في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر المنصرم، قامت فصائل “المعارضة السورية” بعملية مباغتة على مدينة حلب تحت اسم “ردع العدوان”، وفي غضون 3 أيام سيطرت الفصائل على المدينة، مع انسحاب كامل للجيش السوري منها، لتدخل سوريا في مرحلة جديدة من الصراع/ النزاع/ الحرب، وهي التي لم تعرف الثبات منذ 2011 ولليوم، لكن السؤال الذي يبرز، هو ما أهمية حلب جغرافيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا؟
عمليا، تعد حلب من أكبر المدن السورية وأكثرها تأثيرا تاريخيا وجغرافيا، تتميز بموقعها الاستراتيجي الذي يربط بين الشمال السوري وبقية المحافظات، إضافة إلى قربها من الحدود التركية، الأمر الذي جعلها مركزا تجاريا مهما وقاعدة لوجستية للطرف المسيطر عليها.
الموقع الجغرافي والأهمية الاستراتيجية والاقتصادية
حلب، أكبر المدن السورية من حيث الكثافة السكانية٬ ومن أقدم المدن المأهولة في التاريخ٬ والعاصمة الاقتصادية لسوريا، ولذا فإن موقعها الاستراتيجي الحاسم وأهميتها التاريخية والسياسية والاقتصادية، جعلتها محط نزاع بين الأطراف المتصارعة عليها في سوريا. منذ عام 2011 وإلى اليوم.
من حيث الموقع والمساحة، تمتد مساحة محافظة حلب إلى 18 ألف كيلومتر ونصف كيلو متر مربع، بينما تبلغ مساحة عاصمتها (حلب) 190 كيلومترا مربعا، وتتميز بتنوع تضاريسها من سهول وتلال وأراض خصبة، إذ تقع وسط مفترق بين نهر الفرات والبحر المتوسط.
من ناحية الكثافة السكانية، تعد حلب أكبر مدن سوريا، حيث يبلغ تعداد سكان المحافظة العريقة تاريخيا ودينيا وحضاريا وثقافيا، أكثر من 4 ملايين نسمة، وذلك حسب “المركز السوري للإحصاء” لعام 2011.
تعد حلب بوابة الشمال السوري؛ كونها تقع بالقرب من الحدود التركية، مما يجعلها حلقة وصل بين الداخل السوري والخارج، وتعود أهميتها الاستراتيجية لكونها نقطة وصل رئيسية بين الشرق والغرب، كما أنها تربط بين مناطق شرق سوريا وغربها، مما يجعلها مركزا لوجستيا هاما.
اقتصاديا، حلب، عاصمة سوريا الاقتصادية، فهي أكبر مراكز الاقتصاد في البلاد، وهي المدينة السياحية الأولى في البلاد قبل الحرب في 2011، وحينها أي قبل 2011، شكلت نحو ثلث الاقتصاد المحلي٬ وكان يتوافر فيها نحو 23 % من القوة العاملة في البلاد٬ وتتركز فيها 30 % من الصناعات السورية، وتنتج نحو 48 % من إنتاج القمح والشعير.
حلب.. الأهمية السياسية والعسكرية
تعد حلب مركزا محوريا لكل الأطراف، فسيطرة أي طرف عليها تعني السيطرة على طرق التجارة وخطوط الإمداد من شمال سوريا لى جنوبها حتى دمشق، وبالنسبة للحكومة السورية، فالسيطرة على حلب، تعني بسط السيطرة على سوريا، وكذا يضفي لها شرعية الحكم في البلاد.
على الجانب الآخر، فإن رأس المعارضة في حلب، ودائما ما تسعى فصائل “المعارضة السورية” إلى السيطرة على المدينة المهمة من كل النواحي؛ لأن ذلك يكسردمشق ويفتتها بل ويهدّدها، وهو ما تريده “المعارضة”.
منذ اندلاع الاحتجاجات في 2011 وما أعقبها من حرب عسكرية، سيطرت فصائل “المعارضة” المدعومة من تركيا على أجزاء كبيرة من حلب، وتحديدا منذ 2012 وحتى 2016، وكانت الحرب سجالا بينها وبين الجيش السوري في تلك السنوات.

لاحقا، تمكن الجيش السوري من استعادة السيطرة على حلر عام 2016، ومع ذلك، كانت المناطق الشمالية والغربية من المدينة محط توترات، حيث كانت تسعى فصائل “المعارضة السورية”، إلى إعادة التواجد بالقرب من خطوط التماس، بل والسيطرة على حلب مجددا.
كانت حلب بالنسبة للرئيس السوري بشار الأسد، رمزاً لاستعادة السيطرة بعد معارك 2016-2017، لكن اليوم وبعد الهجوم المباغت لفصائل “المعارضة” على حلب والسيطرة عليها مجددا، يعني عدة اعتبارات، أهمها فقدان السيطرة على الشمال الغربي بالكامل من قبل دمشق، وضعف الحكومة السورية في الحفاظ على مكتسباتها العسكرية٬ وقد تُضعف شرعية الأسد في نظر مؤيديه وداعميه الدوليين.
أما بالنسبة لفصائل “المعارضة”، فإن السيطرة على حلب تعني التحكم بشبكة الطرق الرئيسية التي تربطها بإدلب من جهة ومعابر الشمال من جهة أخرى، وتُشكل انتصارا رمزيا واستراتيجيا، كما يعيد تشكيل توازن القوى السياسية على الأرض، الأمر يُعزز من موقفها في المفاوضات المستقبلية.

