كشفت وكالة رويترز، في تقرير حصري، عن أول مواجهة عسكرية مباشرة بين الرياض وطهران، في تطور يعكس تحولاً جذرياً في المقاربة الاستراتيجية للمملكة العربية السعودية.
في تطور غير مسبوق قد يعيد رسم المنظومة الأمنية في المنطقة، أفادت وكالة رويترز، نقلاً عن مسؤولين غربيين اثنين ومسؤولين إيرانيين اثنين، بأن سلاح الجو السعودي نفذ في أواخر مارس 2026، أي مطلع أبريل 2026، سلسلة ضربات جوية غير معلنة ضد أهداف داخل الأراضي الإيرانية. وتُعد هذه الضربات الانتقامية، التي جاءت رداً على هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة شنتها إيران على بنى تحتية سعودية، أول تدخل عسكري مباشر ورسمي من جانب الرياض ضد الجمهورية الإسلامية في التاريخ المعاصر.

جذور عداوة ممتدة
تعود التوترات الحالية بين القوتين الإقليميتين إلى التطورات التي أعقبت ثورة عام 1979. ومع قيام نظام الجمهورية الإسلامية، تصاعدت سريعاً حدة المنافسة الأيديولوجية بين البلدين. وشكلت حادثة الحج الدامية في 31 يوليو 1987، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 400 حاج، إحدى أولى المحطات المفصلية التي أدت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، والذي استمر حتى عام 1991.
وفي العقود اللاحقة، استمرت هذه المنافسة الاستراتيجية عبر حروب بالوكالة في لبنان والعراق وسوريا واليمن. كما أدى إعدام الشيخ نمر باقر النمر في 2 يناير 2016، وما أعقبه من هجوم على السفارة السعودية في طهران وقنصلية المملكة في مشهد، إلى قطع جديد وكامل للعلاقات الدبلوماسية، ما ألقى بظلاله الثقيلة على المنطقة لسنوات.
التحول نحو التوتر المباشر في عامي 2026 و2027
في السنوات الأخيرة، وتحت قيادة محمد بن سلمان، ومع التقارب التدريجي بين الرياض وتل أبيب بوساطة واشنطن، كانت طهران تتابع هذه التطورات بقلق. ومع اندلاع المواجهات الواسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في 28 فبراير 2026، امتدت نيران الحرب إلى دول مجلس التعاون الخليجي أيضاً. وتشير التقارير إلى أن إيران استهدفت بمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة منشآت نفطية وقاعدة «برنس سلطان» الاستراتيجية داخل الأراضي السعودية، ما أسفر عن سقوط ضحايا وحدوث أضرار.

كشف عملية «الغضب الملحمي» في تقرير رويترز
وأكدت رويترز، في تقريرها المؤرخ 12 مايو 2026، أن الرياض لم تعد تكتفي بسياسة ضبط النفس. وقال مسؤول غربي في هذا السياق: «نُفذت هذه الضربات الانتقامية في اللحظة نفسها التي تعرض فيها الأمن القومي السعودي لتهديد مباشر».
وفي الوقت نفسه، زعمت صحيفة جيروزالم بوست أن هذه الضربات نُفذت في إطار عملية حملت اسم «الغضب الملحمي». وبحسب التقرير، أبلغت السعودية طهران بنيتها قبل تنفيذ العملية، ثم فُعّلت فوراً القنوات الدبلوماسية لإدارة الأزمة ومنع اندلاع حرب شاملة.
حصيلة الهجمات وردود الفعل الدبلوماسية
وبحسب البيانات الرسمية لوزارة الدفاع السعودية، سُجل أكثر من 105 هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة ضد المملكة خلال الفترة من 25 إلى 31 مارس 2026 وحدها. ورداً على ذلك، شددت الرياض، إلى جانب استدعاء سفير العراق والاحتجاج على استخدام أراضيه لشن هجمات على المملكة، على حقها في الدفاع المشروع.
ورغم أن وزارة الخارجية السعودية لم تؤكد بشكل مباشر مسؤولية المملكة عن الضربات الجوية على إيران، فإنها شددت على التزامها «بدعم الاستقرار وخفض التصعيد». وفي المقابل، أحجمت السلطات في طهران حتى الآن عن إصدار رد رسمي على هذا التقرير، رغم ورود تقارير عن هجمات مماثلة نفذتها الإمارات العربية المتحدة أيضاً.

الأفق الاستراتيجي للمنطقة
يرى محللون أن دخول السعودية المباشر إلى الميدان العسكري يعكس تحولاً استراتيجياً في العقيدة الدفاعية للرياض. ورغم استمرار الجهود الدبلوماسية خلف الكواليس للتوصل إلى تفاهمات غير رسمية، فإن تجاوز الخط الأحمر المتمثل في «الهجوم المباشر على أراضي الطرف الآخر» أدخل الردع الإقليمي مرحلة أكثر تعقيداً. وبات مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط، الآن أكثر من أي وقت مضى، رهناً بإدارة الأزمة بين طهران والرياض، وكذلك بدور القوى الدولية في احتواء هذه الحلقة من الانتقام المتبادل.
