مع تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى بعد مقتل والده علي خامنئي في ضربات استهدفت إيران، تتجه الأنظار نحو مستقبل سياسات النظام الإيراني، حيث لا يمكن فهم تنصيب مجتبى بمعزل عن الانقسام الهيكلي الذي تركه خامنئي الأب، وعن شبكة المصالح التي تتشابك بين النخبة الحاكمة و”الحرس الثوري” الإيراني والمؤسسات الاقتصادية الضخمة المرتبطة بالمرشد.
فخامنئي الابن، وفق تقارير صحفية، يدير شبكة مالية هائلة تقدر بمليارات الدولارات، لكنه يفتقر تماماً للقبول الشعبي أو الكاريزما القيادية حيث إن اختيار قد جاء بالكلية بالتوافق مع “الحرس الثوري” الذي يهيمن على الحكم ويتوسع نفوذه، ما يجعله، بحسب محللين، أداة تنفيذية لسياسات “الحرس”، التي تتداعى تحت تأثير الضربات الخارجية والاضطرابات الداخلية.
ويُنظر إلى مجتبى كحامل لإرث من الانتقام. هذه النزعة الانتقامية التي من الممكن أن تترجم عبر وكلاء إيران الإقليميين، خاصة في العراق ولبنان، حيث تمتد أذرع إيران. ومن ثم، تتفاقم عمليات التصعيد الإقليمية وتوسيع نطاق الصراع من خلال شبكات “الحرس” في مناطق نفوذها التي تبعث من خلال بتهديدات ضد المصالح الأميركية والغربية.
النزعة الانتقامية ودور “الحرس الثوري”
صعود مجتبى خامنئي إلى مركز المرشد الأعلى لـ”الجمهورية الإسلامية” لم يكن مجرد انتقال وراثي هادئ، بل جاء وسط صراع داخلي معقد بين مؤسسات النظام الإيراني، وتحديداً بين ما تبقى من المؤسسة الدينية المتنفذة و”الحرس الثوري” الذي عزز نفوذه بشكل كبير في الحرب الجارية والضربات التي استهدفت قيادات النظام.

فيما تكشف تقارير عن مصادر إيرانية وغربية أن “الحرس الثوري” ضغط على “مجلس خبراء القيادة” الإيرانية لتسريع تعيين مجتبى مرشداً أعلى، متجاوزاً رفض كبار الشخصيات الدينية والسياسية لفكرة توريث السلطة.
ويرى معارضون إيرانيون أن تنصيب مجتبى خلفاً لوالده، وسط هذه الشبكة المعقدة، حوّل “ولاية الفقيه” رسمياً إلى ما يشبه “ملكية استبدادية وراثية” بعباءة دينية، ما أسقط آخر ورقة عن ادعاءات النظام بالشرعية “الثورية” أو “الدينية”.
وكشف “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية” في مؤتمر صحفي خص به “الحل نت” أن تعيينه واجه مقاومة غير مسبوقة داخل “مجلس الخبراء”، حيث حصل مجتبى على تأييد 44 عضواً فقط من أصل 88، وامتناع نسبة كبيرة من الأعضاء عن التصويت، ما يعكس الانقسامات الحادة في أعلى هرم السلطة.
ويفهم من ذلك أن “الحرس الثوري” رأى في مجتبى الخيار الأنسب لضمان استمرار نفوذ الأجهزة الأمنية داخل بنية القرار في النظام، ما يجعل من مجتبى أداة تنفيذية لسياسات “الحرس ” التي لم تخف نزعتها الانتقامية عبر معرفاتها الرسمية.
تصعيد أذرع طهران في العراق ولبنان
تمتد أذرع إيران في العراق ولبنان واليمن، بعد خسارتها لذراعها في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد 2024، لتشكل شبكة نفوذ مرتبطة مباشرة بالمرشد و”الحرس الثوري”.
في لبنان، انخرط إلى أن “حزب الله” في عمليات عسكرية رداً على مقتل المرشد الأعلى السابق، ما دفع نحو 800 ألف شخص على النزوح من جنوبي لبنان وفق لأرقام “الأمم المتحدة”.
أما في العراق، فقد أبدت فصائل مسلحة رفضاً للامتثال لقرارات الدولة العراقية، ما يؤكد محدودية السيطرة المركزية وتعقيد العلاقة بين وكلاء إيران المحليين والقرار الإيراني.
وفي هذا السياق، يقول صلاح الأحوازي، محلل إيراني، لـ “الحل نت”: “عندما تشعر إيران أن المعركة أصبحت وجودية، فإنها لا تتعامل معها كصراع عادي يمكن احتواؤه، بل كتهديد لبقاء النظام نفسه، فتتحول كل أدواتها الخارجية إلى وسائل هجومية ودفاعية متقدمة”.
ومن جانبه، يرى مهدي عقبائي، معارض إيراني، أن النظام يستخدم هذه الساحات “لترميم وسائل ردعه” التي يتم تقويضها، مشيراً إلى أن الآلة العسكرية لـ”الحرس الثوري” تلقت ضربات قاسية نتيجة الحرب المستمرة.
ويضيف لـ”الحل نت” أن ما يجري “ليس مجرد رد فعل انتقامي شخصي، بل نتاج عقيدة بقاء يسعى من خلالها (الحرس الثوري) إلى تصدير أزماته إلى الخارج لتفادي الانفجار الداخلي”.
وفي السياق، يشير الأحوازي إلى أن العراق ولبنان لا يمثلان فقط مناطق نفوذ لإيران، بل “خط دفاع وهجوم خارج حدودها”، مع حرص طهران على إبقاء التصعيد تحت سقف معين لتجنب فقدان نفوذها بالكامل.
ويقول: “القرارات في إيران كلها تبنى على أساس مصلحة النظام وهي تبنى على أساس رؤية المرشد الأعلى، ومن يقترب منه ويوثر عليه هو من يقرر في إيران سواء داخلياً أو خارجياً.
الشعوب ستدفع الثمن
في المحصلة، تبدو شعوب العراق ولبنان في صدارة من سيدفع ثمن سياسات إيران العدائية بالمنطقة. ففي لبنان، يظهر نموذج “حزب الله” كيف تتحول صراعات النظام الإيراني إلى حروب تنتج نزوحاً ودماراً.
وفي العراق، تعكس هشاشة العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة خطر الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة، مع تراجع قدرة الحكومة على ضبط السلاح خارج إطارها، وبالتالي فإن تكلفة الانخراط في هذه الحرب خدمة لمصالح إيران الأمنية والعسكرية والسياسية ستكون كبيرة على مؤسسات العراق والشعب العراقي، سواء من خلال امتداد الاستهدافات العسكرية إلى منازل الناس الآمنين في بيوتهم، أو عبر زيادة العزلة الدولية نتيجة فرض الغرب عقوبات على ميليشيات طهران، مثل “الحشد الشعبي” الذي يُعد جزءًا من مؤسسات الحكومة العراقية.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الهيكلية الحالية للنظام الإيراني، التي تجمع بين مجتبى و”الحرس الثوري”، تميل إلى تصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج لتخفيف الضغط الداخلي، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار المنطقة.
وعليه لا تبدو سياسات مجتبى مجرد رد فعل على مقتل والده، بل امتداداً لاستراتيجية قائمة على تثبيت النفوذ عبر أدوات عسكرية وأمنية تضمن استحقاقات النخبة الحاكمة في السلطة، وهي استراتيجية قد تتطلب من الشعوب المنطقة التضحية بأمنها واستقرارها كجزء من سياسية طهران المستمرة بعد خامنئي الأب.
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
- النفط الخليجي يقترب من مستويات ما قبل الحرب.. هل نجح الحصار في خنق إيران؟
- ثاني استهداف خلال أسابيع.. تفجير خط غاز الجبسة يوقف الإمدادات إلى محطات التوليد
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا

