في ظل محاولات سوريا لالتقاط أنفاسها والبدء بمسار تعافٍ اقتصادي بعد نحو عقد ونصف من الحرب، جاء التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل ليلقي بظلال ثقيلة على المشهد السوري، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
وعلى الرغم من أن الضربات المتبادلة بين طهران وتل أبيب تُعد جزءًا من صراع إقليمي مزمن، فإن تداعياتها قد لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تهدد المكتسبات الاقتصادية الهشة التي بدأت تظهر في البلاد، خاصة بعد صدور قرارات برفع بعض العقوبات الغربية المفروضة على دمشق، وهو ما أنعش آمال السوريين بإمكانية الخروج من نفق الأزمة المظلم.
العودة إلى نقطة الصفر
شهدت سوريا في الأسابيع الماضية مؤشرات طفيفة على تحسّن اقتصادي، تجلى أبرزها في ارتفاع نسبي لقيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، خصوصًا عقب إعلان الولايات المتحدة وأوروبا عن تخفيف بعض العقوبات، كما بدأت حركة التجارة بالتحسن بعد فتح قنوات تجارية مع دول الجوار مثل تركيا والأردن، ما ساهم في تنشيط الأسواق وتحقيق انفراجة محدودة في بعض القطاعات.
غير أن هذا التحسن لا يزال هشًا، ويواجه تهديدًا وجوديًا نتيجة التصعيد الإقليمي، والذي إن استمرّ، قد يعيد البلاد إلى نقطة الصفر أو أسوأ منها.

ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فإن سوريا تواجه تحديات عميقة بعد سنوات من الحرب التي ألحقت دمارًا واسعًا بالبنية التحتية وأضعفت مؤسسات الدولة، إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة حادة، وارتفعت معدلات الفقر، وأصبحت نحو 90 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر ويعتمدون على المساعدات الإنسانية.
في هذا السياق، حذّر الخبير الاقتصادي والمصرفي، إبراهيم قوشجي، من أن استمرار التوتر العسكري بين إيران وإسرائيل ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وخطيرة على سوريا، موضحًا أن من أبرز هذه التداعيات ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وهو ما سيتسبب في ضغط كبير على الميزانية السورية، التي تعاني أساسًا من العجز، بسبب اعتماد البلاد شبه الكامل على استيراد المشتقات النفطية.
تداعيات محتملة
أضاف الخبير الاقتصادي، أن أي زيادة في أسعار النفط أو الغاز ستُترجم فورًا إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، لا سيما في قطاعات النقل والصناعة والزراعة، مما يؤدي إلى موجة جديدة من التضخم، يصعب احتواؤها في المدى المنظور، ويزيد من الأعباء على المواطنين.
سلاسل الإمداد والتوريد التي تعتمد عليها سوريا لاستيراد السلع الأساسية قد تتعرض للانقطاع في حال اندلاع مواجهة إقليمية شاملة، مما سيؤثر على الأمن الغذائي الداخلي، خاصة في ظل تراجع العرض وارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية.
الخبير الاقتصادي والمصرفي، إبراهيم قوشجي
وفيما يخص الاستثمارات، شدّد على أن عدم الاستقرار الإقليمي يمثل أحد أبرز العوامل الطاردة لرؤوس الأموال الأجنبية، ما يعطّل خطط إعادة الإعمار ويقلل من فرص تحريك عجلة الاقتصاد.
وأشار قوشجي إلى أن سوريا تُعوّل على العودة إلى نظام “سويفت” المالي لجذب الاستثمارات وتحقيق استقرار نقدي، ضمن خطة حكومية تتضمن فرصًا استثمارية تُقدّر بـ400 مليار دولار، منها 250 مليار دولار لإعادة الإعمار، وفق البنك الدولي. لكن هذه الطموحات تصطدم بواقع متقلّب قد يثني المستثمرين عن المجازفة في بيئة غير مستقرة سياسيًا وأمنيًا.
تداعيات مباشرة وغير مباشرة
فيما حذّر الخبير والباحث الاقتصادي، يحيى السيد عمر، من التداعيات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة التي قد تنتج عن التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل، مشيراً إلى أن هذا التوتر الإقليمي، وإن كان عسكرياً في جوهره، إلا أن له امتدادات اقتصادية عميقة قد تطال المنطقة والعالم بأسره، خاصة في ظل حساسية المنطقة من حيث تمركز أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة.
وأشار السيد عمر إلى أن السيناريو الأخطر يتمثل في لجوء إيران إلى تنفيذ تهديدها بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد من أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط، حيث تمرّ عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية.

وأكد أن أيّ تعطيل لحركة الملاحة في هذا المضيق سيؤدي إلى اضطرابات شديدة في سلاسل التوريد العالمية، ويرفع أسعار النفط والغاز لمستويات قياسية، وهو ما سيتسبب بدوره في موجة تضخمية جديدة على مستوى العالم، تزيد من الضغوط على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، خاصة في أوروبا وآسيا، التي لا تزال تكافح للتعافي من آثار أزمات سابقة.
وحول تأثير التصعيد على سوريا، أوضح السيد عمر أن الاقتصاد السوري لا يتمتع بارتباط وثيق بالأسواق العالمية أو الإقليمية نتيجة لعزلته الاقتصادية الطويلة، غير أن التأثيرات غير المباشرة تبقى قائمة، وإن كانت محدودة في الوقت الراهن.
الخطر الأكبر
أشار إلى أن التراجع الأخير في قيمة الليرة السورية لا يمكن اعتباره مؤشراً جديداً ناتجاً عن التوترات الأخيرة، بل هو استمرار لحالة التذبذب التي تعاني منها العملة الوطنية، ولا يتوقع حدوث انهيار كبير في المدى القريب ما لم تتفاقم الأزمة الإقليمية بصورة حادة.
وفي اليوم الأول للتصعيد الإيراني الإسرائيلي سجلت الليرة السورية تراجعاً أمام سعر صرف الدولار في تداولات السبت 14 حزيران/ يونيو، ووصل سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية 11,598 شراء ة 11,719 مبيع بحسب موقع “الليرة اليوم”، بعد أن كان مستقرًا عند 9,300 ليرة للدولار الواحد.
أي تعطيل لحركة التجارة في الخليج العربي، قد يكون لها انعكاسات مؤلمة على الاقتصاد السوري، نظراً لاعتماد البلاد الكبير على الاستيراد، لا سيما فيما يتعلق بالمشتقات النفطية والسلع الغذائية.
الخبير والباحث الاقتصادي، يحيى السيد عمر
وأكد أن أيّ ارتفاع في الأسعار العالمية سينعكس بشكل مباشر على السوق المحلية، من خلال زيادة تكلفة السلع الأساسية، ما سيُضعف القدرة الشرائية للمواطنين ويُفاقم من معدلات التضخم، التي تعاني أساساً من مستويات مرتفعة وغير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.
واختتم السيد عمر حديثه بالتأكيد على أن الخطر الأكبر يتمثل في تصاعد الضغوط المعيشية على المواطنين، في ظل غياب قدرة الدولة على التدخل أو اتخاذ إجراءات فعالة لاحتواء تداعيات الأزمات الخارجية، وهو ما يجعل من أيّ تصعيد إقليمي بمثابة عبء إضافي يثقل كاهل الاقتصاد الوطني ويهدد استقراره الهش.
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام

