في خضم الحرب الدائرة على الأراضي الإيرانية، والتي تدخل أسبوعها الثالث على التوالي، تظهر تداعيات اقتصادية عنيفة تطال دول الجوار، وعلى رأسها العراق الذي وجد نفسه فجأة في قلب العاصفة، يدفع ثمن صراع لم يشعل شرارته الأولى، ولا يملك القدرة على إخماد نيرانه.
فبينما تتجه الأنظار إلى ساحات القتال والمواجهات العسكرية، يعيش العراقيون هذه الأيام أسوأ أزمة نفطية في تاريخهم الحديث، حيث تكشفت هشاشة بنيتهم التحتية وتبعيتهم المطلقة لإيرادات النفط، في مشهد وصف بأنه “الخسارة الأكبر” التي يتكبدها بلد منفرد جراء هذه الحرب.
صادرات متوقفة وحقول تغلق تباعاً
قبل اندلاع المواجهات الأميركية الإسرائيلية من جهة والإيرانية من جهة أخرى في 28 شباط/فبراير الماضي، كان العراق يضخ نحو 4.4 مليون برميل يومياً، يصدر منهم حوالي 3.4 مليون برميل عبر موانئ البصرة الجنوبية، مارين بمضيق هرمز الذي يشكل شريان الحياة للصادرات العراقية المتجهة إلى آسيا، وفي مقدمتها الصين والهند وكوريا الجنوبية.

لكن مع إحكام إيران قبضتها على المضيق، وتصاعد الهجمات على ناقلات النفط قرب السواحل العراقية، وجدت بغداد نفسها أمام واقع مرير، بين صادرات متوقفة بالكامل تقريباً، وحقول نفطية عملاقة بالجنوب مضطرة للإغلاق تباعاً.
وبحسب المتحدث باسم وزارة النفط العراقية عبد الصاحب الحسناوي، كانت البلاد، وهي ثاني أكبر منتج في منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”، من أوائل المنتجين الذين خفضوا إنتاجهم بعد اندلاع الحرب، إذ تراجع الإنتاج إلى نحو 1.2 مليون برميل يومياً من 4.3 مليون برميل سابقاً بسبب امتلاء مرافق التخزين، أي أقل من ثلث مستويات ما قبل الحرب، ما ينذر بأن السوق المحلية نفسها قد تواجه عجزاً في التموين قريباً.
وأشار إلى أن معظم هذا الإنتاج المتبقي يُوجه بالكامل لتشغيل المصافي المحلية ومحطات توليد الكهرباء، في محاولة يائسة لتفادي انهيار كامل للخدمات الأساسي.
ضربة مباشرة لإيرادات الدولة
في الشهر الذي سبق الحرب، كانت صادرات العراق تقدر بنحو 3.3 مليون برميل يومياً، تدر على خزينة الدولة ما بين 6 و8 مليارات دولار شهرياً، وتشكل أكثر من 90 بالمئة من إيرادات الموازنة العامة، لتعد مصدراً أساسياً للعملة الصعبة التي تدعم استقرار الدينار العراقي وتمول استيراد السلع الأساسية .
بينما اليوم، مع توقف التصدير عبر هرمز، وانقطاع الطريق الشمالي بسبب خلافات سياسية مع إقليم كردستان، لم يعد هناك أي تدفق يذكر للنقد الأجنبي إلى بغداد.
وفي السياق تكشف تقديرات وكالة “فيتش سوليوشنز” عن حجم الكارثة الاجتماعية التي تلوح في الأفق، حيث توقعت أن يؤدي أي انقطاع حاد ومطول في إنتاج النفط العراقي إلى الضغط على قدرة الحكومة على دفع رواتب القطاع العام والتي تقدر بنحو 6.5 مليار دولار شهرياً، ما سيؤثر على أكثر من 4.2 مليون موظف، و3 ملايين متقاعد، و3 ملايين مستفيد من برامج الرعاية الاجتماعية.
العراق أكبر ضحايا أزمة هرمز
في هذا الصدد، يؤكد المحلل المتخصص في شؤون الطاقة، بشار الحلبي، عبر منصة “إكس”، أن العراق أصبح اليوم “أكبر ضحية اقتصادية منفردة” لأزمة مضيق هرمز.

ويشرح ذلك بالقول إن دول الخليج المجاورة، مثل السعودية والإمارات، تمتلك مرونة أكبر عبر خطوط أنابيب بديلة أو قدرة على إعادة توجيه الصادرات، كما تملك الكويت وقطر سيولة مالية ضخمة ومخزونات استراتيجية تسمح لها بالصمود لفترة أطول.
وبالنسبة للعراق، فأوضح أن نظامه النفطي بُني بالكامل على افتراض أن التصدير من الجنوب عبر هرمز هو الخيار الوحيد، ولطالما تجاهلت النخب السياسية المتعاقبة أهمية بناء بدائل استراتيجية، سواء عبر خط أنابيب مع الأردن إلى ميناء العقبة، أو عبر تعزيز الربط مع تركيا.
عقدة الخلاف بين بغداد وأربيل
يزيد من تعقيد المشهد، الجمود السياسي المستحكم بين بغداد وأربيل، ففي الوقت الذي تبحث فيه الحكومة الاتحادية عن منفذ بديل، يبرز خط أنابيب كركوك-جيهان التركي كأمل وحيد، بقدرة تقديرية تصل إلى 300 ألف برميل يومياً من الحقول الاتحادية، و200 ألف برميل من الحقول الكردية.
لكن هذا الخط متوقف عن العمل منذ سنوات بسبب نزاعات قانونية وسياسية معقدة، وبينما تعلن بغداد استعدادها لاستئناف الضخ، تشترط حكومة إقليم كردستان رفع “الحصار المالي” الذي تفرضه بغداد عليها، والمتمثل في منع وصول الدولار إلى تجار الإقليم، ووقف تخصيص مستحقات مالية متفق عليها سابقاً.
ويشير الحلبي إلى أن النزاع بين الطرفين تجاوز كونه خلافاً لوجستياً ليصبح ” انهياراً سياسياً كاملاً في خضم أسوأ أزمة طاقة يواجهها العراق منذ عقود”، مضيفًا أن بغداد ربما بالغت في تقدير قوتها التفاوضية خلال الأشهر الماضية، عندما أجلت المخصصات المالية لأربيل ورفضت التفاوض، لتجد نفسها اليوم محاصرة وتطلب المساعدة من الإقليم نفسه، في مشهد يصفه بأنه “دفع الكلفة الاقتصادية لحرب لم تبدأها ولا تستطيع السيطرة عليها”.
هجمات تطال البنية التحتية للطاقة
لا تقتصر الأزمة على الخلافات السياسية، بل تمتد إلى هجمات متواصلة تطال البنية التحتية، ففي محافظة البصرة وحدها، تعرضت حقول ومنشآت نفطية لعدة هجمات بطائرات مسيرة، أحدثت أضراراً مادية في مستودعات تابعة لشركات خدمات لوجستية أجنبية، مما زاد المخاوف الأمنية وأدى إلى تعليق العديد من الشركات الأجنبية عملياتها.

كما أن هجوماً صاروخياً استهدف حقل نفط في منطقة سارسنج بمحافظة دهوك، تابع لشركة “HKH Energy” الأميركية، تسبب في توقف الإنتاج هناك أيضاً، في رسالة واضحة بأن أي منطقة في البلاد ليست بمنأى عن الصواريخ والطائرات المسيرة التي تطلقها الميليشيات الموالية لإيران.
ويؤكد الحلبي أن المفارقة المأساوية في الأزمة الراهنة تكمن في أن ارتفاع أسعار النفط العالمية، الذي عادة ما يكون بشرى سارة للدول المنتجة، لم يعد يعني للعراق شيئا، مستطردًا: “ما الفائدة من وصول سعر البرميل إلى مستويات قياسية إذا كانت الموانئ مغلقة والأنابيب متوقفة؟”.
اقتصاد هش أمام صدمة الحرب
يقول الحلبي إن بغداد التي كانت تشتكي من انخفاض الأسعار دون 70 دولاراً في الأشهر الماضية، تجد نفسها اليوم خارج دائرة الاستفادة من الطفرة السعرية الحالية، مؤكدًا أنها تدفع ثمن هذه الحرب مضاعفاً من خلال ارتفاع تكاليف استيراد المشتقات والسلع الأساسية التي تدخل البلاد عبر منافذ متأثرة بالصراع.
ويختم المحلل بأن المشهد الراهن يجعل الملف النفطي مرآةً لهشاشة التركيبة الاقتصادية والسياسية العراقية، أزمة مفتوحة في الموانئ تُترجم بسرعة إلى أزمة مالية واجتماعية داخلية، بينما تبقى مفاتيح الحل مرتبطة بتسوية سياسية داخلية وتوافق إقليمي يمكّن بغداد من استعادة دفق إيرادات النفط الحيوية.
ويشدد على أنه إذا لم تتوافر هذه المفاتيح سريعاً، فإن العراق سيتحوّل من ضحية فنية لتوقف الشحن إلى ساحة اختبار لمدى قدرة دولةٍ تعتمد ميزانيتها على سلعة واحدة على الصمود أمام صدمة إقليمية متواصلة.
- ممرات السكك الحديدية وتجارة المقايضة: أبعاد الدعم الصيني لإيران وأثره على أمن الخليج
- القبض على متزعم خلية متورطة بقتل 3 عناصر من الأمن السوري.. ما التفاصيل؟
- استعادة مواقع في الوازعية وسط تصاعد معارك غرب تعز
- واشنطن توافق على صفقة F-35 للسعودية بـ24 مليار دولار
- محكمة أميركية: السجن 60 عاماً لمسؤول سجن عدرا السابق

