ما الأسباب الحقيقية وراء اشتعال أزمة الوقود في سوريا؟

أزمة الوقود

لم تكن مشاهد الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود في دمشق وحلب وحمص واللاذقية خلال الأيام الماضية سوى أحدث حلقات أزمة تتكرر بأشكال مختلفة في سوق المحروقات السورية، لكنها هذه المرة حملت مفارقة لافتة، إذ اندلعت الاختناقات بعد أيام قليلة من إعلان وزارة الطاقة تخفيض أسعار البنزين والمازوت والغاز المنزلي بنسب تراوحت بين 14 و20 بالمئة، في خطوة كانت تستهدف تخفيف الأعباء المعيشية وتعزيز استقرار السوق.

 وبينما سارع كثيرون إلى تفسير الأزمة بأنها نتيجة نقص في الإمدادات، تشير المعطيات الرسمية وآراء خبراء الاقتصاد إلى أن الأسباب الحقيقية تبدو أكثر تعقيداً، وترتبط بآليات التسعير وسلوك السوق والتوقعات المستقبلية للأسعار، أكثر من ارتباطها بتوافر الوقود نفسه.

الرواية الرسمية للأزمة

أكدت وزارة الطاقة أن منظومة التوريد والإنتاج استمرت بالعمل بصورة طبيعية، وأن ما حدث يعود إلى ارتفاع استثنائي في الطلب بالتزامن مع التخفيضات السعرية، مشيرة إلى استمرار ضخ أكثر من 7.3 ملايين لتر من البنزين يومياً عبر مئات طلبات التوزيع المنطلقة من مصفاتي بانياس وحمص لتلبية احتياجات مختلف المحافظات، في وقت شددت فيه على أن الكميات المتوافرة تكفي احتياجات السوق ولا يوجد انقطاع في الإمدادات.

في الثامن والعشرين من حزيران/يونيو الماضي، أعلنت الحكومة الانتقالية تخفيضاً جديداً في أسعار المحروقات- أرشيفية

 كما أوضحت أن مراجعة الأسعار أصبحت تتم وفق لجنة دائمة تعتمد مؤشرات فنية واقتصادية مرتبطة بحركة الأسواق العالمية وسعر الصرف بهدف تحقيق قدر أكبر من الشفافية والاستدامة.

تعود الخلفية المباشرة للأزمة إلى الثامن والعشرين من حزيران/يونيو الماضي، حين أعلنت الحكومة الانتقالية تخفيضاً جديداً في أسعار المحروقات، إذ خُفِّض سعر لتر البنزين أوكتان 95 بنسبة 20.39 بالمئة، ليصبح 130 ليرة سورية جديدة (ما يعادل نحو 13 ألف ليرة بالعملة القديمة)، بينما خُفِّض أوكتان 90 بنسبة 19.97بالمئة ليصبح 125 ليرة جديدة، وبمجرد إعلان التخفيض، اختفت المادة من معظم محطات الوقود، من دون ورود أي توضيح رسمي يفسر أسباب هذا النقص الحاد.

خلل في آلية التسعير

الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر يرى أن تفسير الأزمة بنقص الوقود لا يعكس الواقع، مؤكداً أن جوهر المشكلة يكمن في سياسة التحرير الكامل لأسعار المشتقات النفطية في اقتصاد ما يزال يعاني هشاشة مالية وتقلبات حادة في سعر الصرف.

 ويقول في منشور له عبر منصة “فيسبوك”، إن ربط الأسعار بالتغيرات شبه اليومية في الأسواق العالمية وبسعر صرف الليرة السورية خلق حالة من عدم اليقين لدى جميع الأطراف، بدءاً من المستوردين ووصولاً إلى أصحاب محطات الوقود، الذين أصبحوا يخشون شراء كميات كبيرة ثم تكبد خسائر مباشرة إذا صدر قرار جديد بخفض الأسعار بعد أيام قليلة.

ويضيف أن أسعار النفط العالمية شهدت خلال الأسابيع الماضية تقلبات واضحة بفعل التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط قبل أن تتراجع مجدداً مع انحسار المخاوف، وهو ما انعكس سريعاً على السوق السورية التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد لتغطية احتياجاتها من المشتقات النفطية.

 ومع استمرار تذبذب سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، أصبحت تكلفة استيراد الوقود وأسعار بيعه المحلية تتغير بوتيرة متسارعة، الأمر الذي دفع عدداً من أصحاب المحطات إلى تأجيل طلب مخصصاتهم ترقباً لانخفاضات إضافية في الأسعار.

التحرير الكامل.. هل جاء مبكراً؟

من وجهة نظره، يرى عمر أن الاقتصاد السوري لم يصل بعد إلى المرحلة التي تسمح بتطبيق نموذج التحرير الكامل لأسعار المحروقات، لأن هذا النموذج يحتاج إلى سوق مستقرة، وسيولة مرتفعة، وآليات تمويل قادرة على امتصاص تقلبات الأسعار العالمية، مقترحاً اعتماد نموذج التحرير الجزئي، بحيث يتم تثبيت أسعار البنزين والمازوت والغاز المنزلي لمدة شهر كامل قبل إعادة مراجعتها، بما يوفر رؤية واضحة للمستهلكين ولأصحاب المحطات والمستوردين، ويحد من التقلبات اليومية التي تربك السوق وتفتح الباب أمام المضاربات.

وتتقاطع هذه القراءة مع ما يطرحه الخبير في التخطيط الاقتصادي الدكتور خالد الحمدي، الذي يؤكد أن الاحتياجات اليومية لسوريا تتراوح بين 3.8 و4.5 ملايين لتر من البنزين، وبين 7.1 و7.8 ملايين لتر من المازوت، وهي كميات ضخمة تجعل انتظام التوريد أمراً أساسياً لاستقرار السوق.

لكنه يلفت وفق تصريحات تلفزيونية له، إلى أن الأزمة الأخيرة لم تبدأ بسبب تراجع الواردات، وإنما نتيجة إحجام عدد من أصحاب محطات الوقود عن طلب مخصصاتهم المعتادة بعد الإعلان عن تشكيل لجنة لإعادة تسعير المشتقات النفطية، حيث فضلت بعض المحطات الانتظار يومين أو ثلاثة أيام لتجنب شراء الوقود بالسعر القديم قبل صدور تخفيضات جديدة.

ويشير إلى أن هذا السلوك أدى إلى انخفاض الكميات المعروضة مؤقتاً في بعض المحطات، ما أثار مخاوف المواطنين ودفعهم إلى التهافت على التزود بالوقود، لتنشأ حلقة متسارعة من الطلب الاستثنائي والازدحام، رغم استمرار التوريد بصورة اعتيادية، مؤكداً أن مثل هذه الظواهر معروفة اقتصادياً عندما تتغير توقعات الأسعار، إذ يصبح السلوك النفسي للمتعاملين عاملاً لا يقل تأثيراً عن حجم الإمدادات الفعلية.

السوق السوداء تعود بقوة

كما يكشف الحمدي عن جانب آخر من الأزمة يتمثل في اتساع نشاط السوق السوداء، حيث استغل بعض المتعاملين حالة القلق بين المواطنين فقاموا بشراء الوقود بالسعر الرسمي ثم إعادة بيعه بأسعار أعلى خارج المحطات، محققين أرباحاً سريعة على حساب المستهلكين.

ويشير إلى أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على شبكات منظمة كما كان يحدث في سنوات سابقة، بل تحولت إلى ممارسة فردية يغذيها الفارق بين السعر النظامي والسعر غير الرسمي في أوقات الاختناقات.

تجاوز سعر اللتر الواحد في السوق الموازية 20 ألف ليرة سورية، أي بفارق يزيد على 7 آلاف ليرة عن السعر الرسمي البالغ 13 ألف ليرة- أرشيفية

وتنامي نشاط السوق السوداء بشكل غير مسبوق، ففي محافظة اللاذقية، تجاوز سعر اللتر الواحد في السوق الموازية 20 ألف ليرة سورية، أي بفارق يزيد على 7 آلاف ليرة عن السعر الرسمي البالغ 13 ألف ليرة.

ويتغذى هذا الفارق بين السعر النظامي والسوق الموازي على تقلبات سعر الصرف، فوفقاً لمصرف سوريا المركزي، بلغ سعر صرف الدولار 12,150 ليرة للشراء و12,250 ليرة للبيع بالليرة القديمة، بينما يتجاوز في السوق السوداء 12,900 ليرة، وبما أن تكلفة استيراد المشتقات النفطية مرتبطة بالدولار، بينما يُحدد سعر البيع بالليرة، تخلق هذه الفجوة دائمة هوة بين السعر الرسمي والتكلفة الحقيقية، تستغلها السوق السوداء لتحقيق أرباح طائلة.

الإصلاح يبدأ من الإدارة

يضيف الحمدي أنه اطلع ميدانياً على واقع العمل في مصفاتي حمص وبانياس، ولم يلاحظ مؤشرات على توقف الإنتاج أو اضطراب عمليات التوزيع، وهو ما يعزز القناعة بأن الأزمة تتعلق بآليات السوق وسلوك بعض المتعاملين أكثر من ارتباطها بتوفر المادة نفسها، مؤكداً أن استمرار الرقابة وإغلاق المحطات المخالفة وتشديد العقوبات على المحتكرين، إلى جانب رفع مستوى الشفافية في سياسة التسعير، يمثل عناصر ضرورية لاستعادة الثقة ومنع تكرار الأزمات.

تشير التطورات الأخيرة إلى أن الحكومة تحاول الانتقال من التسعير الإداري التقليدي إلى نظام أكثر ارتباطاً بالمؤشرات الاقتصادية، عبر لجنة دائمة لمراجعة الأسعار بصورة دورية وفق حركة أسعار النفط العالمية وسعر الصرف وتكاليف النقل والاستيراد، غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من مزايا على المدى الطويل، يفرض تحديات كبيرة في اقتصاد يعاني ضعف السيولة وتذبذب سعر العملة وغياب أدوات التحوط المالي التي تمتلكها الأسواق الأكثر تطوراً.

ويضاف إلى ذلك أن سوق الطاقة السورية ما تزال تتأثر بعوامل هيكلية تراكمت خلال سنوات الحرب، من بينها تراجع الإنتاج المحلي واعتماد البلاد على الاستيراد لتغطية جزء كبير من احتياجاتها، فضلاً عن تأثير العقوبات الدولية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن، وهي عوامل تجعل أي تغير في أسعار النفط العالمية أو في البيئة الجيوسياسية ينعكس بسرعة على السوق المحلية.

كما أن المؤسسات الدولية، ومنها الوكالة الدولية للطاقة، تؤكد أن اضطرابات أسواق الطاقة العالمية خلال عام 2026 دفعت العديد من الحكومات إلى تعديل سياسات التسعير وتقديم إجراءات استثنائية للحفاظ على استقرار الإمدادات وحماية المستهلكين.

أزمة إدارة أكثر من إمدادات

تكشف أزمة الوقود الأخيرة أن المشكلة لم تعد تختزل في سؤال هل توجد كميات كافية من البنزين؟، بل أصبحت مرتبطة بكيفية إدارة السوق في مرحلة انتقالية تتداخل فيها تقلبات النفط العالمية مع تغيرات سعر الصرف وسلوك التجار وتوقعات المستهلكين.

الاحتياجات اليومية لسوريا تتراوح بين 3.8 و4.5 ملايين لتر من البنزين، وبين 7.1 و7.8 ملايين لتر من المازوت- أرشيفية

فكلما غابت الرؤية الواضحة بشأن آلية التسعير المستقبلية، ازداد الميل إلى تأجيل الشراء أو تخزين الوقود أو المضاربة به، وهو ما يحول أي تعديل في الأسعار إلى أزمة ميدانية حتى في ظل استمرار التوريد.

 لذلك يبدو أن استقرار سوق المحروقات في سوريا لن يتحقق عبر زيادة الكميات وحدها، بل يحتاج إلى سياسة تسعير أكثر استقراراً وشفافية، وآليات رقابية أكثر فاعلية، وإشارات واضحة تبني الثقة بين الدولة والمستوردين وأصحاب المحطات والمستهلكين، بما يحول دون تحول كل تعديل سعري إلى موجة جديدة من الطوابير والقلق في الشارع السوري.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم