تصعيد “حوثي” على أكثر من جبهة.. هل تمهّد الجماعة لحرب إيرانية بالوكالة؟

في الوقت الذي تبدو فيه الهدنة الأممية في اليمن حبراً على ورق، عادت جماعة "الحوثي" لتفرض معادلتها الخاصة على الأرض. تعزيزات عسكرية تتدفق إلى جبهات القتال، وعمليات أمنية تطال مدنيين في مناطق خاضعة لسيطرتها، وتحركات متسارعة تتقاطع مع توقيت إقليمي بالغ الخطورة.  
في الوقت الذي تبدو فيه الهدنة الأممية في اليمن حبراً على ورق، عادت جماعة "الحوثي" لتفرض معادلتها الخاصة على الأرض. تعزيزات عسكرية تتدفق إلى جبهات القتال، وعمليات أمنية تطال مدنيين في مناطق خاضعة لسيطرتها، وتحركات متسارعة تتقاطع مع توقيت إقليمي بالغ الخطورة.  

في الوقت الذي تبدو فيه الهدنة الأممية في اليمن حبراً على ورق، عادت جماعة “الحوثي” لتفرض معادلتها الخاصة على الأرض. تعزيزات عسكرية تتدفق إلى جبهات القتال، وعمليات أمنية تطال مدنيين في مناطق خاضعة لسيطرتها، وتحركات متسارعة تتقاطع مع توقيت إقليمي بالغ الخطورة.    

وكانت الجماعة “الحوثية” قد كثّفت هذه المرة، من تحشيد قواتها نحو أكثر من جبهة استراتيجية، فيما يبدو أنها عودة لتصعيد عسكري واسع، يحمل مؤشرات على مرحلة دموية قادمة.  

وتؤكد مصادر عسكرية، أن جماعة “الحوثي” دفعت بتعزيزات بشرية ومعدات ثقيلة إلى عدة محاور، تشمل جنوب محافظة الحديدة، ومناطق التماس شمال وشرق محافظة مأرب، إلى جانب تحركات عسكرية على تخوم محافظة لحج جنوب البلاد.   

فهل نحن أمام تصعيد داخلي خالص؟ أم أن الجماعة التابعة لإيران في اليمن، تمهّد لجولة صراع جديدة بالوكالة، في ظل احتدام المواجهة الصامتة بعد ضرب العمق الإيراني واستهداف برنامجها النووي من قبل أميركا وإسرائيل؟ 

تصعيد عسكري يتخطى الهدنة المزعومة 

تزامنت هذه التحركات مع هجمات خاطفة شهدتها جبهة “علَب” في محافظة صعدة الحدودية، سقط خلالها أكثر من 27 مسلحا من جماعة “الحوثي”، في مواجهات مع قوات الحكومة الشرعية، وفق مصدر عسكري.  

ويأتي هذا التصعيد، في وقت يفترض أن الهدنة التي ترعاها الأمم المتحدة، منذ نيسان/ أبريل 2022 لا تزال قائمة، لكن الواقع الميداني يشير إلى تصعيد يتجاوز منطق التهدئة.

فرار عنصر حوثي بإحدى المعارك في مأرب

وبحسب تقرير حديث لوكالة الأنباء “هاوار“، فإن جماعة “الحوثي” تخطط لعزل مدينة مأرب من أكثر من محور، بذريعة إطلاق سراح القيادي القبلي محمد الزايدي المعروف بولائه لجماعة “الحوثي”، والذي اعتقلته قوات الحكومة الشرعية في منفذ صرفيت بمحافظة المهرة، وقيام أتباعه بمهاجمة القوات الحكومية، وقتل اثنين من ضباطها.  

وكان مصدر عسكري بوزارة الدفاع اليمنية، قد طلب من جميع السكان تجنب استخدام الطرق الصحراوية بين محافظات الجوف ومأرب وحضرموت، كونها منطقة عمليات عسكرية لقوات الجيش والأمن التي تعمل على تأمين المنطقة، ما يٌظهر بوضوح الطابع العسكري المتصاعد، الذي تتخذه الجماعة “الحوثية”، والاحترازات التي تتخذها الحكومة الشرعية.

وفي تصريح خاص لـ”الحل نت”، يرى الخبير العسكري علي الذهب، أن تحركات جماعة “الحوثي” لا تنحصر فقط في الجبهات القتالية، بل تترافق مع عمليات أمنية واسعة فيما يسميه بـ”المناطق الرخوة أمنيا واجتماعيا”، مثل صعدة، والحديدة، والمناطق الممتدة من تعز إلى إب فالبيضاء ومأرب.  

انتهاكات متواصلة ضد المدنيين  

وبالتزامن مع الحشود العسكرية التي تدفع بها جماعة “الحوثي” إلى جبهات القتال الداخلية، تشهد محافظات إب والبيضاء وتعز، موجة انتهاكات عنيفة وعمليات اعتقال جماعية بحق المدنيين.

اشباكات بين قوات الحكومة اليمنية وميليشيا جماعة الحوثي بإحدى جبهات القتال

وتشير هذه الانتهاكات بوضوح إلى أن جماعة “الحوثي” لا تكتفي بالتحركات العسكرية، بل تٌمارس قبضة أمنية استباقية في المناطق التي تخشى فيها أي تحرك مناهض لها من الداخل.   

وفي هذا الشأن، يؤكد الذهب، “هذه المناطق مرشحة لتكون بيئةً لخلق تهديدات جدية من شأنها تقويض سلطة الجماعة، لذلك هي تعمل على قمعها بشراسة عبر الاعتقالات الواسعة والعنف المفرط”.  

وتكشف هذه الحملات عن سياسة قمعية، تسعى من خلالها الجماعة إلى تحصين جبهتها الداخلية أثناء انشغالها بفتح جبهات خارجية، بما يعكس استعدادها لهجوم لا يقتصر على المعارك العسكرية، بل يشمل تفكيك أي حراك مجتمعي قد يٌفشل خططها.  

ما موقع إيران من التصعيد “الحوثي”؟  

“التحركات الحوثية لا تنفصل عن الرادار الإيراني، الجماعة تتحرك حيث تريد طهران، وفي التوقيت الذي يخدم مصالحها”

عبد الستار الشميري، محلل سياسي يمني، لـ”الحل نت”

ومن غير الممكن قراءة تحركات جماعة “الحوثي” الأخيرة بمعزل عن السياق الإقليمي، لا سيما في ظل التصعيد بين إيران وإسرائيل على خلفية السلاح النووي الإيراني.

عناصر حوثية

المحلل السياسي عبد الستار الشميري، يربط هذه التحركات مباشرة باحتياجات طهران، إذ يقول في تصريح خاص لـ”الحل نت”، بأن تحرك جماعة “الحوثي” ليس مستقلا، ولا يمكن حسابه على تحسين شروط الجماعة، وإنما يمكن فهمه وقياسه على سياق “الاحتياجات الإيرانية”.   

ويتابع الشميري “إيران بحاجة الآن لأن تقول إن لديها أدوات ضغط ما زالت فعّالة، يمكنها تحريكها، والحوثيون يؤدون هذا الدور بوضوح”.  

ويؤكد السياسي اليمني، أن الهدف هو تحسين شروط التفاوض الإيراني مع الغرب، خاصة فيما يخص الإفراج عن الأموال المجمدة أو تخفيف العقوبات عليها.  

هل عاد خيار الحسم العسكري إلى الواجهة؟  

بالتوازي مع الحشد “الحوثي”، تحذر قيادات عسكرية من أن هذه التحركات قد تٌقابل برد إقليمي أو دولي واسع، خصوصاً مع فشل كافة المسارات التفاوضية حتى الآن.

رتل عسكري تابع للقوات الحكومية في إحدى جبهات مدينة مأرب الغنية بالنفط

الخبير العسكري علي الذهب، يؤكد أن المخاوف “الحوثية” من تكرار سيناريو سوريا، بعد سقوط نظام بشار الأسد، تدفع الجماعة نحو استباق الأحداث وتعزيز وجودها ميدانياً.   

ويضيف “هناك تحركات دولية وإقليمية قد تٌفضي إلى ضربات أوسع، سواء بالتعاون مع الحكومة الشرعية، أو عبر عمليات خاطفة كما حدث في لبنان ضد حزب الله”.  

أما قدرة الحكومة الشرعية على مجابهة هذا التصعيد، فيراها الذهب، غير كافية ذاتيا، في ظل استمرار التفكك داخل هياكلها العسكرية والأمنية.

ويوضح “لا تزال الحكومة تعاني من غياب التنسيق وتبادل المعلومات، وهي بحاجة ماسة إلى دعم حلفائها السابقين بالتحالف العربي وأيضا الولايات المتحدة الأميركية”.  

وفي هذا السياق أيضا، يشير المحلل السياسي عبد الستار الشميري، إلى تحول في الرؤية الأميركية للتعامل مع جماعة “الحوثي”، “لا توجد تفاهمات معلنة أو غير معلنة مع الوسطاء الدوليين، هناك إجماع على أن الحوثي جماعة إرهابية”.

كما أن هناك قراءة أميركية مختلفة الآن، تقول إن “التعامل مع الحوثي ينبغي أن يكون عسكرياً بالتعاون مع إسرائيل”، حد تعبيره.  

تهديدات بعودة عسكرة البحر الأحمر  

ويتقاطع التصعيد الميداني من قبل “الحوثي” مع عودة الجماعة لإطلاق التهديدات في البحر الأحمر، ضمن ما تسميه بـ”المرحلة الرابعة من الحصار البحري” ضد إسرائيل.   

وفي السياق، أعلنت الجماعة قبل أيام، نيتها استهداف أي سفينة تتبع شركات تتعامل مع الموانئ الإسرائيلية، بغض النظر عن جنسيتها أو وجهتها.

ويٌعد هذا التطور، مؤشرا خطيرا على نية الجماعة مواصلة عسكرة البحر الأحمر، في وقت يرى فيه مراقبون أن هذه التهديدات منحت مبررا لدخول قوى أجنبية جديدة إلى المنطقة.  

وفي هذا الصدد، يحذر الشميري من أن “عسكرة البحر الأحمر أصبحت واقعا ملموسا، وفتحت الباب لإسرائيل للدخول تحت هذا المبرر، كما أباحت الأجواء العربية لهذا التواجد”.   

ويشير إلى أن إيران تحاول أن تستنزف الآخرين خارج نطاق أرضها، عبر جماعة “الحوثي”، بعد ضعف حزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد في سوريا.  

خيارات الشرعية.. إلى أين تشير الخارطة؟ 

في ظل هذا التصعيد، تبقى خيارات الحكومة الشرعية محدودة جداً دون دعم مباشر، فبحسب الخبير علي الذهب، هناك مؤشرات على تحركات أممية ودولية محدودة، لكنها ليست كافية.

رتل عسكري للقوات الحكومية

ويؤكد أن أي مواجهة قادمة تتطلب إسنادا عسكريا واستخباراتيا من الحلفاء الإقليميين والدوليين، وإلا فإن تصعيد جماعة “الحوثي” سيستمر، وربما يتوسع ليشمل مناطق جديدة.  

وفي ظل هذا الصمت الإقليمي، يرى عبد الستار الشميري أن الإقليم رفع يده من موضوع دعم الحكومة الشرعية عسكريا، والموقف الدولي من التصعيد “الحوثي” معزول تماما.   

ويلفت إلى عدم وجود أي دور أوروبي واضح في الوقت الراهن، حيث “تبقى الولايات المتحدة الاميركية هي اللاعب الوحيد حتى الآن”.  

وتشير تحركات جماعة “الحوثي” الأخيرة إلى أن الجماعة لا تنوي التراجع، بل تندفع نحو مزيد من التصعيد لتحقيق مكاسب سياسية لإيران، وتوسيع نفوذها الميداني داخل اليمن.   

هذا التصعيد غير المسبوق، إن لم يقابل بتحرك محلي وإقليمي ودولي جاد، قد يهدد ما تبقى من الهدنة الهشة، ويعيد البلاد إلى مربع الصراع المفتوح.

كما أن هذا التصعيد، وما رافقه من تحشيد عسكري وأمني، لا يبدو معزولاً عن التحولات الإقليمية، ولا عن إيقاع السياسة الإيرانية، التي تبحث عن أوراق ضغط جديدة في أكثر من ملف.  

وفي ظل عجز الحكومة الشرعية عن المواجهة منفردة، وغياب موقف دولي حازم، يبدو أن جماعة “الحوثي” تمضي بثبات نحو إعادة إشعال الجبهات، وتوسيع نفوذها، ليس داخل اليمن وحسب، بل وفي المحيط الإقليمي أيضاً.

أسامة عفيف

أسامة عفيف

صحفي، محرر الشأن اليمني لدى "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم