خلال الأشهر السبعة الأولى فقط التي تلت سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر من العام الفائت وحتى تموز/يوليو الفائت قتل في سوريا ما لا يقل عن ثمانية آلاف شخص في ظروف مختلفة ومتباينة حسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، وفي تفصيل عمليات القتل أفاد المرصد بأنّ الحصيلة كانت على الشكل التالي:
منذ 8 كانون الأول/ديسمبر وحتى نهاية 2024: 2354 ضحية، بينهم 1894 مدنياً (1839 رجلاً، 21 سيدة، 34 طفلاً) و460 غير مدنيين.
كانون الثاني/يناير 2025: 1122 ضحية، بينهم 679 مدنياً (480 رجلاً، 146 سيدة، 53 طفلاً) و443 غير مدنيين.
شباط/فبراير 2025: 603 ضحية، بينهم 435 مدنياً (347 رجلاً، 46 سيدة، 42 طفلاً) و168 غير مدنيين.
آذار/مارس 2025: 2644 ضحية، منهم 2069 مدنياً (1828 رجلاً، 144 سيدة، 97 طفلاً) و575 غير مدنيين.
نيسان/أبريل 2025: 452 ضحية، بينهم 352 مدنياً (287 رجلاً، 40 سيدة، 25 طفلاً) و100 غير مدنيين.
أيار/مايو 2025: 428 ضحية، منهم 295 مدنياً (227 رجلاً، 19 سيدة، 49 طفلاً) و133 غير مدنيين.
حزيران/يونيو 2025: 391 ضحية، منهم 360 مدنياً (304 رجلاً، 31 سيدة، 25 أطفال) و31 غير مدنيين.
حتى السابع من تموز/يوليو: 73 ضحية، منهم 66 مدنياً (57 رجلاً، 4 سيدة، 5 أطفال) و7 غير مدنيين.
في حين أنّ هذه الإحصائية لم تشمل عدد قتلى معارك الجنوب السوري في السويداء من الدروز والقوات الحكومية والعشائر والتي بلغت خلال نحو عشرة أيام اعتباراً من الأسبوع الثاني من تموز/يوليو نحو 1400 قتيل، بينهم 386 مدنياً منهم 238 أعدموا ميدانيا. بحسب توثيقات المرصد ومطابقة أرقامه على الأرض مع فعاليات مجتمعية ومنظمات حقوقية.
وبذلك يصبح مجموع القتلى في سوريا أقل من 10 آلاف شخص بقليل في ظرف زمني بسيط، وهو ما يستدعي قرع جرس التنبيه والوقوف على أسباب تكرار مجازر وحالات القتل والتصفية والإعدام الميداني خارج ضوابط القانون والعدالة والدولة نفسها، وهو – أي الرقم – لم يسجل حتّى في سنوات الصراع الأخيرة في سوريا، خلاف السنوات الأولى والوسطى من بداية الاحتجاجات والتي كانت مشتعلة بالعمليات العسكرية قبل مسارات سوتشي 2018 وأستانا 2017 وركون الجبهات إلى حدٍّ بعيد.
المربع الأول
تعداد القتلى هذا يعيد سوريا في مكان إلى مربع صراعها الأول حين الحديث عن أكثر من ألف قتيل شهرياً، مضافاً إليهم حالات التغييب القسري واختطاف النساء، ليكون الرقم الكلي بحدّ ذاته لافتاً ومنذراً بأخطار جمّة خاصةً أنّه غير مرتبط بمعارك عسكرية تقليدية تخوضها جيوش منظمة مدعومة بحلفاء عسكريين أو ميليشيات مقاتلة ويظهر معها مدى الأثر الفعلي لسلاح الجوفضائي في رفع نسبة الضحايا كما كان الحال إبان التدخل الروسي أواخر عام 2015 لصالح نظام الأسد، اليوم يمكن القول بعد انتفاء الفرضية السابقة أنّ هذه الأحداث مبنية على فوضى منظمة لم يتمكن أحد من وضع حدود لها أو هي حالة فلتان أمني واسع لا زال من الصعب تداركه.
بتفنيد الأرقام يتضح أنّ هناك سياقات مختلفة لعمليات القتل والتي تتراوح ما بين الخطف والتصفية والإعدام الميداني والثأر والانتقام والجرائم الطائفية والاغتيالات وحملات التطهير العرقي (الساحل – السويداء – عشائر البدو) وكذلك الاقتتال المحدود بين خلايا فصائل مسلحة سابقة، وضربات لعناصر متطرفة، وقمع نسبي من قبل السلطات المحلية للمواطنين، أو من قبل موالي تلك السلطات، وكل ذلك خارج القانون بطبيعة الحال، ولأنّ الحديث عن المربع الأول فما يحصل اليوم يشبه بالضبط حالة الانفجار الطائفي والفلتان الأمني اللذين عاشتهما سوريا في عامي 2011 و2012 على وجه التحديد مع الأخذ بعين الاعتبار دور نظام الأسد في التحشيد والشحن وقتذاك وجرّ البلاد إلى اقتتال مميت دام زهو أربعة عشر عاماً.
المقلق في الموضوع أنّ استعراض هذه الأرقام الكبيرة لا يعني توقف حالات القتل، بل هي لا زالت مستمرة، تتصاعد أو تنخفض تبعاً للظرف العام اليومي، وفي هذا الإطار يرى السياسي والدكتور في علوم التاريخ مجد أنيس خلال حديثه مع “الحل نت” أنّه ثمّة فشلٌ عامٌ في التعاطي مع الملف السوري في جوانبه الدقيقة الداخلية خلاف النجاحات الكبرى في إدارته خارجياً.
ويقول أنيس: “لا يمكن تحييد رؤية الانهيار الأمني الداخلي عن اتهام المعنيين الأمنيين بالفشل في إدارة دفّة المركب وبوصلة الأولويات وبالتالي تقديم تعريف دقيق وواضح وشامل وموضوعي وسياسي لتعريف الدولة وشكلها وبنيتها وقانونها ودستورها الفعلي لا إعلانها الدستوري الشمولي، وتلك عوامل تضمن عدالة ورقابة نزيهة وشفافة من شأنّها إبعاد وحش الفراغ الذي تملأه البنادق والولاءات والفزعات”.
ويتابع أنيس: “يوم أمس قتل شاب على حاجز في ريف طرطوس لأنّ الحاجز حاول إجباره على تقليد صوت الحيوانات فرفض، أعتقد اسمه أحمد خضور، هل من دولة في العالم تقبل بأن تجبر أولادها على تقليد صوت الحيوانات؟ ولكن هذا نتاج طبيعي لعدم تأهيل كوادر الأمن والجيش بصورة لائقة وطويلة تتخطى مفهوم الأيام القلال والدورة الشرعية”.
الانتقام الكبير
كان شهر آذار/مارس الفائت أقسى شهور المرحلة الانتقالية السورية، ويمكن إضافة شهر تموز/يوليو الماضي إليه، الشهر الأول شهد ما شهده الشهر الثاني، وفي الشهرين غابت سلطة الدولة وحلّت مكانها الأعراف و”الفزعات” وصار العلويون والدروز والبدو ضحايا المذبحة السورية الكبرى، ومعهم بلا شك المئات من أفراد الأمن والجيش، وفي هذين الشهرين فقط قدّمت سوريا ما بين 3 إلى 4 آلاف قتيل. رقم مخيف بلا شك.

تمرد “فلول النظام” في الساحل والذين قالت لجنة تقصي الحقائق عنهم في الأيام الماضية أنّهم كانوا أقل من 300 عنصر استدعى تدخل 200 ألف مقاتل منظم أو غير منظم لاجتياح بقعة جغرافية صغيرة فدفعت عن غير ذنب ثمن طيش مجرمين لا يرضون بأن يحسبوا عليهم.
وكذلك معارك السويداء التي بدأت كمناوشات كان يمكن أن تنتهي لولا تصعيد كبير أفضى لقتلى من البدو والدروز والسلطة ودمار كبير في المدينة رافقه تهجير ديموغرافي مقلق للعشائر من المدينة وريفها، علماً أنّ البدو مكون أساسي في الجنوب السوري، وفي السويداء تحديداً، وهناك يسكنون في كل منطقة وقرية، لكنّ قصر نظرٍ متكرر أعاد المواجهات و”الفزعات” إلى الواجهة، كما يقول مراقبون.
الخطير في كلّ تلك الأحداث، الجماعية والفردية، هو دور السلطات نفسه، وتكرار الأمر نفسه في التعاطي مع الموضوع، دخول للجيش والأجهزة الأمنية، معارك فانسحاب، دخول جماعات غير منظمة ومجازر بالجملة ضمن خطابات تعبوية وصلت المساجد والمنابر وحتى حرم الجامعات وكلياتها، والنتيجة أنّ الملاحقة الفعلية شبه غائبة، المحاسبة نائمة، الوعود أكثر من أن تحصى، ويضاف لذلك تشابك الموقف حين يدعي المهاجمون أنّهم ممثلون للسلطة، وفي أحيان كثيرة يرتدون لباسها الرسمي، وما بين كلّ ذلك تتسلل خلايا تكفيرية، كما أوردت تقارير عالمية من بينها “بي بي سي”.
خارطة القتلة
أما خارطة توزع المقاتلين على الجغرافية السورية فهي تتنوع ما بين حالات فردية، فصائل محلية، خلايا نائمة تعمل لمصلحتها أو لتنظيم “داعش” أو “حراس الدين” أو “سرايا أنصار السنة”، ميليشيات متنوعة ارتكزت في مناطق متعددة، ميليشيات عابرة للمناطق لا الطوائف مستغلةً مفهوم غياب الدولة الشامل، ولكلٍّ من تلك الجهات أجندات وأيدولوجيات ودوافع تتفق أحياناً وتختلف أحياناً في السياسة والاقتصاد والنفوذ والانتقام وتصفية حسابات عالقة لدفاتر مؤجلة.
وحين الحديث عن عمليات القتل فلا يمكن حصرها بالساحل والسويداء، حمص مثلاً تعيش يومياً حالات خطف وقتل وتصفية، ريف حماه، المنطقة الشرقية بمحافظاتها، حلب أيضاً التي قتل فيها قبل أيام المسؤول الأمني للسلطة الجديدة في السفيرة عبر مجهولين يركبون دراجات نارية.
يقول القاضي المتقاعد جابر الرز لـ “الحل نت”، إنّ معظم الجهات التي تحمل سلاحاً بمعزل عن انتماءاتها العرقية والدينية والجغرافية والعقائدية باتت تمارس دور الجلّاد بوصفها مرجعاً قانونياً وأمنياً دون أن تخضع لقيود صارمةٍ فيما يتعلق بدواعي ضبط الأمن وتكريسه دون الحياد عن الأهداف المقدسة والمرتبطة بشرعة حقوق الإنسان وحمايته.
ويضيف القاضي السوري: “السلطة القائمة اليوم عليها التزامات كثيرة، أولها ضبط حالات التفلت الأمني وضبط حمل السلاح، وهي بالفعل سحبت السلاح من شرائح معينة وتركته مشرعاً لشرائح أخرى وهذا سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى تفكك مؤسساتي لصالح أجندات محلية ومناطقية ضيقة للغاية تشبه حالة انسلاخ نحو جزر أمنية متنافرة في الهدف والقضية، وهذا بضرورة الحال وطبيعته سيجعل أمر المحاسبة وتفعيل العدالة الانتقالية الشاملة أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد إذا ما اتخذ بعين الاعتبار ضرورة محاسبة كل المجرمين من كل الجهات”.
الوعي السوري
وفق منظور أبعد ويتخطى عدد القتلى في محاولة لقراءة المشهد العام لبلد بأكمله يجب حينها النظر إلى وعي السوريين أنفسهم وفق ما يحصل وما سيحصل وما فعله البعض منهم والذي أدى بمجمله لتراجع الدور والثقة بوظيفة الدولة.
وفي هذا السياق تقول الخبيرة النفسية ريم أكثم لـ “الحل نت”: “يبحث المواطنون دائماً في وعيهم ولا وعيهم عن مظلّة كبرى تحميهم وتقيهم من الأخطار، وهذه المظلة وفق أي عقد اجتماعي هي الدولة بمفهومها الحداثي ما بعد المرحلة النابليونية ومرحلة جان جاك روسو، وفي ظلّ غياب تلك المظلة يشعر الفرد بصورة مستمرة أنّه غير مستقر نفسياً واجتماعياً وحياتياً وبالتالي يتحول إلى مواطن مرتاب يرى في أصحاب الشأن الخصم والحكم في آن معا”.
وتتابع أكثم: “أتعامل مع حالات نفسية كثيرة بصورة يومية تسكنها هواجس القلق والخوف والارتياب والخشية من فقدان الحياة، وأعرف منهم أّنّهم وصلوا مرحلةً لا يعرفون فيها لمن يشتكون إذا ما تعرضوا لمظلمة أو خطر، كما أنّ كثيراً منهم بات يحمل هاجسه الديني على ظهره، ومن هنا يبدأ تفكك المجتمع، معظم من أقابلهم لا يثقون باسترداد حقوقهم إذا ما تعرضوا لانتهاك ما، وآخرون يعتقدون أنّه ليس ثمّة جدوى من الشكوى أساساً، واستذكر كل هذه التفاصيل لأقول إنّ السوريين اليوم في محنة عظيمة لا يمكن نكرانها وعلى الجميع أن يعي ويفهم ماذا يعني بناء بلد لا يخاف أولاده من بعض”.
بين الداخل والخارج
رغم مضي هذه الأشهر عقب سقوط النظام وانتصار الشعب السوري لم تنجح السلطة السورية الانتقالية من إيجاد وتفعيل كيان سياسي وقانوني بمفهومه الجامع للسوري، وفشلت في إدارة ملفات كثيرة للغاية وبعضها الكبير حساسٌ جداً، فلا هي تمكنت من إيجاد إعلان دستوري شامل يتخطى حصر الصلاحيات في يد رأس السلطة، ولا في ضبط الأمن، ولا توحيد الفصائل، ولا الحدّ من الجرائم الواقعة على العرض، كما أنّها حولت القناة الرسمية الوحيدة لناطقة باسمها بشكل متحيز وصارخ (الإخبارية السورية).

فضلاً عن جملةٍ من تشويه حقائق مورست في مواضع كثيرة جزءٌ منها يتعلق بملف لجنة تقصي الأحداث في الساحل والتي – بحسب مهتمين – وبناء على قولها نفسها حين أكدت أنّه خلال عملها لم تتلقَ بلاغات حول اختطاف فتيات في المنطقة، علماً أنّ الشهر الذي شهد الأحداث بلغت فيه ذروة حالات الاختطاف، وأمور كثيرة أخرى استدعت قنوات عالمية ووكالات دولية للتدخل وتوضحيها وإحراج السلطة كما جاء في ملفات “رويترز” و”بي بي سي” حول أحداث مختلفة.
أيضا ما تبعهم من اتهام وزير الإعلام السوري للقنوات الغربية بالاستشراق والتحيز، ويضاف إليهم ملف “قسد”، والتلاعب الذي قاده المبعوث الأميركي توماس باراك بالسلطة الحالية، وما استجد من تمرير (مسودة) تمديد قانون “قيصر” لعامين إضافيين عبر لجنة الموازنة في “الكونغرس”، حتّى باتت هفوات هذه الأشهر أكثر من أن تذكر.
- مياه “علوك” لا تكفي الحسكة.. وكلفة الصهاريج تثقل السكان
- المرافئ السورية تستعيد نشاطها.. فهل تعود إلى ما قبل الحرب؟
- أزمة عقود المعلمين تتجدد من اللاذقية وسط مطالب بالتثبيت والاستقرار الوظيفي
- باريس تحاكم سورياً متهماً بالانتماء إلى “داعش” وخطف صحفيين فرنسيين
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة

