في ظل تصاعد الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية وتزايد المخاوف من تأثير التوترات العسكرية في الخليج العربي على حركة إمدادات النفط، تتجه الأنظار إلى الدول الأكثر هشاشة في أمن الطاقة، وفي مقدمتها سوريا، التي تبدو أكثر عرضة لأي صدمة جديدة، ليس بسبب اعتمادها المباشر على نفط الخليج، وإنما نتيجة تراكم اختلالات داخلية في إدارة قطاع الطاقة، وضعف البنية التحتية، ومحدودية البدائل التمويلية واللوجستية.
وبينما تتحدث الأسواق العالمية عن تداعيات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، يرى خبراء أن الأزمة السورية المحتملة تتجاوز تأثيرات الجغرافيا السياسية، لتكشف عن أزمة هيكلية في منظومة تأمين الوقود.
“هرمز” ليس أصل الأزمة
في هذا السياق يحذر الباحث الاقتصادي يونس الكريم من أن ربط أي أزمة وقود مرتقبة في سوريا بإغلاق مضيق هرمز وحده يعد قراءة قاصرة للمشهد، موضحاً أن دمشق لم تكن تعتمد بصورة رئيسية على النفط القادم من دول الخليج، باستثناء بعض الشحنات والمنح التي وصلت خلال الأشهر الماضية، من بينها منحة سعودية قدرت بنحو 1.5 مليون برميل.

ويرى وفق تصريح له بمنشور على منصة “فيسبوك”، أن التأثير الحقيقي لأي اضطراب في المضيق سيكون غير مباشر، عبر ارتفاع أسعار النفط العالمية، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية في الأسواق الدولية، وهو ما يضاعف فاتورة الاستيراد بالنسبة لاقتصاد يعاني أصلًا من نقص العملات الأجنبية.
وتنسجم هذه القراءة مع تحذيرات حديثة صادرة عن وكالة الطاقة الدولية، التي أكدت أن أي تعطيل طويل الأمد للملاحة في هرمز يهدد بإحداث اضطرابات واسعة في أسواق النفط العالمية، رغم استخدام جزء من الاحتياطيات الاستراتيجية لتخفيف الصدمة.
فراغ في سياسة الطاقة
يرى الكريم أن المشكلة الأكثر تعقيداً تكمن في الخيارات الاقتصادية التي اتبعت خلال المرحلة الانتقالية، إذ لم تتمكن الحكومة السورية من بناء شبكة علاقات اقتصادية مستقرة تؤمن بدائل مستدامة لإمدادات الطاقة، فمن جهة، لم تستثمر الفرص التي أتاحها الانفتاح على أوكرانيا في مجالي الحبوب والطاقة، ومن جهة أخرى فقدت الامتيازات التي كانت توفرها روسيا في مجال الإمدادات النفطية والدعم اللوجستي، دون أن تنجح في تعويضها بشراكات جديدة.
وبحسب تقديره، فإن هذه السياسة أفرزت حالة من الفراغ الاستراتيجي في ملف الطاقة، جعلت سوريا أكثر اعتماداً على حلول مؤقتة، بدلاً من بناء منظومة مستقرة لأمن الطاقة.
ويضيف أن المشهد يزداد تعقيداً داخلياً بسبب غياب الشفافية في إدارة قطاع النفط، رغم عودة أجزاء واسعة من حقول الجزيرة السورية إلى إشراف وزارة الطاقة، مشيراً إلى أنه حتى الآن لا توجد بيانات رسمية دقيقة تكشف حجم الإنتاج الفعلي أو آليات تسويق النفط الخام، في وقت تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الإنتاج، في حال تشغيل الحقول بكامل طاقتها وإعادة تأهيلها، قد يقترب من تغطية الاستهلاك المحلي المقدر بنحو 200 ألف برميل يومياً.
وأضاف أن غياب الإفصاح الرسمي فتح الباب أمام روايات متباينة حول مصير الإنتاج، إذ تتحدث بعض التقديرات عن توجيه جزء من العائدات إلى تمويل الإنفاق الحكومي، فيما تربط روايات أخرى إدارة القطاع بتفاهمات سياسية وأمنية مرتبطة بإعادة بسط سلطة الدولة على مناطق شمال شرقي سوريا، وهو ما يبقي أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد بعيداً عن الرقابة والشفافية.
بدائل محدودة واختناق في التخزين
يشير الكريم إلى أن البدائل المطروحة لتعويض أي نقص في الإمدادات لا تزال محدودة من الناحية الاقتصادية، فخط الإمداد البري القادم من العراق، رغم أهميته، لا يوفر لسوريا النفط بأسعار تفضيلية، كما أن تكاليف النقل البري تظل مرتفعة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار المشتقات النفطية داخل السوق المحلية.
وتتجاوز المخاطر المحتملة مسألة تأمين الإمدادات إلى أزمة أكثر عمقًا تتعلق بقدرة سوريا على تخزين الوقود وإدارة الاحتياطيات الاستراتيجية، فيؤكد الكريم أن البنية التحتية الخاصة بالتخزين أصبحت تمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في منظومة الطاقة السورية، إذ جرى تخصيص جزء من خزانات بانياس لاستقبال النفط القادم عبر الخط البري العراقي، الذي تتراوح طاقته الحالية بين 50 و75 ألف برميل يومياً، في حين لا تزال خزانات أخرى خارج الخدمة بسبب أعمال إعادة التأهيل.

ويشير إلى أن هذه المنشآت كانت قبل عام 2024 تستقبل ناقلات نفط تصل حمولتها إلى نحو 800 ألف برميل، سواء من إيران أو من شحنات الدعم الأخرى، ما يعني أن القدرة التخزينية المتاحة اليوم أصبحت أقل بكثير من الاحتياجات المحتملة إذا تعرضت الإمدادات لأي انقطاع مفاجئ.
ويضيف أن هذه الفجوة تثير تساؤلات حول جاهزية البنية التحتية لاستيعاب أي زيادة مستقبلية في الواردات، خاصة مع غياب توضيحات رسمية بشأن أسباب انخفاض الطاقة الاستيعابية للخزانات أو الجدول الزمني لاستكمال عمليات التأهيل.
كما يرى أن ضعف التخزين لا يقل خطورة عن محدودية الإمدادات نفسها، لأن أي دولة تعتمد على الاستيراد تحتاج إلى مخزون استراتيجي يتيح لها امتصاص الصدمات المؤقتة في الأسواق العالمية، وهو ما يبدو محدودًا في الحالة السورية.
رهان بانياس وممرات بديلة
تكتسب هذه الإشكالية أهمية أكبر في ظل التحركات الإقليمية الرامية إلى إنشاء مسارات بديلة لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، فقد دفعت الاضطرابات الأخيرة العراق وسوريا إلى تسريع خطط إعادة إحياء خط أنابيب كركوك–بانياس التاريخي، بدعم دولي، باعتباره ممراً استراتيجياً يمكن أن يقلل الاعتماد على الخليج ويمنح العراق منفذاً إضافياً على البحر المتوسط، بينما يوفر لسوريا مصدراً أكثر استقراراً للإمدادات وفرصاً اقتصادية مرتبطة بعمليات النقل والتكرير.
إلا أن هذا المشروع لا يزال في مراحله الأولى، ويواجه تحديات أمنية وتمويلية وفنية تجعل أثره الفعلي على السوق السورية مؤجلاً، ولا يمكن التعويل عليه لمعالجة أي أزمة وشيكة.
ويرى الكريم أن الأزمة المحتملة لا ترتبط فقط بكمية النفط الخام المتاحة، بل بعاملين حاسمين؛ الأول يتمثل في محدودية احتياطيات القطع الأجنبي اللازمة لاستيراد المشتقات النفطية في وقت ترتفع فيه الأسعار العالمية نتيجة التوترات الجيوسياسية، والثاني يتمثل في تراجع القدرة التخزينية، بما يضعف قدرة الدولة على تكوين احتياطي استراتيجي أو التعامل مع أي انقطاع مفاجئ في الإمدادات.
ويشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً لا ينعكس فقط على تكلفة شراء الوقود، بل يمتد إلى تكاليف الشحن والتأمين والخدمات اللوجستية، ما يضاعف الضغوط على الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد وتعاني أصلًا من نقص النقد الأجنبي.
أمن الطاقة في مهب الاختبار
يضيف الكريم، أن الاعتماد على خزانات وزارة الدفاع أو المستودعات الصغيرة المنتشرة في المحافظات لا يمثل حلاً عملياً، لأن شبكة النقل البري تعاني أصلاً من اختناقات وارتفاع في التكاليف التشغيلية، الأمر الذي يجعل توزيع المحروقات أكثر صعوبة وأعلى تكلفة في حال حدوث أي اضطراب في الإمدادات، كما أن الاعتماد المتزايد على النقل بالصهاريج يرفع مخاطر تعطل سلاسل الإمداد مقارنة بخطوط الأنابيب أو الموانئ المجهزة لاستقبال كميات كبيرة من النفط.

ويخلص إلى أن هشاشة أمن الطاقة في سوريا لم تعد مرتبطة بمصدر النفط فقط، بل بغياب استراتيجية متكاملة تقوم على تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الشفافية في إدارة الإنتاج المحلي، وتسريع إعادة تأهيل البنية التحتية للتخزين والتكرير، إلى جانب توفير التمويل اللازم لاستيراد المشتقات النفطية عند الحاجة.
ويرى أن استمرار هذه الاختلالات، بالتزامن مع الاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية، قد يدفع الاقتصاد السوري إلى مواجهة أزمة وقود جديدة تنعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع ومستويات المعيشة.
وفي المقابل، فإن نجاح مشاريع الربط النفطي مع العراق وإعادة تأهيل خط كركوك–بانياس قد يفتح نافذة لتخفيف المخاطر مستقبلاً، لكنه لن يغني عن إصلاحات داخلية تعيد بناء منظومة أمن الطاقة على أسس أكثر استدامة وقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.

