تحمل الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق أبعاداً تتجاوز الطابع البروتوكولي والدبلوماسي، إذ تبدو أقرب إلى إعلان سياسي واقتصادي عن دخول العلاقات السورية- الفرنسية مرحلة جديدة، عنوانها إعادة التموضع الأوروبي في سوريا، واستكشاف فرص الاستثمار في بلد يتهيأ لمرحلة ما بعد الحرب.
فالزيارة، التي أعلنت عنها الرئاسة السورية، أمس الأحد، ستكون الأولى لرئيس دولة غربية منذ تولي الرئيس الانتقالي أحمد الشرع السلطة أواخر عام 2024، كما أنها تأتي في توقيت يشهد تراجعاً تدريجياً للعزلة الدولية المفروضة على دمشق، بعد سلسلة من التحركات الدبلوماسية الغربية ورفع الولايات المتحدة جانباً كبيراً من العقوبات الاقتصادية، الأمر الذي فتح الباب أمام سباق دولي مبكر لحجز مواقع اقتصادية في السوق السورية.
وفد أعمال قبل أن يكون سياسياً
تكتسب الزيارة أهمية إضافية لأن ماكرون لا يصل إلى دمشق منفرداً، بل يرافقه وفد يضم وزراء، وفي مقدمتهم وزير الخارجية، إضافة إلى عدد كبير من رجال الأعمال والمستثمرين وممثلي الشركات الفرنسية، وهو ما يعكس بوضوح أن باريس لا تنظر إلى سوريا من زاوية السياسة وحدها، وإنما باعتبارها سوقاً اقتصادية ضخمة قد تتحول خلال السنوات المقبلة إلى واحدة من أكبر ورش إعادة الإعمار في الشرق الأوسط.
وتشير هذه التركيبة إلى أن فرنسا تسعى إلى ترجمة التقارب السياسي إلى شراكات اقتصادية فعلية، في ظل تقديرات دولية تقدر كلفة إعادة إعمار سوريا بما يتراوح بين 250 و400 مليار دولار، بينما تذهب بعض التقديرات الأممية إلى أرقام أعلى إذا أضيفت خسائر رأس المال البشري والبنية الإنتاجية.

وتأتي هذه الزيارة استكمالاً للمسار الذي بدأ قبل نحو عام عندما زار الرئيس أحمد الشرع العاصمة الفرنسية بدعوة من ماكرون، في أول زيارة أوروبية له بعد توليه الرئاسة، حيث ناقش الطرفان آنذاك ملفات إعادة الإعمار، وتوسيع التعاون الاقتصادي، وتعزيز العلاقات الثنائية، إلى جانب القضايا الأمنية والسياسية.
واليوم تبدو باريس وكأنها تنتقل من مرحلة اختبار النوايا إلى مرحلة استكشاف الفرص، خاصة أن فرنسا كانت من أكثر الدول الأوروبية اندفاعاً نحو استعادة قنوات التواصل مع دمشق، فأعادت افتتاح سفارتها بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على إغلاقها، في شباط/ فبراير 2025، واستضافت مؤتمراً لدعم سوريا، قبل أن تتطور الاتصالات إلى هذا المستوى غير المسبوق.
سباق على كعكة الإعمار
تقرأ الأوساط الاقتصادية الفرنسية هذه الزيارة باعتبارها محاولة لاستعادة نفوذ اقتصادي فقدته باريس خلال سنوات الحرب، في وقت تتحرك فيه قوى إقليمية ودولية أخرى، مثل تركيا ودول الخليج والصين، لتعزيز حضورها في السوق السورية.
تمتلك الشركات الفرنسية خبرات واسعة في مجالات الطاقة، والنقل، وإدارة المطارات والمرافئ، وشبكات المياه والكهرباء، والاتصالات، والسكك الحديدية، وهي قطاعات ستكون في قلب عملية إعادة الإعمار إذا ما استقرت البيئة السياسية والأمنية.
وكانت وقعت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا، أيار/ مايو الماضي اتفاقاً مع مجموعة الشحن والخدمات اللوجستية الفرنسية “سي.إم.إيه سي.جي.إم” لتشغيل ميناءين جافين داخل المناطق الحرة في عدرا بضواحي دمشق وفي حلب.
وجاء هذا الاتفاق في أعقاب اتفاقية منفصلة وقعت في أيار/ مايو 2025، حصلت بموجبها “سي.إم.إيه سي.جي.إم” على عقد لمدة 30 عاماً لتحديث وتشغيل ميناء اللاذقية.
دمشق على خريطة المستثمرين
كما تحمل الزيارة رسالة واضحة إلى مجتمع الأعمال الأوروبي بأن دمشق لم تعد مجرد ساحة نزاع، بل أصبحت سوقاً قيد التشكل، وأن فرنسا تريد أن تكون من أوائل اللاعبين فيها.
وتدرك باريس أن التأخر في الدخول إلى السوق السورية قد يعني خسارة فرص استثمارية كبيرة لصالح منافسين آخرين، لذلك تبدو الزيارة بمثابة إعلان مبكر عن رغبة فرنسية في تثبيت موطئ قدم اقتصادي طويل الأجل في سوريا.

وفي هذا السياق، يرى الخبير في الإدارة والاقتصاد الدكتور خليل الحمدان أن طبيعة الوفد المرافق للرئيس الفرنسي تؤكد أن الاقتصاد يشكل أحد أبرز محاور الزيارة، موضحاً أن الشركات الدولية لا تتخذ قرارات استثمارية مباشرة، وإنما تبدأ عادة بإجراء تقييم شامل للبيئة الاقتصادية والقانونية، ودراسة التشريعات، وقياس مستوى المخاطر قبل الانتقال إلى مرحلة الاستثمار الفعلي، وفق ما نقلت عنه “الوطن”.
ويشير الحمدان إلى أن سوريا تمتلك فرصاً واعدة في قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات والبنية التحتية والصناعة والزراعة والسياحة، وهي مجالات قادرة على استقطاب استثمارات أجنبية كبيرة إذا استمرت الإصلاحات الاقتصادية وتحسن مناخ الأعمال.
ويضيف أن المكاسب المحتملة لا تقتصر على تدفق رؤوس الأموال، بل تمتد إلى نقل التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات الإدارية، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد السوري، وهو ما قد ينعكس على معدلات النمو وفرص العمل خلال السنوات المقبلة.
التحديات لا تزال قائمة
لكن في المقابل، لا تبدو الطريق ممهدة بالكامل أمام الاستثمارات الفرنسية أو الأوروبية، إذ لا تزال سوريا تواجه تحديات كبيرة تتمثل في هشاشة الوضع الأمني، والحاجة إلى إصلاحات تشريعية ومؤسسية، إضافة إلى استمرار بعض القيود المالية والمصرفية، وضعف البنية التحتية، وارتفاع مستويات المخاطر الاستثمارية.
لذلك فإن معظم الشركات العالمية ستتعامل مع السوق السورية بحذر، وستفضل في المرحلة الأولى استكشاف الفرص وبناء الشراكات قبل ضخ استثمارات واسعة النطاق.
ومن زاوية أخرى، تحمل الزيارة رسالة سياسية موجهة إلى أوروبا بقدر ما هي موجهة إلى دمشق، مفادها أن فرنسا تريد قيادة الانفتاح الأوروبي على سوريا، وعدم ترك الساحة لقوى دولية أخرى، كما تعكس رغبة باريس في ربط عملية التعافي الاقتصادي بمسار سياسي مستقر، بما يضمن حماية الاستثمارات الأجنبية ويعزز الاستقرار الإقليمي.

وتكشف الزيارة أيضاً عن تحول في المقاربة الغربية تجاه سوريا، حيث يتراجع الخطاب القائم على العزلة لصالح نهج يقوم أكثر على الانخراط الاقتصادي المشروط، وهو ما يفسر اصطحاب ماكرون وفداً اقتصادياً بهذا الحجم، في رسالة تؤكد أن الاقتصاد أصبح أحد أهم أدوات السياسة الخارجية الفرنسية في المنطقة.
وفي حال نجحت الزيارة في فتح الباب أمام اتفاقات استثمارية أو توقيع مذكرات تفاهم في قطاعات حيوية، فإنها قد تشكل نقطة تحول في مسار العلاقات بين البلدين، وتمنح الاقتصاد السوري دفعة معنوية وسياسية مهمة في مرحلة يسعى فيها إلى استعادة ثقة المستثمرين الدوليين، أما إذا اقتصرت نتائجها على البيانات السياسية والوعود العامة، فإنها ستظل خطوة رمزية أكثر منها تحولاً اقتصادياً حقيقياً.
وفي النهاية، يبقى المعيار الفعلي لنجاح زيارة ماكرون ليس في رمزيتها بوصفها أول زيارة لرئيس غربي إلى دمشق منذ تغير السلطة، بل في قدرتها على تحويل الانفتاح السياسي إلى مشاريع استثمارية حقيقية قابلة للتنفيذ، وشراكات اقتصادية مستدامة، تعيد إدماج سوريا تدريجياً في الاقتصاد الإقليمي والدولي، وتمنح فرنسا في الوقت ذاته موقعاً متقدماً في واحدة من أكثر أسواق إعادة الإعمار أهمية خلال العقد المقبل.

