التضخم السوري بين الحرب الإقليمية وصدمة الأسعار المحلية.. ما السبب الحقيقي؟

التضخم

تضع بيانات التضخم في سوريا خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة فرضية إرجاع ارتفاع الأسعار إلى الحرب الإقليمية وحدها أمام اختبار صعب، فالنشرات الشهرية التي أصدرها المركز السوري لبحوث السياسات لأشهر أيار وحزيران وتموز 2026 ترسم مساراً متقلباً لمؤشر أسعار المستهلك، تحكمت فيه إلى جانب العوامل الخارجية قرارات تسعير محلية، وحركة سعر الصرف، وتكاليف الطاقة والنقل، وتغيرات العرض الموسمية.

 وبذلك، فإن أثر الحرب على الاقتصاد السوري قائم، لكنه لا يبدو تفسيراً كافياً وحده لتفسير الاتجاه الذي اتخذته الأسعار خلال هذه الفترة.

أيار.. صدمة بدأت من الداخل

في أيار/مايو، ظهرت الصدمة التضخمية بأوضح صورها، إذ ارتفع مؤشر أسعار المستهلك من 945.1 نقطة في نيسان/ أبريل إلى 1002 نقطة، مسجلاً تضخماً شهرياً يقارب 6 بالمئة.

وبحسب المركز السوري لبحوث السياسات، تزامن ذلك مع إعادة تسعير المحروقات في السابع من أيار، وما تبعها من ارتفاع تكاليف تشغيل وسائل النقل ونقل السلع، إلى جانب تعديل وزن ربطة الخبز، كما ارتفعت أسعار مجموعة النقل وحدها بنسبة 17.6 بالمئة خلال شهر واحد، بينما أدى خفض وزن الربطة من 1.2 كيلوغرام إلى 1.05 كيلوغرام مع إبقاء سعرها عند 4 آلاف ليرة إلى رفع السعر الفعلي للكيلوغرام بنحو 14.3بالمئة.

ارتفع مؤشر أسعار المستهلك من 945.1 نقطة في نيسان/ أبريل إلى 1002 نقطة- إنترنت

ولم تتوقف آثار تلك القرارات عند النقل والخبز، إذ سجلت مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود أعلى ارتفاع سنوي بين المجموعات الرئيسية، بنسبة 58.5 بالمئة، مدفوعة بارتفاع الإيجارات بنسبة 65.7 بالمئة، والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 48.9 بالمئة.

ويشير ذلك إلى أن جزءاً مهماً من الضغوط التي واجهتها الأسر السورية كان مرتبطاً بتكاليف أساسية تتأثر مباشرة بسياسات التسعير والطاقة، قبل أن تنتقل آثارها إلى بقية السلع والخدمات.

حزيران يكسر مسار التسارع

لكن المسار تغير في حزيران/ يونيو، فبدلاً من استمرار التسارع، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.8 بالمئة فقط على أساس شهري، رغم استمرار الضغوط الناتجة عن السكن والطاقة والنقل والتعليم.

يصف المركز السوري لبحوث السياسات هذا التباطؤ بأنه نتيجة توازن مؤقت بين ارتفاع تكاليف تلك المجموعات من جهة، والانخفاض الموسمي في أسعار الغذاء، وخاصة الخضروات، من جهة أخرى؛ إذ تراجعت أسعار الخضروات بنسبة 19.5بالمئة مع توسع المعروض المحلي خلال موسم الإنتاج، ولذلك يحذر المركز من تفسير التراجع الشهري باعتباره استقراراً عاماً ومستداماً في تكاليف المعيشة.

وفي الحسكة، ظهرت صورة مختلفة تماماً؛ فقد بلغ التضخم الشهري 24.8 بالمئة، في واحدة من أكثر الصدمات السعرية المحلية وضوحاً خلال الشهر، وربط المركز هذه القفزة بصورة أساسية بالارتفاع الحاد في تعرفة الكهرباء وأسعار بعض مصادر الطاقة، بالتزامن مع تقارب أنظمة التسعير المحلية مع الأسعار المعتمدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية.

وانتقلت آثار صدمة الطاقة إلى النقل والمياه والإيجارات والخدمات، فيما أدت زيادة أسعار المازوت الحر واضطراب توافر الوقود إلى تضخيم الكلفة على المنتجين والمستهلكين.

تموز.. الأسعار تتجه عكس الحرب

ثم جاء تموز ليقدم الاختبار الأوضح لهذه العلاقة، فقد انخفض مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 1.9 بالمئة على أساس شهري، من 1010 نقاط في حزيران إلى 991 نقطة، رغم استمرار تداعيات الحرب الإقليمية واضطرابات التجارة والطاقة.

وسجلت خمس مجموعات استهلاكية انخفاضاً في الأسعار، من بينها النقل والسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود والغذاء والمشروبات غير الكحولية، كما تراجع متوسط سعر الدولار في السوق الموازية من نحو 14,001 ليرة في حزيران إلى 13,215 ليرة في تموز، وهو تحسن انعكس على بعض أسعار النقل والطاقة.

في تموز انخفض مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 1.9 بالمئة على أساس شهري- إنترنت

ولا يعني ذلك أن الحرب لم تصل إلى السوق السورية، فقد أكد صندوق النقد الدولي، عقب بعثته إلى دمشق في تموز، أن التضخم ارتفع خلال 2026 نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها ارتفاع أسعار الواردات، خصوصاً الوقود والغذاء، بسبب الصراع الإقليمي، إلى جانب قوة الطلب المحلي، وزيادات أجور القطاع العام، وارتفاع أسعار المرافق والسكن، كما أشار الصندوق إلى أن استمرار الضغوط التضخمية مرهون جزئياً بتطور أسعار الواردات والسياسات المالية والنقدية.

غير أن هذه الخلاصة الدولية لا تتعارض مع ما تظهره بيانات المركز السوري لبحوث السياسات؛ بل تكملها، فالصدمات الخارجية لا تنتقل إلى المستهلك السوري بصورة آلية، وإنما تمر عبر قنوات محلية، أبرزها سعر الصرف، وأسعار المحروقات، وتكاليف النقل، وتوافر السلع، وآليات التسعير.

سعر الصرف يغير المعادلة

في تموز تحديداً، ساعد تحسن سعر الصرف وانخفاض بعض الأسعار الرسمية للمنتجات النفطية والعوامل الموسمية في دفع مؤشر الأسعار إلى الانكماش، حتى مع بقاء مشكلات النقص في الإمدادات وارتفاع الأسعار في السوق الموازية.

أما الانخفاض الكبير في التضخم السنوي، من 39.9 بالمئة في أيار إلى 40.5 بالمئة في حزيران ثم 24.8 بالمئة في تموز، فلا ينبغي قراءته باعتباره تحسناً مماثلاً في مستوى معيشة السوريين، فالمركز يوضح أن مستوى الأسعار في تموز بقي أعلى بنسبة 24.8 بالمئة من مستواه في تموز 2025، وأن المؤشر العام ظل قريباً من عشرة أمثال مستواه في سنة الأساس 2021، وبالتالي فإن تباطؤ التضخم يعني تباطؤ سرعة ارتفاع الأسعار، لا عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة ولا استعادة الأسر لقوتها الشرائية.

ومن ثم، فإن اختزال التضخم السوري في “صدمة خارجية” يحجب جزءاً مهماً من الصورة، فبيانات المركز السوري لبحوث السياسات تشير إلى اقتصاد تتداخل فيه الصدمات الخارجية مع قرارات التسعير المحلية، وضعف الإمدادات، وتفاوت الأسواق بين المحافظات، وسعر الصرف، وتكاليف الطاقة والنقل، والموسمية الزراعية.

وفي اقتصاد بهذه الهشاشة، قد تكون الحرب هي الشرارة، لكن مقدار انتقال أثرها إلى الأسعار تحدده بدرجة كبيرة السياسات والاختلالات الموجودة داخل الاقتصاد نفسه.

الاختبار الحقيقي في يد دمشق

تزداد أهمية هذه النقطة مع تأكيد صندوق النقد الدولي أن السلطات السورية تحتاج إلى مواصلة تحسين السياسة المالية والنقدية، وإصلاح القطاع المصرفي، وتطوير الإحصاءات الاقتصادية، بما فيها بيانات الأسعار، مشيراً إلى أن فجوات توافر البيانات وجودتها ما تزال تعوق إجراء تقييم أكثر تفصيلاً للتطورات الاقتصادية في البلاد.

وبينما تبقى الحرب الإقليمية عاملاً خارجياً لا تستطيع دمشق التحكم به، فإن إدارة أسعار المحروقات والخبز، وضبط انتقال تكاليف الطاقة والنقل إلى السلع، وتحسين توافر الإمدادات، وتقليص الفجوات بين أسعار الصرف، تظل أدوات محلية قادرة على تحديد حجم الصدمة التي تصل فعلياً إلى المستهلك.

لذلك، لا تقول الأرقام إن الحرب بلا أثر، لكنها تقول بوضوح إن تفسير التضخم السوري لا يكتمل من دون النظر إلى ما يحدث داخل الاقتصاد نفسه؛ حيث يمكن للقرار المحلي أن يرفع الأسعار في شهر، وأن يساعد على خفضها في شهر آخر، حتى تحت السماء الإقليمية المضطربة نفسها.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم