جوهري حول توقيت صدوره، ولماذا تُستنفر مؤسسات الدولة لمعالجة ملف “المشروبات الروحية” بينما تظل الملفات المعيشية الملحة بلا حلول جذرية؟.

تداعيات سياسية واقتصادية

الخبير الاقتصادي عامر شهدا يقرأ القرار من زاوية مغايرة، محذراً من تداعياته السياسية والاقتصادية التي قد تمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الإدارية لدمشق.

يشير شهدا في منشور له عبر منصة “فيسبوك” إلى أن مثل هذه القرارات، في توقيتها وسياقها، قد تشكل عبئاً إضافياً على ملف الحريات في سوريا، وتقدم مبررات جديدة لإبقاء البلاد ضمن قائمة الدول ذات “القلق الخاص” (CPC) الصادرة عن اللجنة الأميركية للحريات الدينية الدولية.

هذا التصنيف، وفق الخبير، ليس مجرد وصمة أخلاقية، بل يحمل انعكاسات مباشرة على واقع العقوبات الاقتصادية، إذ قد يعزز موقف المتشددين في واشنطن الرافضين لأي تخفيف للقيود، في وقت تسعى فيه دمشق جاهدة إلى إعادة الانفتاح على محيطها العربي والدولي واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار المالي.

غياب الوعي الرسمي يفاقم المخاطر

يضيف شهدا أن المشكلة لا تكمن في القرار بحد ذاته، بل في غياب الوعي الرسمي بطبيعة قراءة المجتمع الدولي لمثل هذه السياسات، حيث باتت الحريات الشخصية تُستخدم كمؤشرات على اتجاهات الحكم، منوهًا بأن ما يزيد من حساسية المشهد، هو تصاعد الخطاب الاجتماعي المتشدد وتداول مقاطع مصورة لحملات تشبه “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في بعض المناطق، مما يرسل إشارات سلبية إلى الخارج في لحظة سياسية شديدة الحساسية.

من جهته، يقدم الباحث الاقتصادي يونس الكريم قراءة متعددة الأبعاد للقرار، لا تختزله في البعد الديني أو الأخلاقي فقط، حيث يرى أن هناك ثلاث تفسيرات محتملة لهذه الخطوة.

وأوضح في منشور له عبر “فيسبوك” أن أولها تفسير اجتماعي أخلاقي يعكس بالفعل نفوذ خطاب ديني متصاعد على دوائر صنع القرار، كما أن ثاني تفسير فهو اقتصادي خفي، يشير إلى احتمالية وجود مصالح اقتصادية غير معلنة تدفع نحو إعادة تشكيل سوق المشروبات الروحية، بحيث تنتقل أرباحه من القنوات الرسمية إلى قنوات بديلة كالمناطق الحرة أو عبر تنشيط التهريب، حيث يمكن تحقيق أرباح طائلة خارج إطار الدولة والضرائب.

 أما التفسير الثالث، فيتعلق بمحاولة توجيه السوق نحو بدائل محلية كالمشروبات الغازية والعصائر، مما قد يمهد لاستثمارات جديدة في هذا القطاع أو إعادة هيكلة أصول صناعية قائمة.

انعكاسات على الأسعار

يتوقع الكريم أن تؤدي مثل هذه القيود، بدلاً من “تنظيم” السوق، إلى نتائج عكسية تتمثل في ارتفاع جنوني لأسعار المنتجات البديلة في السوق السوداء، وازدهار اقتصاد الظل على حساب الخزينة العامة التي هي بأمس الحاجة لكل مورد مالي.

يأتي قرار دمشق امتداداً لمسار بدا وكأنه يتشكل في عدة محافظات سورية خلال الأشهر الأخيرة، ففي شباط الماضي، شهد حي الأميركان بمدينة اللاذقية، وهو منطقة معروفة بانفتاحها النسبي، حملة أغلقت خلالها محال ومطاعم تبيع المشروبات الكحولية، وأجبر أصحابها على التعهد بعدم تقديمها خلال شهر رمضان.

كما سبق لوزارة المالية أن فرضت في كانون الثاني الماضي رسماً جديداً على عبوات المشروبات الكحولية، برفع سعر اللصاقة إلى ألف ليرة سورية بالعملة الجديدة، أي مئة ألف بالقديمة، ما يعادل 8.6 دولار، في خطوة بدت وكأنها تهدف إلى تنظيم القطاع مالياً، لكنها اليوم تبدو وكأنها كانت مقدمة لسياسة أكثر تشدداً.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

2 2 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم