مع سقوط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي، شهدت الساحة السورية تحوّلات جذرية لم تقتصر على الفراغ السياسي، بل فاقمت أيضا التحديات الأمنية، أبرزها، مؤخرا، عودة “داعش” وتصاعده ميدانيا، بما يؤكد أنه يتحين الفرصة لإعادة ترتيب صفوفه والانقضاض على المشهد من جديد.
ووفقا لما نقلته وكالة “رويترز” اليوم الخميس، عن أكثر من 20 مصدرا — بينهم مسؤولون أمنيون وسياسيون من سوريا والعراق والولايات المتحدة وأوروبا — فإن “داعش” بدأ بالفعل بإعادة تنشيط مقاتليه في البلدين، وتحديد أهداف جديدة، وتوزيع الأسلحة، وتكثيف عمليات التجنيد والدعاية.
كما ويشعر بعض المسؤولين المحليين والأوروبيين بالقلق من احتمال سفر مقاتلين أجانب إلى سوريا للانضمام إلى الجماعات الجهادية، مثل “داعش”.
وللمرة الأولى منذ سنوات، رصدت أجهزة الاستخبارات عددا صغيرا من المشتبه بهم من المقاتلين الأجانب القادمين من أوروبا إلى سوريا في الأشهر الأخيرة، وفقا لمسؤولين أوروبيين لـ”رويترز“، إلا أنهما لم يتمكنا من تحديد ما إذا كان تنظيم “داعش” أو جماعة أخرى هي التي جنّدتهم.
“داعش” ينشط مقاتليه في سوريا والعراق
وبالفعل، حذر قادة في الشرق الأوسط ودبلوماسيون غربيون من أن تنظيم “داعش” يسعى لاستغلال الفوضى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، لاستعادة حضوره في سوريا والعراق، حيث سبق أن فرض حكما إرهابيا على ملايين السكان، وفق “رويترز”.

ورغم أن هذه التحركات ما زالت محدودة التأثير حتى الآن، يؤكد ضباط أمن في سوريا والعراق، ممن راقبوا التنظيم لسنوات، أنهم أحبطوا ما لا يقل عن 12 مخططا رئيسيا خلال العام الجاري.
ومن بين أبرز هذه المحاولات، ما جرى في كانون الأول/ديسمبر الماضي، بالتزامن مع سقوط نظام الأسد، أرسل قادة “داعش” المتمركزون قرب الرقة مبعوثين إلى العراق، محمّلين بتعليمات شفهية لتفعيل خلايا التنظيم هناك، بحسب ما ذكره خمسة مسؤولين في مكافحة الإرهاب العراقية لـ”رويترز”. وأضاف المسؤولون أنه أُلقي القبض عليهما عند نقطة تفتيش أثناء تنقلهما في شمال العراق في 2 كانون الأول/ديسمبر.
وبعد 11 يوما، تمكنت قوات الأمن العراقية، بناءً على معلومات من المبعوثين، بتعقب انتحاري يُشتبه بانتمائه لتنظيم “داعش” إلى مطعم مزدحم في بلدة داقوق الشمالية باستخدام هاتفه المحمول. وأضافت أن القوات أطلقت النار على الرجل وأردت الرجل قتيلا قبل أن يتمكن من تفجير حزامه الناسف.
وقال العقيد عبد الأمير البياتي من الفرقة الثامنة المنتشرة في المنطقة، أن الهجوم المُحبط أكد شكوك العراق بشأن التنظيم. وأضاف: “بدأت عناصر (داعش) تنشط من جديد بعد سنوات من الاختفاء، مدفوعة بالفوضى في سوريا”.
ورغم هذه التحذيرات، تُظهر البيانات أن نشاط التنظيم الإرهابي ما يزال دون مستويات السنوات الماضية منذ سقوط نظام الأسد.
“تبني 38 هجوما”
في السياق ذاته، أعلن “داعش” مسؤوليته عن 38 هجوما في سوريا منذ بداية عام 2025 وحتى نهاية أيار/مايو، ما يشير إلى مسار يُتوقع أن يبلغ قليلا فوق 90 هجوما خلال العام، وفقا لمجموعة “سايت” للاستخبارات، التي تراقب أنشطة المتشددين على الإنترنت. وهو رقم يُمثّل نحو ثلث عدد هجمات العام الماضي.
وفي العراق، حيث نشأ تنظيم”داعش”، أعلن التنظيم مسؤوليته عن أربع هجمات في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، مقابل 61 هجوما إجماليا في العام الماضي.
وقالت “رويترز” خلال تقريرها الحديث، إن “الحكومة السورية، بقيادة الزعيم الإسلامي الجديد أحمد الشرع، لم ترد على الاستفسارات المتعلقة بأنشطة تنظيم (داعش)”.

في المقابل، صرّح وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة لـ”رويترز” في كانون الثاني/يناير أن “سوريا تطوّر قدراتها في جمع المعلومات الاستخباراتية، وأن الأجهزة الأمنية مستعدة للتصدي لأي تهديد محتمل”.
وقال مسؤول دفاعي أميركي ومتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي إن فلول تنظيم “داعش” في سوريا والعراق ضعفت بشكل كبير، وأصبحت غير قادرة على السيطرة على الأراضي منذ أن طردهم “التحالف الدولي” الذي تقوده الولايات المتحدة وشركاؤه المحليون من معقلهم الأخير في عام 2019.
استغلال الفراغ الأمني
وقال المتحدث باسم الجيش العراقي صباح النعمان إن العمليات الاستباقية هي التي ساعدت في إبقاء التنظيم تحت السيطرة.
وبعد سقوط الأسد، قصف “التحالف الدولي” وشركاؤه مخابئ عناصر مسلحة ينتمون لـ”داعش” بغارات جوية. وأوضح نعمان، وفق “رويترز” أن هذه العمليات أسفرت عن اعتقال أو قتل “عناصر إرهابية”، ومنعتهم من إعادة تنظيم صفوفهم وتنفيذ عمليات.
وأضاف أن العمليات الاستخباراتية العراقية أصبحت أكثر دقة من خلال الطائرات بدون طيار وغيرها من التقنيات.
في ذروته بين عامي 2014 و2017، سيطر تنظيم “داعش” على ما يقرب من ثلث سوريا والعراق. وفي هذا الصدد لم يرَ أيٌّ من المسؤولين الذين تحدثوا إلى “رويترز” خطرا من تكرار ذلك. لكنهم حذروا من التهاون مع التنظيم، قائلين إنه أثبتت أنه “عدوٌّ صامد، بارعٌ في استغلال الفراغ“.
تداعيات الانسحاب الأميركي
زاد الانسحاب الأميركي من سوريا والعراق من مخاوف الحلفاء من أن “داعش” قد يجد طريقة لتحرير نحو 9000 مقاتل وأفراد عائلاتهم، بمن فيهم أجانب، محتجزين في سجون ومعسكرات تحرسها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، المدعومة من الولايات المتحدة والتي يقودها الأكراد. وأفادت هذه القوات بوقوع محاولتي هروب على الأقل من السجون منذ سقوط الأسد.
يريد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان أن تتولى سلطة الشرع مسؤولية هذه السجون والمخيمات.
وفي هذا الإطار، قال تشارلز ليستر، رئيس برنامج سوريا في معهد الشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث أميركي: “الحكومة المؤقتة مرهقة أمنيا. فهي ببساطة لا تملك القوة البشرية الكافية لترسيخ سيطرتها على كامل البلاد”.

وردا على طلب التعليق، قال متحدث باسم وزارة الخارجية إنه من الأهمية بمكان أن تعيد الدول مواطنيها المحتجزين من سوريا وتتحمل حصة أكبر من العبء المتعلق بأمن المخيمات وتكاليف تشغيلها، وفق “رويترز”.
وقال مسؤول الدفاع الأميركي إن واشنطن لا تزال ملتزمة بمنع عودة “داعش”، وإن شركائها السوريين الذين تم التحقق من هويتهم لا يزالون في الميدان. وأضاف أن الولايات المتحدة ستراقب بيقظة سلطة الشرع، التي “تقول وتفعل الصواب” حتى الآن.
من المتوقع أن يُنهي “التحالف الدولي” عملياته في العراق بحلول أيلول/سبتمبر. لكن المسؤول الأميركي الثاني صرّح بأن بغداد أبدت، سرا، اهتمامها بإبطاء انسحاب نحو 2500 جندي أميركي من العراق عندما اتضح أن الأسد على وشك السقوط. وأكد مصدر مطلع على الأمر هذا الطلب.
إعادة تنشيط الخلايا النائمة
تُقدّر الأمم المتحدة أن تنظيم “داعش” لديه ما بين 1500 و3000 مقاتل في سوريا والعراق. لكن بيانات موقع “سايت” تُظهر أن أنشط فروعه موجودة في إفريقيا.
ويعتقد الجيش الأميركي أن الزعيم السري للمجموعة هو عبد القادر مؤمن، الذي يرأس فرع الصومال، بحسب ما قاله مسؤول دفاعي كبير للصحافيين في نيسان/أبريل.
مع ذلك، حذرت ريتا كاتز، مديرة موقع “سايت”، من اعتبار انخفاض هجمات داعش في سوريا علامة ضعف. وقالت: “الأرجح أنها دخلت مرحلة إعادة صياغة استراتيجيتها”.
وقال ثلاثة مصادر أمنية وثلاثة مسؤولين سياسيين سوريين لـ”رويترز” إنه منذ سقوط الأسد يعمل تنظيم “داعش” على تنشيط خلايا نائمة ومراقبة أهداف محتملة وتوزيع أسلحة وكواتم صوت ومتفجرات.
كما نقل التنظيم مقاتلين من الصحراء السورية (البادية السورية) التي كانت محورا لضربات “التحالف الدولي”، إلى مدن منها حلب وحمص ودمشق، بحسب مصادر أمنية.

وفي العراق، قال علي السعيدي، مستشار قوات الأمن العراقية، لـ”رويترز” إن المراقبة الجوية ومصادر الاستخبارات على الأرض رصدت نشاطا متزايدا لـ “داعش” في جبال حمرين الشمالية، التي كانت ملاذا له منذ فترة طويلة، وعلى طول الطرق الرئيسية.
ويعتقد مسؤولون عراقيون أن تنظيم “داعش” استولى على كميات كبيرة من الأسلحة التي خلفتها قوات الأسد، ويخشون أن يتم تهريب بعضها إلى العراق.
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟
- دراسة: “داعش” يغير نمط تهديده في سوريا بعد سقوط الأسد

