يشهد الساحل السوري، تصعيدا غير مسبوقًا في أعمال العنف، منذ الخميس الماضي، بعد تعرض قوات الأمن التابعة للإدارة السورية الجديدة لسلسلة من الهجمات المنسقة والكمائن المتفرقة من قبل ما يُعرف بـ “فلول نظام الأسد”.
واستهدفت تلك الهجمات الدامية عدة مواقع في منطقة الساحل السوري، بما في ذلك ريف اللاذقية، ريف طرطوس، وقرى جبلة، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى وتصاعد حدة التوتر في المنطقة.
أهمية الساحل السوري
لمنطقة الساحل السوري أهمية جغرافية واستراتيجية لسوريا، إذ تمتد على طول 180 كيلو مترًا بمحاذاة البحر الأبيض المتوسط، وتشمل محافظتي اللاذقية وطرطوس، ويقطنها مزيج سكاني متنوع من طوائف السنة والعلويين والمسيحيين، ما يجعلها شرياناً حيوياً يربط سوريا بالعالم الخارجي.

ويمتلك الساحل أهمية اقتصادية كبيرة، نظراً لاحتوائه على موانئ رئيسية مثل اللاذقية وطرطوس، اللتين لعبتا دورًا محوريًا في التجارة الإقليمية والدولية.
ويعتبر الساحل من أهم الأقاليم الزراعية في سوريا، ويضم مدنا مهمة، مثل اللاذقية وطرطوس وبانياس وجبلة، كما يتميز بغناه بالمعالم التاريخية والمواقع الأثرية التي تخلّد عددا من الحضارات، إضافة إلى توافر المواقع السياحة الثقافية والطبيعية، والبيئية، والدينية، والترفيهية.
كما كان الساحل السوري قاعدة نفوذ تقليدية لنظام الأسد، ومركزاً لوجود قوى إقليمية ودولية داعمة له، مثل روسيا وإيران، ما جعله ساحة للتنافس الجيوسياسي.
المرافئ والتجارة
يتمتع الساحل السوري بأهمية اقتصادية كبيرة، خاصة وأنه شكل عبر تاريخه رئة الاقتصاد السوري ومفتاح انفتاحه بحريًا، ففيه يقع ميناء اللاذقية، أكبر مرافئ سوريا التجارية على البحر المتوسط، يليه ميناء طرطوس كثاني أكبر الموانئ.
يُعد ميناء اللاذقية ميناء سوريا الأول لخدمات الشحن البحري التجاري وسفن الصيد، والذي يختص بنشاط تجاري كثيف يشمل تصدير المنتجات الزراعية (خاصة الحمضيات والفواكه) والمواد الخام والنفطية، ويعد مركزاً رئيسياً لحركة الحاويات والتجارة البحرية.

ويليه ميناء طرطوس، وهو واجهة بحرية لسوريا ومنطقة شرقي المتوسط في تجارة الترانزيت، أيضًا يشتهر بدوره في تصدير الحبوب والبضائع العامة واستيراد احتياجات البلاد، وكان قبل اندلاع الحرب في عام 2011 محطة مهمة لنقل إمدادات القمح والمواد الاستراتيجية.
كما يمثل ميناء بانياس الميناء السوري الرئيسي لتصدير النفط إلى الخارج.
وينتعش في منطقة الساحل اقتصاد الخدمات بسبب وجود الموانئ، فتنشط فيه عمليات اقتصادية متعددة، مثل تخليص البضائع من المرافئ وخدمات الترانزيت والنقل عبر السكك الحديد والنقل البري.
إمكانات بترولية
أجريت عدة مسوح زلزالية قبالة الساحل السوري في الأعوام 1975و 2003 و2005، وخلصت معظم هذه المسوح إلى الأهمية البترولية للمناطق البحرية الواقعة ضمن “المياه الاقتصادية السورية”.
كما كشف رصد الأقمار الصناعية عن تسربات بترولية (نفطية وغازية) في عرض البحر قبالة السواحل السورية، وكذلك على اليابسة قرب مدينة اللاذقية.

وفي عام 2009، بعد أن حفرت الشركة السورية للنفط “بئر اللاذقية-4” أثبت وجود نظام بترولي تحت قاع البحر التي يهاجر جزء منها إلى الأجزاء الأعلى اليابسة.
تشير نتائج المسوحات الزلزالية قبالة الساحل السوري، إلى جانب نتائج الآبار التي حفرتها الشركة السورية للنفط على اليابسة بالقرب من خط الساحل، إلى إمكانات واعدة في “المياه الاقتصادية السورية”، كما أن هناك مؤشرات مشجعة، حيث قدرت الهيئة الجيولوجية الأميركية احتياطيات الغاز في المياه السورية بحوالي 700 مليار متر مكعب.
الصناعة والزراعة
إلى جانب الموانئ، يحتضن الساحل مناطق صناعية حيوية، أبرزها مصفاة بانياس النفطية، التي تبلغ طاقتها ما بين 90 ألفاً و100 ألف برميل من الخام يومياً، والتي تؤمن المشتقات النفطية للساحل والمناطق الغربية.
كما توجد محطات توليد كهرباء مرتبطة بالمصفاة، ومجمعات صناعية (كمعامل الأسمدة في جبلة)، ومواقع سياحية عديدة على امتداد الشريط الساحلي، شكلت قبل عام 2011 مقصداً للمصطافين ومورداً للدخل السياحي.

لعب الساحل دورًا اقتصاديًا متقدمًا بفضل تربته الخصبة ومناخه المعتدل أيضًا، حيث تنتشر فيه زراعة الحمضيات، الزيتون، والخضروات، وتعد اللاذقية عاصمة الحمضيات السورية ومركز تصديرها التقليدي عبر الميناء إلى الأسواق الخارجية.
حتى عندما اندلعت الحرب وتضررت اقتصاديات المدن الداخلية، حافظ الساحل نسبيًا على جزء من نشاطه الاقتصادي لسيطرة النظام عليه وجلب حلفائه الخارجيين، الروس والإيرانيين، بشكل كبير.
تضرر الساحل السوري بفعل الحرب
عندما ازداد جيش النظام البائد ضعفًا وخسر الكثير من مواقعه، أرسلت روسيا قواتها إلى الساحل عام 2015، بعد أن كانت لا ترسل سوى مستشارين عسكريين وموظفين فنيين لدعم جيش النظام.
ومع ذلك، لم يكن الساحل بمنأى عن التأثر، فقد عانى بعد انهيار الاقتصاد الوطني عمومًا نتيجة الحرب والعقوبات، فتراجعت حركة الموانئ بسبب الأخطار الأمنية وتوقف العديد من خطوط الملاحة الدولية، بفعل العقوبات الغربية المفروضة على نظام الأسد.

كما انخفض الإنتاج الزراعي بسبب رحيل المزارعين ونزوحهم أو تضرر البنى التحتية، وتراجع قطاع السياحة الساحلية إلى حد كبير نتيجة الأوضاع الأمنية.
رغم ذلك، تعزز دور موانئ الساحل خلال الحرب كمعابر أساسية لواردات سوريا في ظل تعطل المعابر البرية مع العراق، الأردن، وتركيا، فاعتمد النظام على مينائي اللاذقية وطرطوس لاستقبال الإمدادات الروسية والإيرانية الحيوية.
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل
- پرونده قضایی برای مسابقه دو زنان در تهران؛ چالش ادامهدار پوشش اختیاری

