في أعقاب التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن خيبة أمله من أداء جماعات المعارضة الكردية، انطلقت موجة من التحليلات حول مستقبل علاقات واشنطن مع حلفائها الإقليميين. ويرى التقرير التحليلي لصحيفة “جيروزالم بوست”، من منظور نقدي لتصريحات ترامب، أن النهج الحالي للبيت الأبيض لا يتجاهل فقط التضحيات التاريخية للأكراد، بل يكشف أيضاً عن غياب فهم عميق لتعقيدات الجغرافيا السياسية على الحدود بين إيران والعراق. وتؤكد “جيروزالم بوست” في هذا التحليل أن اتهام الأكراد بالمادية بعيد كل البعد عن الحقائق القائمة في معسكراتهم القتالية.
نقد النظرة الصفقاتية لترامب إلى مقاتلي الحرية
وبحسب تقرير “جيروزالم بوست”، قال دونالد ترامب في تصريحات حادة أدلى بها في 11 مايو 2026 إنه يشعر بـ”خيبة أمل كبيرة” من الجماعات الكردية. وباستخدام لغة وصفتها الصحيفة بأنها غير عادلة، ادعى أن الأكراد لا يقاتلون بشراسة إلا عندما “يتلقون المال”. وهاجمت “جيروزالم بوست” هذه النظرة بشدة في تحليلها، مذكّرة بأن مثل هذا الوصف للمقاتلين الأكراد يتجاهل عقوداً من النضال بإمكانات شحيحة.
وتشير “جيروزالم بوست” إلى أن ترامب يشتكي من عدم نقل الأسلحة إلى داخل الأراضي الإيرانية، رغم أنه كان متشككاً في هذه العملية منذ البداية. ومع ذلك، اعتبرت الصحيفة أن تحميل الأكراد المسؤولية واتهامهم بـ”الاحتفاظ بالأسلحة لأنفسهم” يعكس فهماً سطحياً لعملية عسكرية شديدة التعقيد. ويؤكد محلل “جيروزالم بوست” أن الأكراد أثبتوا عبر التاريخ أن دوافعهم المبدئية تتجاوز بكثير المسائل المالية.

جيروزالم بوست وإعادة قراءة إرث صمود الأكراد في المنطقة
وفي حين يسعى ترامب إلى رسم صورة نفعية للجماعات الكردية، تدافع “جيروزالم بوست” في تقريرها عن التاريخ النضالي للأكراد. وتذكّر الصحيفة بأن الأكراد واجهوا أقسى الظروف في أربعة بلدان هي تركيا وإيران والعراق وسوريا؛ من تجربة الإبادة الجماعية في العراق خلال ثمانينيات القرن الماضي، إلى الحرمان من حقوق المواطنة في سوريا، وقمع اللغة والهوية في تركيا.
وبحسب تحليل “جيروزالم بوست”، فإن جماعات المعارضة الكردية الإيرانية التي أصبحت الآن هدفاً لانتقادات ترامب، تخوض منذ عقود صراعاً ضد نظام الجمهورية الإسلامية. وتكتب الصحيفة بلغة داعمة أن هؤلاء المقاتلين يعيشون في معسكرات “فقيرة وصغيرة ومغبرة”، ولا يخضعون لسنوات من أقسى التدريبات العسكرية إلا إيماناً منهم بقضيتهم. وتؤكد “جيروزالم بوست” أن إلصاق صفة “المقاتل المأجور” بأشخاص اغتيل قادتهم ويعيشون هم أنفسهم في المنفى بعيد جداً عن واقع الميدان.

تعقيدات الحدود؛ ما يتجاوز قدرة جماعة واحدة
وفي جزء آخر من تحليلها، تتناول “جيروزالم بوست” التحديات اللوجستية لنقل السلاح التي تجاهلها ترامب. ويشير هذا المصدر إلى أن نقل المعدات العسكرية من كردستان العراق إلى داخل الأراضي الإيرانية يتطلب المرور عبر مناطق تخضع لنفوذ جماعات مختلفة ذات توجهات سياسية متباينة. فعلى سبيل المثال، يرتبط الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يسيطر على مناطق حدودية مع إيران مثل السليمانية، بعلاقات وثيقة مع طهران، ومن الطبيعي أن يعارض الأنشطة المسلحة ضد إيران.
وبحسب “جيروزالم بوست”، فإن ترامب، من خلال تبسيطه للمسألة، يظن أن مجرد إرسال “عدد من البنادق والذخائر” كفيل بفتح جبهة حرب جديدة. وتؤكد الصحيفة أن الحضور النشط للحرس الثوري الإيراني في المناطق الحدودية، وتعقيدات التحالفات الكردية، بما في ذلك الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب حرية كردستان، وحزب الحياة الحرة الكردستاني، وكومله، تجعل أي عملية عسكرية شديدة الصعوبة. وترى “جيروزالم بوست” أن الإخفاق المحتمل في نقل السلاح يعود، أكثر من كونه نتيجة تقصير من الأكراد، إلى ضعف التخطيط في واشنطن وعدم الفهم الصحيح لنفوذ إيران في المناطق الحدودية.

نموذج التعاون الناجح مع الأكراد وخطأ التقدير في واشنطن
ولإثبات عدم صحة تصريحات ترامب، تشير “جيروزالم بوست” إلى تجارب ناجحة سابقة. وتذكّر الصحيفة بأن قوات البيشمركة قاتلت ضد داعش بأدنى الرواتب والمزايا، وقدمت تضحيات كبيرة. كما أن نموذج التعاون الناجح مع قوات سوريا الديمقراطية أظهر أنه عندما تتعاون الولايات المتحدة مع الأكراد بانضباط وتخطيط طويل الأمد، تكون النتائج لافتة.
وفي الختام، تحذر “جيروزالم بوست”، بنبرة نقدية تجاه النهج الحالي للبيت الأبيض، من أن هذا النوع من تصريحات ترامب قد يضر بالعلاقات الاستراتيجية للولايات المتحدة مع أكثر حلفائها موثوقية في المنطقة. ويؤكد هذا التحليل أن الأكراد لا يقاتلون من أجل المال، بل من أجل البقاء والحرية، وأنه إذا كانت واشنطن تبحث عن نتائج حقيقية، فعليها، بدلاً من اتهام حلفائها، أن تسعى إلى فهم أعمق لواقع حياتهم ونضالهم في جبال كردستان. وبحسب تقرير “جيروزالم بوست”، فإن استعادة الثقة في هذه العلاقة تتطلب تجاوز النظرة المتشككة التي روّج لها ترامب في خطاباته الأخيرة.
ويُظهر التقرير التحليلي لصحيفة “جيروزالم بوست”، المنشور في مايو 2026، أن الفجوة بين البيت الأبيض والجماعات الكردية تعود، أكثر من كونها ناتجة عن أداء الأكراد، إلى توقعات دونالد ترامب غير الواقعية ونظرته المادية. وتؤكد “جيروزالم بوست”، في دفاعها الحازم عن صدق الأكراد وتضحياتهم، أن تجاهل عقود من النضال بذريعة بضع شحنات من السلاح يشكل خطأً استراتيجياً قد يترتب عليه ثمن باهظ للسياسة الخارجية الأميركية تجاه إيران.
