تُقدم الصين دعماً مفتوحاً ومتعدد الأشكال لإيران، يمتد من تسهيل ممرات الشحن البري وتمرير مبيعات النفط، وصولاً إلى الإمداد بالتكنولوجيا والاستخبارات، مما يُسهم مباشرة في صمود طهران وإطالة أمد الصراع وتوسيع دائرة الحرب بالمنطقة.
وفي الوقت الذي تسعى فيه بكين لاستنزاف واشنطن وإشغالها بعيداً عن شرق آسيا، تتستر خلف خطاب دبلوماسي ناعم يُروج للتهدئة وتأدية دور “راعي السلام”. هذا التناقض الصارخ يُعرّي حقيقة السياسة الصينية التي تكتفي بموقف “المشاهد” تجاه أمن الخليج، مُغلبة حساباتها الاستراتيجية مع طهران على حساب الشراكات الاقتصادية والاستقرار الأمني لدول الخليج العربي.
خطوط السكك الحديدية الصينية تحاول إنقاذ اقتصاد طهران
تزايد الاعتماد على الممرات البرية بين الصين وإيران وسط تصاعد التوتر في الخليج في ظل الحرب الأميركية الإيرانية. تكشف بيانات رسمية صادرة عن مشغل السكك الحديدية في أوزبكستان عن تفعيل ممر نقل بري يربط الصين بإيران عبر دول آسيا الوسطى، لتفادي تداعيات شلل الملاحة البحرية في الخليج العربي نتاج الصراع الأميركي الإيراني.
وفي هذا السياق، غادر قطار شحن مُوحّد يُدعى “القطار المباشر -المكون من 55 عربة حاويات- إقليم شينجيانغ غربي الصين في 7 أيلول/ سبتمبر الجاري، متجهاً إلى كازاخستان، ومنها عبر أوزبكستان وتركمانستان لقطع رحلة تمتد لنحو 6 آلاف كيلومتر بحلول 21 أيلول/ سبتمبر.
ويرى الجانب الأوزبكي، أن هذا المسار يثبت كفاءته كبديل استراتيجي للشحن البحري. ورغم تصريح البيان الرسمي بأن الشحنة تضم “مكونات لعربات ركاب وسلعاً استهلاكية ومواد مجمعة”، إلا أن عدم الإفصاح الكامل عن طبيعة حمولة الحاويات يثير تساؤلات حول احتمالية نقل بضائع ذات استخدام مزدوج أو عسكري تُسهم في دعم طهران في مواجهتها مع القوات الأميركية.
في هذا الصدد يقول الباحث في الشأن الإيراني إسلام المنسي في حديثه مع “الحل نت”، إن الصين ودول آسيا الوسطى تُشكل متنفساً اقتصادياً حيوياً لإيران في مواجهة الحصار البحري المُطوق لها. ورغم أن هذه الممرات البرية قد تُسهم بفاعلية في تبادل البضائع والسلع الأساسية، إلا أنها تظل قاصرة عن تلبية الاحتياجات الاستراتيجية لطهران فيما يتعلق بتصدير النفط، وهو الشريان الأساسي لمعيشة النظام الإيراني.
الطرق البرية عبر آسيا الوسطى تفتقر بحسب المنسي، إلى البنية التحتية المجهزة، كشبكات الأنابيب الضخمة الكفيلة بنقل الكميات المطلوبة. كما أن السعة التخزينية لناقلة نفط بحرية واحدة تعادل حمولة العشرات من القطارات؛ وهو ما يجعل الجهود الصينية غير كافية لإنقاذ الاقتصاد الإيراني، هذا بفرض أن الحمولة الراهنة غامضة التفاصيل كانت محملة بالنفط أساساً.
بدوره، يقول الباحث في “مجموعة الأزمات الدولية” علي واين، إن الصين تُرحّب بفرصة الإيحاء بأنها تساعد على احتواء أزمة تسبّبت بها الولايات المتحدة، خصوصاً مع غياب استراتيجية أميركية متماسكة لاحتواء التداعيات.
تسعى الصين إلى استغلال المواجهة الأميركية مع إيران لتعزيز نفوذها ودورها القيادي على الساحة الدولية؛ ولأجل ذلك، تُمدّ طهران بكافة أشكال الدعم الكفيلة بإطالة أمد صمودها ومنع انهيارها لأطول فترة ممكنة. وإلى جانب ذلك، تُبدي الصين رفضاً قاطعاً لأي قرارات دولية تسعى إلى فرض العزلة على إيران، وذلك في إطار سياستها القائمة على تقديم الدعم المتواصل لطهران وحماية حضورها على الساحة الدولية.
أبعاد الدعم الصيني لإيران في مواجهة واشنطن
تبذل الصين جهداً كبيراً لدعم إيران ومساعدتها في إطالة أمد الحرب، لأنها لا تراها مجرد شريك تجاري، بل حليفاً أساسياً في مواجهة النفوذ الأميركي. وتعتبر بكين منطقة الشرق الأوسط ساحة مهمة لمنافسة واشنطن، حيث تمنحها علاقتها القوية بإيران نفوذاً سياسياً يتيح لها التأثير في المنطقة وإرباك الخطط الأميركية.
تقرير استقصائي لـ “رويترز” نُشر في 10 أيلول/ سبتمبر الحالي، أفاد بوجود مؤشرات على توجه صيني لدعم إيران بنمط يشبه دعمها لروسيا، وذلك من خلال التنسيق بين مسؤولين من الطرفين لتأسيس نظام مقايضة يُلتف به على العقوبات. ويهدف النظام إلى تسهيل تدفق صادرات النفط الإيراني مقابل الحصول على منتجات صينية متنوعة تتضمن الأدوية والمراكب والمعدات العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي، بتجارة تُقدّر قيمتها الإجمالية بين مليارين ونصف المليار دولار.
في هذا السياق، يرى المنسي، أن دعم الصين لإيران في حربها مع الولايات المتحدة يتحرك من منطلق حرص الصين على مصالحها في الشرق الأوسط، قائلاً: “تتقاطع مصالح الصين مع إيران في خطة أكبر تهدف إلى إضعاف السيطرة الأميركية في العالم”.
ولا تفكر الصين في خوض حرب مباشرة من أجل إيران، بل تدعمها -وفق المنسي- بحسابات ذكية تعتمد على إشغال أميركا واستنزاف طاقتها في الشرق الأوسط، والهدف الأساسي للصين هو تشتيت القوات الأميركية؛ إذ ترى بكين أن تورط واشنطن في صراع طويل مع إيران يُجبرها على نقل أسلحتها وجنودها إلى منطقة الخليج العربي.
هذا التحول يخفف الضغط العسكري الأميركي عن الصين في منطقتها المحيطة بها (شرق آسيا)، ويستهلك ميزانية الجيش الأميركي وذخائره، مما يضعف قدرة أميركا على الدفاع عن تايوان إذا قررت الصين التحرك ضدها. هذا من جانب، ومن جانب آخر يضمن استمرار النظام الإيراني حصول الصين على النفط والغاز بأسعار رخيصة وبشكل مستمر لتشغيل مصانعها. حيث تعتمد الدولتان على نظام “المقايضة” والتعامل بالعملات المحلية لشراء الطاقة، مما يسمح لهما بالابتعاد عن الدولار الأميركي وتجنب العقوبات الغربية.
كما أن الصين تخشي أن يؤدي سقوط النظام الإيراني أو خضوعه لأميركا إلى سيطرة واشنطن على منابع النفط في الشرق الأوسط، وهو ما تحاول بكين منعه لضمان أمنها الغذائي والصناعي من الطاقة.
ولا يقتصر دعم الصين على الجوانب الاقتصادية فحسب، فقد أشارت تقارير أميركية في السنوات الأخيرة، إلى حصول إيران على بعض التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، بما في ذلك بعض التقنيات المستخدمة في برامجها للطائرات بدون طيار والصواريخ، من خلال شركات وشبكات تجارية مرتبطة بالصين.
ويؤكد المنسي، أن الدعم الصيني والروسي لإيران يقوم على مسارين متوازيين: مسار علني يركز على التصريحات الدبلوماسية الداعية للتهدئة بكسب التأييد الدولي والظهور بمظهر الراعي للسلام، ومسار خفي يرتكز على تقديم الدعم المالي والتقني وتزويد طهران بمعلومات استخباراتية دقيقة تعجز عن جمعها بمفردها. ومن خلال هذا الازدواج، تدير كل من بكين وموسكو سياساتهما وفقاً لقواعدهما الخاصة وطموحاتهما التوسعية.
الصين تتلاعب بأمن الخليج تحت ستار التهدئة؟
مديرة برنامج الصين في مركز “ستيمسون” البحثي في واشنطن، سون يون، قالت إن “الحرب مع إيران هي أولوية لجميع الدول داخل المنطقة وخارجها. وهي فرصة لن تفوّتها الصين لإظهار قيادتها ومبادرتها الدبلوماسية”، بينما وصف الدبلوماسي الأميركي السابق داني راسل، التحركات الصينية بأنها “استعراضية“.
تكمن الخطورة الكبيرة للدعم الصيني لإيران في كونه يُغذي بؤر التوتر ويُضاعف مستويات القلق لدى الدول العربية، وتحديداً دول مجلس التعاون الخليجي؛ إذ أن تقوية القدرات الإيرانية لا تُترجم عملياً إلا إلى مزيد من التهديدات والأخطار المباشرة التي تستهدف أمن المنطقة واستقرارها، مما يضاعف الاستنزاف الاقتصادي الحاد الذي تعاني منه هذه الدول منذ بدء النزاع الأميركي الإيراني.
وهنا تتجلى الفجوة في الطرح الصيني؛ فبينما تُروج بكين لتبنيها سياسة متوازنة ومحايدة بين طهران والعواصم الخليجية، تتناقض أفعالها ميدانياً مع هذا الادعاء؛ إذ كيف يستقيم مفهوم “التوازن” مع تزويد طرف بالغطاء والتكنولوجيا والسلاح ليتغول ويُوجه ضرباته وهجماته إلى الطرف الآخر؟ إن هذا التناقض الصارخ يُسقط شعارات الحياد ويجعل الاستراتيجية الصينية جزءاً من أزمة المنطقة لا حلاً لها.
وتجسد السياسة الصينية ازدواجية واضحة في التعامل مع ملفات المنطقة؛ فبينما تحظى إيران بدعم شامل وملموس على مختلف المستويات، لا تتلقى دول الخليج من بيكين سوى دعوات ناعمة وتصريحات متكررة تدعو للتهدئة. وبذلك، تكتفي الصين بموقف “المشاهد” تجاه أمن شركائها الخليجيين الذين تربطها بهم تبادلات تجارية واستثمارية ضخمة، مما ينطوي على مفارقة صريحة: تغليب الدعم الاستراتيجي لإيران على حساب المصالح والشراكات الاقتصادية الخليجية، والتستر خلف شعارات التفاوض الهشة والوساطات الشكلية.
وعليه، فإن تغطية الصين لاقتصاد طهران عبر المقايضة والممرات البرية، بالتوازي مع التمويه الاستخباري والدعم العسكري الروسي، يُمد النظام الإيراني بمقومات الحياة مما يؤدي إلي إطالة أمد الحرب ويهدد باتساع نطاقها. هذا الدعم المزدوج يُقوّض فرص التوصل إلى أي اتفاق سلام، إذ يُشجع طهران على التعنت ويحوّل أمن الخليج إلى ورقة مساومة في صراع “القوى الكبرى” ضد واشنطن.
- ممرات السكك الحديدية وتجارة المقايضة: أبعاد الدعم الصيني لإيران وأثره على أمن الخليج
- القبض على متزعم خلية متورطة بقتل 3 عناصر من الأمن السوري.. ما التفاصيل؟
- استعادة مواقع في الوازعية وسط تصاعد معارك غرب تعز
- واشنطن توافق على صفقة F-35 للسعودية بـ24 مليار دولار
- محكمة أميركية: السجن 60 عاماً لمسؤول سجن عدرا السابق

