في وقت تتصاعد فيه المخاطر الجيوسياسية في منطقة الخليج، قللت “المنظمة البحرية الدولية” التابعة للأمم المتحدة، من جدوى المقترحات العسكرية الرامية إلى تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، مؤكدة أن مرافقة السفن التجارية بقطع حربية لا توفر ضماناً كاملاً للسلامة ولا تمثل حلاً مستدامًا لأحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا وحيوية في العالم.
ويأتي هذا الموقف الحاسم في وقت يمر عبر المضيق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يومياً، وفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، ما يجعل أي اضطراب حتى ولو محدود بالعبور بالمضيق قادراً على إحداث صدمة فورية في الأسواق.
تحذيرات المنظمة
أكد الأمين العام للمنظمة أرسينيو دومينجيز في تصريحات نقلتها صحيفة “فاينانشال تايمز “، الثلاثاء، أن الحماية العسكرية لا يمكن أن تضمن بنسبة 100 بالمئة سلامة السفن، مضيفاً أن الاعتماد عليها لا يعالج المخاطر الأساسية المرتبطة بطبيعة الصراع الدائر.

ويعكس هذا التقييم تحولاً في مقاربة المؤسسات الدولية، التي باتت ترى أن المخاطر التشغيلية في المضيق لم تعد تقنية أو أمنية فقط، بل مرتبطة بشكل وثيق بحسابات الردع السياسي وتوازنات القوة الإقليمية.
كما تشير بيانات شركات التأمين البحري إلى ارتفاع ملحوظ في أقساط التأمين على السفن العابرة للخليج منذ بداية التصعيد، في حين بدأت بعض شركات الشحن بإعادة توجيه مساراتها أو تأجيل رحلاتها، ما أدى إلى زيادة زمن التسليم وارتفاع تكاليف النقل.
قفزة التأمين وتكاليف الشحن
وفق تقديرات شركة “لويدز ليست” المتخصصة في بيانات الملاحة البحرية، فإن تكلفة التأمين على ناقلات النفط في مناطق التوتر قد تتضاعف عدة مرات خلال فترات التصعيد، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والسلع عالميًا، خاصة وأن مضيق هرمز يربط بين الخليج العربي وخليج عمان والمؤدي إلى مياه بحر العرب والمحيط الهندي، ليستحوذ بذلك على الاهتمام الأكبر عالمياً من جهة، ومن جهة أخرى تستفيد إيران إلى أقصى حد من ميزتها الجغرافية.
في هذا السياق، تبرز إيران كفاعل رئيسي يستخدم موقعه الجغرافي ونفوذه الإقليمي كأداة ضغط بالتهديد المباشر بإغلاق المضيق مع أي تصاعد أو مواجهة ما يجبر مشتري الطاقة على التفاوض لضمان العبور الآمن، ويضغط على الولايات المتحدة، حيث تسمح هذه الاستراتيجية لإيران بممارسة ضغط اقتصادي فعال.
وبات الممر نقطة محورية لجميع الأطراف مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، حيث تستخدم إيران الهجمات في الممر المائي لإحداث فوضى غير مسبوقة في تجارة الطاقة رداً على الضربات الأميركية والإسرائيلية، في حين ينظر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى هذا الممر كعامل قد يساعد في معالجة الارتفاع الذي يقارب 45 بالمئة في أسعار النفط.
تحالف متعثر ومخاوف التصعيد
دفعت هذه التطورات الولايات المتحدة إلى محاولة حشد تحالف بحري لتأمين حرية الملاحة، إلا أن الاستجابة الدولية جاءت محدودة، وكان ترامب قد انتقد ما وصفه بتردد بعض الحلفاء في المشاركة، في إشارة إلى تباين الحسابات بين الدول الغربية بشأن مخاطر الانخراط العسكري المباشر، كما يعكس المخاوف من الانزلاق إلى مواجهة أوسع، فضلًا عن الشكوك بشأن فعالية الحلول العسكرية.
في الأثناء، حذّرت “المنظمة البحرية الدولية” من تداعيات إنسانية متزايدة، مشيرة إلى مخاطر نقص الإمدادات الأساسية لطاقم السفن العالقة، داعية شركات الشحن إلى إعادة تقييم المخاطر التشغيلية قبل الإبحار.

ومن المقرر أن يعقد مجلس المنظمة اجتماعاً استثنائياً في لندن لبحث الإجراءات الممكنة، وسط توقعات بأن تركز المناقشات على تعزيز التنسيق الدولي ووضع إرشادات أكثر صرامة للسلامة.
وتعكس هذه التطورات حقيقة أوسع مفادها أن إيران توظف موقعها الجغرافي كورقة ضغط اقتصادية، ليبقى مضيق هرمز في ظل غياب حل دبلوماسي واضح نقطة اختناق استراتيجية، لا تهدد فقط استقرار إمدادات الطاقة العالمية، بل تكشف أيضاً هشاشة النظام التجاري أمام الصدمات الجيوسياسة.
- ما بعد الانسحاب الأميركي.. العراق ولبنان أمام مسار الانتقال من نفوذ الفصائل إلى سيادة الدولة
- قيادي “حوثي” بارز يتولى ملف التحشيد في مأرب والجوف.. من هو؟
- هجوم “حوثي” يستهدف محطة كهرباء في المدينة المنورة
- فيضانات في مخيمات الشمال السوري وسط تحذيرات من تفاقم الأضرار
- خفض وقود السيارات الحكومية 30%.. هل ينقذ الخزينة السورية؟

