بلافتات تحمل عبارات: “نحن لسنا مخربين ولسنا دعاة شغب، نحن نطالب بالعيش الكريم”، وأخرى تقول “وجعلنا من الماء كل شيء حي” شهد ريف دمشق، احتجاجاتٍ لمزارعين وأصحاب حفارات، رداً على مصادرة حفارات الآبار وسياسات مائية حكومية تقيد مصادر رزقهم وتدفع بالقطاع الزراعي نحو مزيد من التراجع.
وأتت الاحتجاجات وسط غياب بدائل واقعية للري أو دعم يخفف من آثار الأزمة. وذلك يوم الأحد 29 آذار/مارس الماضي.
فك احتجاز الحفارات
تجمع العشرات من أصحاب الحفارات والمزارعين في وقفة احتجاجية أمام مبنى الهيئة العامة للموارد المائية في حرستا بريف دمشق، رافعين شعارات تطالب بفك احتجاز الحفارات المصادرة منهم والسماح لها بالعمل، ومنددين بالقيود التي تعرقل بشكل مباشر قدرتهم على كسب رزقهم وإعالة أسرهم.

واشتكى المحتجون من مصادرة الحفارات بشكل مفاجئ، بما في ذلك أثناء العمل أو حتى عند وجودها داخل المزارع، ما حرم العديد منهم من مصدر رزقهم الوحيد، مطالبين بفك احتجاز جميع الحفارات، بما في ذلك تلك المحتجزة منذ سنوات طويلة، والتي بقيت خارج الخدمة حتى تآكلت رغم الحاجة الملحّة لها.
وأشاروا إلى أن عدداً كبيراً من الآبار تعرّض للتخريب خلال سنوات الحرب، سواء بردمها أو إلقاء مخلفات داخلها، ما جعل إعادة تأهيلها مرهونة بوجود حفارات قادرة على إصلاحها أو إعادة حفرها، مؤكدين أن منع الحفر أو تقييده يحول دون استعادة هذه الآبار ووضعها في الخدمة، بحسب مانقلت صحيفة “عنب بلدي”.
كما لفتوا إلى أن أعمال الحفر التي يقومون بها تتركز في أعماق محدودة، معتبرين أنها لا تشكل تهديداً مباشراً للمخزون الجوفي، في وقت لا تزال فيه بعض المصادر المائية السطحية متوافرة، وهو ما دفعهم للتشكيك في مبررات المصادرة القائمة على حماية المياه. بحسب المصدر ذاته.
وأكد المحتجون أن هذه الإجراءات تقوض قدرتهم على تأمين مصادر ري بديلة، وتترك محاصيلهم عرضة للجفاف والخسارة.، وتدفع كثيرين منهم إلى البقاء دون مصدر دخل، مع ما يعنيه ذلك من عجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية لأسرهم.
الإنتاج الزراعي مهدد

وطالب المحتجون برفع القيود المفروضة على حفر الآبار، وتسهيل إجراءات الترخيص، معتبرين أن هذه الخطوات تمثل الحد الأدنى المطلوب لتمكينهم من إنقاذ ما تبقى من محاصيلهم واستعادة قدرتهم على العمل، في ظل غياب أي بدائل عملية ومستدامة لمصادر المياه.
وأشاروا إلى أن استمرار هذه السياسات، دون تقديم حلول موازية، لا يهدد الإنتاج الزراعي فقط، بل يدفعهم تدريجياً إلى ترك أراضيهم والتخلي عن أعمالهم التي تشكل مصدر رزقهم الوحيد.
وتترافق هذه الضغوط مع الارتفاع المستمر في تكاليف الإنتاج الزراعي، ولا سيما أسعار المحروقات، ما يزيد من صعوبة تشغيل المعدات والحفارات، ويضع المزارعين أمام أعباء مالية تفوق قدرتهم، ويقربهم أكثر من خسارة مواسم زراعية كاملة.
وشدد المحتجون على أن تجاهل هذه المطالب، والاستمرار في فرض القيود ذاتها، سيؤدي لتراجع الإنتاج، وسيعمّق من معاناتهم المعيشية، في وقت بات فيه كثير منهم يكافح للبقاء في العمل بالزراعة.
حملة مصادرات
تزامنت هذه الاحتجاجات مع حملات متزايدة تنفذها الضابطة المائية في محافظات حماة ودرعا وريف دمشق، صادرت خلالها عشرات الحفارات تحت ذريعة “الحفر العشوائي غير المرخص”، في نهج يركز على المنع والعقاب بدل معالجة جذور الأزمة أو مراعاة الظروف المعيشية للمزارعين الذين يعتمدون على هذه المعدات كمصدر دخل أساسي.
ففي حماة، أعلنت مديرية الموارد المائية حجز حفارتين في ريف حماة الجنوبي ومنطقة سلمية، مع تنظيم الضبوط اللازمة وإيداعهما في حرم المديرية، وفق ما نشرته عبر حسابها الرسمي.
أما في درعا، فصرح مدير الموارد المائية، هاني عبد الله، لوكالة سانا، أن عدد الحفارات المصادرة بلغ 48 حفارة، مبرراً هذه الإجراءات بضرورة حماية المياه الجوفية من الاستنزاف، في ظل انخفاض الهطولات المطرية إلى نحو 95% من المعدل العام
ورأى عبد الله أن الحفاظ على الموارد المائية يتطلب توعية المزارعين ب”عدم التوسع غير المدروس في الزراعة، والتوجه نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه”، مشيراً إلى أهمية “التوسع في مشاريع معالجة مياه الصرف الصحي لتأمين مصادر بديلة للري” كحل للمشكلة.
كما أكد أن على المزارعين تنظيم العملية الزراعية بما يتلاءم مع كميات المياه المتوافرة، سواء من الهطولات المطرية أم من المصادر السطحية كالأودية والسدود وخزانات التجميع. بحسب سانا.

حلول منفصلة عن الواقع
غير أن هذه التبريرات والمقترحات الرسمية، رغم وجاهتها النظرية، تتجاهل واقع المزارعين الذين يجدون أنفسهم فجأة دون أدوات عملهم، ودون أي بدائل تمكنهم من الاستمرار، ما يحول هذه السياسات إلى عامل ضغط مباشر على سبل عيشهم بدل أن تكون وسيلة لحماية الموارد.
ويزداد الجدل مع طرح مقترحات رسمية تدعو المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التحول إلى محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، وهي توصيات يرفضها كثير من المزارعين باعتبارها منفصلة عن واقعهم، إذ تتطلب إمكانات مالية وتقنية لا يملكونها، ما يعني عملياً مطالبتهم بتحمل كلفة الأزمة بمفردهم، دون توفير دعم تقني أو مالي يمكّنهم من تنفيذ هذه التحولات.
كما أن الطرح المتكرر للتوسع في استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة كمصدر بديل للري، يبقى في إطار الحلول النظرية، في ظل محدودية هذه المشاريع على الأرض، ما يعزز الانطباع بأن السياسات الحكومية تفتقر إلى التوازن بين حماية الموارد وضمان استمرارية الإنتاج الزراعي، ويكرس الانفصال بين السياسات المعلنة والواقع السوري. تاركاً المزارعين بمواجهة الأزمات الزراعية دون أي دعم فعلي.

مسار محتوم
تعكس هذه التطورات مساراً متسارعاً من التراجع في القطاع الزراعي، حيث تتداخل أزمة المياه مع تضرر البنية التحتية وارتفاع كلفة التشغيل، لتضع المزارعين أمام بيئة إنتاج شبه مستحيلة. وفي ظل القيود المفروضة على حفر الآبار، تتقلص الخيارات المتاحة أمامهم تدريجياً، دون أن يقابل ذلك أي تدخل فعّال يخفف من حدة الاختناق الذي يواجهونه.
ومع استمرار ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف التشغيل، يتجه جزء متزايد من المزارعين إلى تقليص نشاطهم أو الخروج الكامل من العملية الإنتاجية، بعدما بات تشغيلها يتطلب كلفة تفوق العائد منها، في مؤشر لا يهدد المواسم الزراعية فحسب، بل يمتد ليطال استقرار مصادر الدخل في الأرياف.
بالمحصلة، تترك هذه السياسات المزارعين أمام مسار واحد يتفرّع إلى نهايتين: إما مغادرة الأرض، أو البقاء فيها حتى تستنزفهم الخسائر، دون أفق يعدهم بالبقاء فيها مستقبلاً.
- المرافئ السورية تستعيد نشاطها.. فهل تعود إلى ما قبل الحرب؟
- أزمة عقود المعلمين تتجدد من اللاذقية وسط مطالب بالتثبيت والاستقرار الوظيفي
- باريس تحاكم سورياً متهماً بالانتماء إلى “داعش” وخطف صحفيين فرنسيين
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟

