بدأت، يوم الاثنين 16 آذار/مارس 2026، في باريس محاكمة غيابية للمتطرف الفرنسي صبري السّيد (42 عاماً)، المعروف أيضاً باسم “أبو دجانة الفرنسي”، والمتهم بالمشاركة في الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم “داعش” بحق الأقلية الإيزيدية في العراق وسوريا.
وتعد هذه القضية الأولى من نوعها أمام القضاء الفرنسي المتعلقة بجرائم الإبادة التي استهدفت الإيزيديين، كما أنها المرة الأولى التي يُحاكم فيها مواطن فرنسي بتهمة الإبادة الجماعية على خلفية هذه الجرائم.
لا أدلة على وفاته
وتُعقد المحاكمة أمام محكمة الجنايات في باريس في الفترة الممتدة بين 16 و20 آذار/مارس 2026، حيث يواجه صبري السّيد تهماً بالإبادة الجماعية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية والتواطؤ فيها، على خلفية أفعال يُزعم ارتكابها بين آب/أغسطس 2014 وعام 2016 ضد نساء وأطفال إيزيديين في سوريا.
ويُحاكم المتهم غيابياً، إذ يُعتقد أنه قُتل في سوريا عام 2018 في ظروف غامضة، غير أنه لا توجد أدلة قاطعة تثبت وفاته. وبحسب القانون الفرنسي، يمكن إجراء محاكمة غيابية في مثل هذه الحالات، وهو إجراء يُستخدم كثيراً في قضايا الإرهاب، خصوصاً أن بعض مقاتلي تنظيم “داعش” الذين اعتُقد سابقاً أنهم قُتلوا ظهروا لاحقاً على قيد الحياة.

ويُحاكم السّيد أمام محكمة تتألف من ثلاثة قضاة دون هيئة محلفين، في إجراء يهدف إلى ضمان استمرار ملاحقة المتهمين بارتكاب الجرائم الدولية حتى في حال غيابهم. ويُعد صبري السّيد من الشخصيات البارزة في الحركة الجهادية الفرنسية، وقد انضم إلى تنظيم “داعش” في سوريا عام 2014.
كما كان على صلة بعدد من الجهاديين الفرنسيين، إذ يُعد قريباً من “الأخوين كلان” اللذين تبنيا هجمات باريس في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، كما ارتبط اسمه بمحمد مراح الذي نفذ هجوماً دامياً في مدينة تولوز عام 2012. وكان السّيد قد أُدين في فرنسا عام 2009 بالسجن خمس سنوات بتهمة التآمر الإرهابي.
اتهامات بالإبادة وجرائم ضد الإنسانية
ويشير قضاة التحقيق إلى أن المتهم شارك بشكل مباشر في سياسة تنظيم “داعش” الرامية إلى استعباد الإيزيديين ضمن حملة ممنهجة استهدفت هذه الأقلية الدينية. وتشمل الاتهامات الموجهة إليه إلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم يرقى إلى جريمة الإبادة الجماعية، إضافة إلى ارتكاب أفعال استعباد واحتجاز وتعذيب واغتصاب واضطهاد وغيرها من الأفعال اللاإنسانية التي تصنف ضمن الجرائم ضد الإنسانية.
وبحسب التحقيقات، شارك السّيد في احتجاز نساء وأطفال إيزيديين وإجبارهم على العمل القسري، كما تورط في استعباد النساء جنسياً وارتكاب عمليات اغتصاب متكررة وحرمان الضحايا من الطعام والماء. كما ظهر في مقطع فيديو دعائي لتنظيم “داعش” عام 2015 وهو يحث ابن زوجته البالغ من العمر 12 عاماً على قتل رهينة فلسطيني، في مشهد أثار صدمة واسعة وأصبح أحد الأدلة التي استندت إليها التحقيقات القضائية.

سنوات من التحقيق
تستند هذه القضية إلى تحقيقات طويلة بدأت في كانون الأول/ديسمبر 2016 عندما فتح الادعاء العام الفرنسي تحقيقاً تمهيدياً عُرف باسم “التحقيق الهيكلي”. وكان الهدف من هذا التحقيق توثيق الجرائم التي ارتكبها مقاتلو تنظيم “داعش” بحق الإيزيديين وغيرهم من الأقليات العرقية والدينية، إضافة إلى تحديد أي مشتبه بهم يحملون الجنسية الفرنسية.
وفي عام 2017، نفذ الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (FIDH) ومنظمة (كنيات) مهمة توثيق ميدانية في العراق لجمع شهادات ناجين إيزيديين، قبل أن تنشرا تقريراً بعنوان “الجرائم الجنسية والقائمة على النوع الاجتماعي ضد المجتمع الإيزيدي: دور المقاتلين الأجانب في تنظيم داعش”. واستناداً إلى المعلومات التي جمعتها المنظمتان، إضافة إلى شهادات ناجين، تمكنت السلطات الفرنسية في عام 2019 من تحديد هوية صبري السّيد وفتح تحقيق قضائي بحقه.
وخلال التحقيق الذي استمر خمس سنوات، حددت السلطات خمس ناجيات إيزيديات وأطفالهن كضحايا مباشرِين للمتهم. وفي 8 تشرين الأول/أكتوبر 2024 قرر قضاة التحقيق إحالة السّيد إلى المحاكمة أمام محكمة الجنايات في باريس، بعد جمع الأدلة والشهادات التي اعتُبرت كافية لبدء إجراءات المحاكمة.
الناجيات يحضرن المحاكمة
يشارك في المحاكمة بصفة أطراف مدنية كل من الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (FIDH)، ومنظمة كنيات، والمؤسسة الأيزيدية الحرة (FYF)، ومنظمة يزدا، والرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان (LDH)، إلى جانب ثلاث ناجيات إيزيديات وأطفالهن. ومن المتوقع أن تدلي اثنتان من الناجيات بشهادتيهما أمام المحكمة، في خطوة يعتبرها المدافعون عن حقوق الإنسان فرصة مهمة لإسماع أصوات الضحايا وكشف طبيعة الجرائم المرتكبة.
وقالت المحامية كليمانس بكتارت، التي تمثل النساء وأطفالهن وتعمل منسقة لفريق التقاضي في الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، إن هذه المحاكمة تمثل “ثمرة شجاعة وإصرار الناجيات الإيزيديات اللواتي ناضلن من أجل الاعتراف بالإبادة الجماعية التي تعرضن لها وضمان مساءلة مرتكبيها أمام العدالة”، مضيفة أنها ستتيح أيضاً “قراءة مختلفة للجرائم المرتكبة من قبل تنظيم الدولة الإسلامية”.

من جانبه قال بهزاد فرحان، رئيس منظمة كنيات، إن القضية تمثل نضالاً من أجل كرامة وعدالة المجتمع الإيزيدي بأسره، إلى جانب كونها تتعلق بالمعاناة الفردية للناجيات المشاركات في المحاكمة. وأضاف أن هذه القضية تذكّر المجتمع الدولي بالمأساة التي تعرض لها الإيزيديون، في وقت لا يزال مصير نحو 2500 مختطف مجهولاً.
بدورها قالت پري إبراهيم، المديرة التنفيذية للمؤسسة الإيزيدية الحرة، إن المحاكمة توفر فرصة فريدة لسماع أصوات الناجيات وكشف نطاق الجرائم الجنسية التي ارتكبها مقاتلو تنظيم “داعش” وطابعها الممنهج. كما اعتبرت ناتيا نافروزوف، المديرة التنفيذية لمنظمة يزدا، أن القضية تمثل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة للمجتمع الإيزيدي وتعكس تزايد انخراط فرنسا في ملاحقة الجرائم الدولية لتنظيم “داعش”.
وقال باتريك بودوان، محامي الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان، إن غياب دليل حاسم على وفاة المتهم يجيز قانوناً إجراء محاكمة غيابية، وهو إجراء شائع في قضايا الإرهاب، خاصة أن بعض مقاتلي التنظيم الذين اعتُقد أنهم قُتلوا ظهروا لاحقاً على قيد الحياة.
“أبو دجانة الفرنسي”
ويعد صبري السيد، الملقب بـ“أبو دجانة”، واحداً من أبرز “الجهاديين” الفرنسيين، وهو أحد قادة خلية “تولوز”، إحدى أبرز الخلايا الجهادية في فرنسا وأوروبا. وقد برز اسم السيد داخل الأوساط الجهادية الفرنسية منذ منتصف العقد الأول من الألفية، مع انخراطه المبكر في شبكات متطرفة سعت إلى الالتحاق بساحات القتال في الشرق الأوسط.

وانضم صبري السيد لأول مرة إلى مسرح العمليات عام 2006 بهدف محاربة القوات الأمريكية في العراق، وتوجه حينها إلى سوريا حيث التقى توماس بارنوين (36 عاماً)، وهو عضو بارز آخر في خلية تولوز. وأقام الرجلان في السر مع مجموعة من المتطرفين السوريين والسعوديين في مدينة حماة السورية، غير أن جيش النظام السوري ألقى القبض عليهما في العام نفسه أثناء محاولتهما العبور إلى العراق للقتال ضد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة.
وقامت دمشق بتسليمهما في عام 2007 إلى السلطات الفرنسية، التي حكمت عليهما عام 2009 بالسجن لمدة خمس سنوات، بينها سنة مع وقف التنفيذ. وبعد إطلاق سراحهما غادرا مجدداً إلى مسرح العمليات في سوريا في بدايات عام 2014، لينضما هذه المرة رسمياً إلى صفوف تنظيم “الدولة الإسلامية”.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2018 أفادت مصادر أمنية فرنسية باعتقال توماس بارنوين في منتصف الشهر نفسه بمدينة الحسكة من قبل وحدات حماية الشعب الكردية، وكان برفقة جهاديين فرنسيين آخرين هما رومان غارنييه وتوما كولانج.
وفي تلك الفترة تضاربت الروايات حول مصير صبري السيد، إذ تحدثت “صحيفة ليبراسيون”، نقلاً عن مصادر استخباراتية فرنسية عن إعدامه في سوريا، في حين ادعت مجلة مقربة من تنظيم “الدولة الإسلامية” أن الجهادي الفرنسي توفي بعد أن داسَ على لغم أرضي. غير أن أياً من هذه الروايات لم يُدعّم بأدلة قاطعة، ولا يزال مصيره مجهولاً حتى اليوم. وكذلك حقيقة مقتله من عدمها.
جذور المحاكمة

وتعود جذور هذه القضية إلى الهجوم الذي شنه تنظيم “داعش” في آب/أغسطس 2014 على منطقة سنجار، موطن المجتمع الإيزيدي في شمال العراق، والذي أجبر مئات الآلاف من السكان على الفرار.
وقد لجأ ما بين 70 ألفاً و80 ألف إيزيدي إلى جبال سنجار حيث حوصروا لعدة أيام، فيما توفي أكثر من 1700 شخص بسبب الجوع والعطش والإصابات غير المعالجة، وكان 93 في المئة منهم من الأطفال. وشكّل ذلك الهجوم بداية حملة إبادة جماعية اتسمت بعمليات قتل واسعة النطاق، وإجبار السكان على تغيير الدين، وارتكاب أعمال عنف جنسي بحق النساء، واستعباد النساء والأطفال ضمن سياسة ممنهجة خطط لها تنظيم “داعش” ونشرها علناً.
وتأتي هذه المحاكمة في سياق جهود دولية متزايدة لمحاسبة مرتكبي الجرائم ضد الإيزيديين، بعد أن شهدت ألمانيا محاكمة مماثلة انتهت في عام 2021 بالحكم بالسجن المؤبد على العراقي طه الجميلي لإدانته بارتكاب جرائم بحق الإيزيديين.
ومن المتوقع أيضاً أن تشهد فرنسا محاكمتين أخريين عام 2027 تتعلقان بجرائم مماثلة، إحداهما ضد “عبد الناصر بن يوسف” المعروف بلقب “أمير” في تنظيم “داعش”، والأخرى ضد شريكته السابقة “سونيا مجري”، بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية.
وكانت السلطات الفرنسية أعلنت في 2018, أن نحو 1700 مواطن فرنسي توجهوا إلى مناطق القتال في سوريا والعراق بدءاً من عام 2014، وذلك بعد انضمامهم إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

