قد يبدو دقيقاً تأمل اللحظات التي مرت على سوريا في شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2024، باعتبارها من اللحظات التي خبرت تقويض مساحات سوريا داخل البيئة الاستراتيجية الإيرانية، إذ لم يخرج بشار الأسد من دائرة السلطة بمفرده، بل كان تعبيراً واضحاً ودقيقاً عن انزياح كامل لبقية معادلات التأثير والنفوذ محلياً وإقليمياً.
ومن الواضح أن التموضع الجديد للحكومة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع في دمشق قد دفع بمعادلات نفوذ وتأثير جديدة، خاصة على المستوى الإقليمي والدولي، وهو ما يتبدى بوضوح في الحضور التركي على عدة مستويات، يأتي الجانب العسكري في مقدمة هذه الأمور.
ولا شك أن سقوط نظام الأسد دفعت دمشق داخل دائرة الصراع الغربي، وبالتحديد الأميركي، وكان خروج سوريا من نفق الهيمنة الإيرانية أولوية لدى واشنطن، خاصة مع تطور الأوضاع الدولية وازدياد حدة التنافس والصراع الأميركي مع الصين.
في المقابل، يبدو أن دخول سوريا في فلك أنقرة بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، دفع الغضب الإسرائيلي إلى قمته، ووضع “سوريا الجديدة” في ساحة تنافس بين أنقرة وتل أبيب.
تركيا تعيد صياغة حضورها العسكري بسوريا
تمثل الجغرافيا السياسية واحدة من أهم نقاط فهم لماذا كانت سوريا، في الحالتين، ميداناً للتنافس والصراع؛ يمتد من المنظور الإقليمي ويبلغ مداه في أفق السياسة الدولية وترتيبات مساحات القوة والنفوذ والتأثير والهيمنة.
والنظرة المدققة للنشاط التركي في سوريا خلال الشهور الأخيرة تظهر بوضوح تام حجم الحضور الذي يتنامى بوتيرة مختلفة عما كان إبان سنوات الأزمة السورية، من دعم لقطاعات معينة في “المعارضة السورية” إلى الاصطفاف والتنسيق المباشر مع إدارة الرئيس أحمد الشرع.

وفي هذا السياق تظهر التحركات العسكرية التركية الأخيرة في سوريا مؤشرات على صياغة أنقرة سردية أخرى لحضورها العسكري في المناطق الحيوية والمواقع العملياتية في سوريا، إذ تقوم على الانتقال بواقعية استراتيجية من الانتشار الواسع عبر شبكة من النقاط والقواعد إلى نموذج أكثر تركيزاً يعتمد على الاحتفاظ بمواقع ذات قيمة عملياتية واستراتيجية أعلى.
وخلال شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس من العام الجاري 2026، نفذت القوات التركية سلسلة من عمليات الإخلاء لمواقع في ريف إدلب ومحيط عفرين. وثمة تزامن لافت نحو حرص الجانب التركي على ترميم القدرات العسكرية السورية، إذ بدأت تركيا منذ عام 2025 تدريب نحو 300 عسكري وأمني سوري في قواعدها، مع خطط معلنة لرفع العدد إلى 5 آلاف في المدى القصير ونحو 20 ألفاً على المديين المتوسط والطويل.
كما شاركت قوات سورية للمرة الأولى في مناورة EFES-2026 التركية متعددة المجالات، التي تضم القوات البرية والبحرية والجوية، في خطوة تكشف عن انتقال التعاون العسكري بين أنقرة ودمشق إلى مستوى أكثر إدراكاً للاحتياج المتبادل، حيث قالت تركيا إن المشاركة تستهدف دعم إعادة بناء قدرات “الجيش السوري” ورفع مستوى التدريب والجاهزية والقدرة العملياتية، وفق تقارير صحفية.
ردود الفعل حول استهداف مطار أبو الظهور
فجر يوم الثلاثاء الفائت، تعرض مطار أبو الظهور العسكري بريف محافظة إدلب شمال غربي سوريا، لغارات جوية استهدفت مدرج الإقلاع ومرافق داخل المطار، في هجوم أثار جدلاً حول الجهة التي تقف وراءه، وسط اتهامات سورية وأميركية لإسرائيل بتنفيذ الضربات.
وقال مصدر عسكري لقناة “الإخبارية السورية” الرسمية إن ثماني غارات استهدفت المطار، مشيراً إلى أن الضربات طالت مدرج الإقلاع وحظائر طائرات مهجورة، وأسفرت عن أضرار مادية من دون تسجيل إصابات.
وبحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، جاءت الغارات عقب “زيارة وفد عسكري تركي إلى المطار خلال الأيام القليلة الماضية، في إطار مساعٍ لإعادة تشغيله”.
من جانبها، أعربت وزارة الخارجية السورية عن إدانتها بأشد العبارات لـ”الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في محافظة إدلب”، معتبرة أنها “عدوان غير مبرر، وانتهاك صارخ لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وتصعيد خطير يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة”.
وأكدت الوزارة، في بيان، أن “استمرار هذه الاعتداءات الإسرائيلية منذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 ولغاية اليوم، في وقت تلتزم فيه الدولة السورية بضبط النفس، وتعمل على ترسيخ الاستقرار وتجنب التصعيد، يكشف مجدداً عن محاولات الاحتلال الإسرائيلي تقويض هذه الجهود، وجرّ المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار”.
وشددت الوزارة على أن “سوريا تحمّل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية هذا التصعيد، وتدعو المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى إدانة هذا العدوان بشكل واضح، واتخاذ موقف حازم تجاه الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة السورية”.
وبعد ساعات من الاستهداف، قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن إسرائيل حذرت سوريا مراراً من أن نشر قوات تركية في قاعدة جوية قرب حلب يشكل تهديداً لأمنها القومي، مشيراً إلى أن دمشق تجاهلت هذه التحذيرات.

وأوضح المكتب، في بيان، أن إسرائيل وسوريا اتفقتا على الحفاظ على الوضع الراهن في المسائل الأمنية، إلا أن دمشق كانت على وشك خرقه من خلال السماح للقوات التركية بالانتشار في قاعدة جوية بالقرب من حلب. وأضاف أن إسرائيل “لن تتسامح مع التهديدات لأمنها”، معرباً عن ترحيبه بالعودة إلى الوضع الراهن.
في المقابل، نفت الرئاسة التركية، ما وصفته بـ”مزاعم” مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضد تركيا، معتبرة أنها “تهدف إلى تبرير الغارات الإسرائيلية على سوريا وانتهاك سيادتها ووحدة أراضيها”. وأكدت أن أنقرة ستواصل التعاون مع الحكومة السورية لتعزيز الأمن والاستقرار في سوريا، مشددة على أنها لن تسمح بزعزعة استقرار البلاد.
“رسائل لتركيا”
بعيداً عن تحركات أنقرة لتقديم دمشق في مقدمة منظومتها الاستراتيجية ونقطة دفاع متقدمة، ومحاولات واشنطن كبح تحركات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الجغرافيا المتاخمة لها، خاصة في سوريا ولبنان، نجد أن ما كشفته الأنباء الصحفية خلال الأيام القليلة التي سبقت هذه الضربة يتسق مع السياق العام الكاشف والناظم للأحداث.
فبحسب تقرير نشرته “القناة 13” الإسرائيلية، أُوقِف طلب إسرائيلي لتنفيذ ضربة عسكرية جديدة داخل سوريا بتدخل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطوة ربطها التقرير بتنامي العلاقات بين واشنطن ودمشق، وتعاظم الدور التركي في سوريا، إلى جانب التقارب المتزايد بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
ولم يكشف التقرير عن طبيعة الهدف الذي أرادت إسرائيل استهدافه أو توقيت تقديم الطلب، كما لم يصدر تعليق رسمي أميركي أو إسرائيلي بشأن الواقعة.
ووفقاً للقناة، تعمل أنقرة خلال الأسابيع الأخيرة على تعزيز حضورها في سوريا بموافقة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وبدعم من الإدارة الأميركية، في وقت تواصل فيه إسرائيل نشاطها العسكري داخل الأراضي السورية، ولا سيما في محافظتي القنيطرة ودرعا.
ويأتي ذلك بالتزامن مع انفتاح متزايد بين واشنطن ودمشق، وسط توقعات بزيارة الشرع إلى نيويورك في أيلول/سبتمبر المقبل للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
إذاً، تدرك إسرائيل أن تنامي العلاقات السورية-التركية وارتفاع مستوى التعاون العسكري بينهما يعنيان، بالتأكيد، أن تركيا اكتسبت عمقاً استراتيجياً وأمنياً كبيراً بوجود إدارة الرئيس أحمد الشرع كحليف مباشر لأنقرة.
ما يعني أن الهجوم الأخير على قاعدة أبو الظهور تتجاوز رسائله حدود سوريا السياسية والجغرافية، لتصل إلى أنقرة ومكتب الرئيس رجب طيب أردوغان تحديداً.
واشنطن تسعى لعدم حدوث صدام إسرائيلي-تركي
ونقل موقع “أكسيوس”، اليوم الأربعاء عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين أن إسرائيل أبلغت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن هجومها الأخير على القاعدة الجوية السورية استهدف منع تعزيز أي وجود عسكري تركي في المنطقة.
كما أن المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، والذي يشغل أيضاً منصب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا، قال لـ”رويترز” أمس الثلاثاء، إن واشنطن تعمل على إنشاء آلية لتفادي أي صدام محتمل بين إسرائيل وتركيا وسوريا.
وأوضح باراك أن أنقرة لم تتلق إخطاراً مسبقاً بالضربة الإسرائيلية، ما جعلها ترصد الطائرات أثناء توجهها شمالاً نحو الأراضي التركية، وكان من الممكن، وفقاً له، أن تستعد لاتخاذ رد عسكري. وأضاف أن “العقول الهادئة تمكنت من منع الوضع من التدهور بشكل أكبر”.
وفي مقابلة مع صحيفة “جيروزاليم بوست” الأربعاء، وصف باراك استهداف مطار أبو الظهور بأنه “خطير ومقلق”، لكنه أعرب عن ارتياحه لعدم وقوع خسائر بشرية ولعدم تصاعد الموقف.
وشدد على أن “غياب قنوات الاتصال” كان من شأنه أن يفاقم الوضع ويخلق “مخاطر غير ضرورية”، داعياً إلى معالجة هذا القصور، كاشفاً عن محادثات هادئة تجري حالياً مع جميع الأطراف المعنية، بهدف إعادة تفعيل خلية تنسيق بين إسرائيل وسوريا، مع إمكانية إشراك تركيا فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وأكد أهمية إنشاء “آلية دائمة تعمل على مدار الساعة” وتضم موظفين يتقنون العبرية والعربية والإنجليزية والتركية، سواء ضمن إطار رسمي أو عبر قناة غير رسمية، مشدداً على أن وجود اتصال موثوق يظل ركيزة أساسية لمنع التصعيد.
في ذات السياق، يبدو أن فهم الضربات الجوية التي عصفت بقاعدة أبو الظهور داخل سياق الانفلات الميداني الذي يعصف ببؤر التوتر في الشرق الأوسط، وداخل مسارات التحول التي خبرتها سوريا منذ سقوط نظام الأسد، من دون أن يعني ذلك انزياح دمشق عن كونها ساحة للتنافس والصراع على الهيمنة والنفوذ ومشاريع القيادة في الشرق الأوسط.
في المقابل، تبدو تركيا وإسرائيل مدركتين لحجم التحولات الطارئة في الإقليم، وما تمثله سوريا من أهمية في الأبعاد الجيوسياسية لكل منهما؛ إذ ترى تركيا أهمية أن تقف دمشق على قدميها، وهي تنتصب على جدارية أنقرة الاستراتيجية، بينما تهتم تل أبيب بألا تبصر على حدودها المباشرة ما يخل بموازين القوى الإقليمية التي تطمح إلى أن تكون نافذة وفاعلة فيها، وعلى حساب الآخرين.
ومن هنا، يمكن القول إن “سوريا الجديدة” لم تبرح بعد حدود الدولة-الساحة، التي تسعى من خلالها القوى الفاعلة إلى ضبط موازين القوى وإعادة رسم خرائط النفوذ لصالحها. ولا يستبعد خلال الفترة المقبلة أن تتطور الأحداث في المنطقة، ومنها سوريا، بما قد يفتح الباب أمام صدام عسكري إسرائيلي-تركي داخل الأراضي السورية، وإن كان مؤقتاً. ولهذا جاء تصريح توم باراك بأن الوضع كان يمكن أن يتدهور بشكل كبير لولا “العقول الهادئة”، مشدداً على أهمية إنشاء “آلية تنسيق دائمة” لمنع أي تصعيد أو سوء فهم غير مقصود بين إسرائيل وتركيا وسوريا.
