جماعة “الحوثي” وباب المندب.. من تهديد الملاحة إلى معركة الرسوم

يوماً بعد آخر، تتصاعد التوترات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، خصوصاً بعد المعلومات التي كشفتها وكالة "رويترز" بشأن دراسة جماعة "الحوثي" الموالية لطهران، فرض رسوم على السفن التجارية العابرة للمضيق.

يوماً بعد آخر، تتصاعد التوترات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، خصوصاً بعد المعلومات التي كشفتها وكالة “رويترز” بشأن دراسة جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، فرض رسوم على السفن التجارية العابرة للمضيق.

وتشير هذه الخطوة إلى محاولة جماعة “الحوثي” توسيع أدوات الابتزاز والضغط التي تستخدمها، عبر السعي إلى فرض تأثير غير مشروع على حركة المرور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. 

ويأتي الحديث عن هذه الخطوة بعد أيام من إعلان جماعة “الحوثي” ما سمته “الحصار البحري” على السعودية، بالتزامن مع تطورات إقليمية متسارعة مرتبطة بالحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والعقوبات الجديدة المفروضة على طهران، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية التي تواجه الجماعة الإرهابية داخل اليمن.  

من الحصار البحري إلى فكرة الرسوم  

وفقاً لما نقلته وكالة “رويترز” عن مصادر إقليمية مطلعة، تدرس جماعة “الحوثي” فرض رسوم على معظم السفن التجارية التي تعبر باب المندب، من دون تحديد موعد محتمل لتطبيق هذه الخطوة. 

وأشارت المصادر إلى نقاشات جرت في إيران بين مسؤولين “حوثيين” وإيرانيين بشأن الفكرة، موضحة أن الجماعة وافقت – وفق الرواية ذاتها – على استثناء السفن الصينية من الرسوم المقترحة. 

ورغم عدم صدور تأكيد من جماعة “الحوثي” بشأن هذه المعلومات، فإن تداولها يؤكد تحولاً في طبيعة الأدوات التي تطرحها الجماعة، إذ ركز خطابها خلال الفترة الماضية على استهداف السفن أو التهديد بذلك، بينما يتجه النقاش حالياً نحو التعامل مع الممر البحري باعتباره ورقة يمكن استخدامها لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية. 

ولا يعني طرح هذه الفكرة أن تنفيذها بات قريباً بالضرورة، لكنه يكشف توسع الخيارات التي تبحث عنها جماعة “الحوثي”، فلم تعد أدوات الضغط مرتبطة فقط بتعطيل حركة الملاحة، وإنما تشمل محاولة فرض نفوذ أحادي على حركة العبور.  

لماذا الآن؟  

يرتبط توقيت طرح هذه الفكرة بالظروف التي تمر بها جماعة “الحوثي”، إذ تواجه منذ أشهر ضغوطاً متزايدة بسبب العقوبات الأميركية، وتكاليف استمرار الصراع، والأزمات الاقتصادية في مناطق سيطرتها، فضلاً عن القيود المفروضة على شبكات التمويل المرتبطة بإيران.

ولا توجد معلومات معلنة تؤكد أن فرض الرسوم يهدف بشكل مباشر إلى تعويض تراجع الإيرادات، لكن تزامن الفكرة مع هذه الضغوط يجعل الجانب الاقتصادي أحد التفسيرات المطروحة، فالجماعات المسلحة، تبحث في فترات الأزمات عن وسائل جديدة للحفاظ على مواردها، وتعزيز قدرتها على المناورة. 

ومن هذا المنطلق، تنظر جماعة “الحوثي” إلى باب المندب كورقة ضغط تسعى إلى استخدامها لرفع كلفة المواجهة على خصومها، مستفيدة من حساسية الموقع وأهميته للتجارة الدولية. 

ويرى الكاتب والباحث اليمني الدكتور محمد موسى العامري، أن هذه التحركات ترتبط بعلاقة جماعة “الحوثي” بالمشروع الإيراني في المنطقة، معتبراً أن الجماعة أصبحت إحدى أدوات الضغط التي تستخدمها طهران في صراعها الإقليمي مع السعودية، وأن تحركاتها العسكرية والسياسية تتجاوز في كثير من الأحيان الحسابات اليمنية الداخلية، نحو اعتبارات مرتبطة بموازين القوى الإقليمية. 

 تعطيل الملاحة وابتزاز حركة العبور  

يكشف الحديث عن الرسوم المحتملة، تحولاً في طبيعة استخدام القوة البحرية لدى جماعة “الحوثي”، فالهجمات التي استهدفت السفن خلال الفترة الماضية كانت تهدف بصورة أساسية إلى ممارسة ضغط سياسي وعسكري، وإرباك حركة التجارة في البحر الأحمر. 

أما الانتقال إلى فكرة فرض رسوم، فيحمل مساراً مختلفاً، يقوم على محاولة تجاوز مرحلة تعطيل الملاحة، نحو التأثير في القواعد التي تنظم حركة العبور نفسها. 

وتكمن أهمية هذا التحول في أن فرض الرسوم – إذا اتجهت جماعة “الحوثي” إلى تطبيقه – لا يعتمد على القوة وحدها، بل يحتاج إلى قدرة على فرض ترتيبات مستمرة على شركات الشحن، وشركات التأمين، والدول التي تعتمد على هذا الممر الحيوي في تجارتها. 

وبذلك، تنتقل السيطرة على الممر البحري، من كونها أداة لإحداث اضطراب مؤقت إلى محاولة بناء نفوذ أكثر استقراراً، رغم ما يواجهه هذا المسار من عقبات قانونية وسياسية وعسكرية كبيرة.  

هرمز.. تشابه في الأدوات واختلاف في الواقع  

تفرض التطورات الأخيرة، مقارنة بين ما يجري الحديث عنه في باب المندب، وما قامت به إيران سابقاً في مضيق هرمز.

وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية بالتزامن مع هذه التطورات، فرض عقوبات على شركات قالت إنها “شاركت في مخطط لإجبار السفن على شراء خدمات وتأمين بحري مقابل العبور في مضيق هرمز”، معتبرة أن هذه الآلية توفر إيرادات لـ”الحرس الثوري” الإيراني. 

ويمنح هذا التزامن المقارنة أهمية إضافية، خصوصاً مع ما ذكرته وكالة “رويترز” بشأن مناقشة فكرة الرسوم بين مسؤولين “حوثيين” وإيرانيين. 

ويرى العامري أن ارتباط جماعة “الحوثي” بطهران يتجاوز الجانب السياسي، ليصل إلى توظيفها ضمن شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة، وهو ما يفسر – من وجهة نظره – تشابه بعض أدوات الضغط المستخدمة في البحر الأحمر، مع ما قامت به إيران في مضيق هرمز. 

ومع ذلك، فإن الفروق بين الحالتين تبقى كبيرة، فإيران دولة تطل مباشرة على مضيق هرمز وتمارس دوراً رسمياً في محيطه الجغرافي، بينما جماعة “الحوثي” طرف مسلح لا يحظى باعتراف دولي كسلطة تدير الممرات البحرية. 

كما يختلف الإطار القانوني والسياسي للمضيقين، وهو ما يجعل نقل التجربة الإيرانية إلى باب المندب أكثر تعقيداً من مجرد تكرار للأدوات المستخدمة.  

الصين.. استثناء يكشف طبيعة الحسابات  

من أكثر التفاصيل اللافتة في المعلومات التي أوردتها “رويترز” الحديث عن إعفاء السفن الصينية من الرسوم المقترحة، في حال انتقلت الفكرة إلى مرحلة التنفيذ. 

وتعد الصين من أكبر المستوردين للنفط القادم من الخليج، وأي اضطراب طويل في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر ستكون له انعكاسات مباشرة على مصالحها التجارية.

كما أن التقارير التي تحدثت عن اتصالات بين بكين وجماعة “الحوثي” بشأن سلامة السفن الصينية، تشير إلى أن أمن الملاحة أصبح جزءاً من شبكة معقدة من المصالح، تتقاطع فيها التجارة الدولية مع حسابات النفوذ الإقليمي.  

هل يمكن تنفيذ الفكرة؟  

يبقى السؤال الأبرز مرتبطاً بمدى قدرة جماعة “الحوثي” على تطبيق هذه الفكرة عملياً، فالإعلان عن فرض رسوم يختلف تماماً عن القدرة على تحصيلها بصورة منتظمة، إذ يتطلب ذلك قبولاً أو استجابة من شركات الشحن، وتعاملاً من شركات التأمين، وقدرة على فرض هذه الترتيبات في ممر بحري يحظى باهتمام دولي واسع. 

كما أن أي محاولة لفرض رسوم بشكل أحادي قد تواجه اعتراضات قانونية وسياسية، باعتبار باب المندب ممراً دولياً تعتمد عليه حركة التجارة العالمية، وهو ما قد يدفع قوى إقليمية ودولية إلى تعزيز وجودها البحري، أو اتخاذ خطوات مضادة لحماية حرية الملاحة وإنهاء نفوذ جماعة “الحوثي” في اليمن. 

ووفقاً للعامري، فإن جماعة “الحوثي” تسعى إلى تجاوز موقعها كطرف محلي في النزاع اليمني، عبر توظيف أدواتها العسكرية لتعزيز حضورها في المعادلات الإقليمية، بما يمنحها أوراق ضغط إضافية، في أي ترتيبات سياسية مستقبلية. 

وفي المقابل، فإن مجرد طرح فكرة الرسوم قد يكون هدفه ممارسة ضغط نفسي واقتصادي على قطاع الشحن، حتى قبل امتلاك القدرة على تنفيذها فعلياً. 

لكن نجاح هذا المسار، سيبقى مرتبطاً بعوامل تتجاوز قدرة جماعة “الحوثي” وحدها، من بينها طبيعة موازين القوى في البحر الأحمر، ومواقف الدول المعنية بحرية الملاحة، ومدى قدرة المجتمع الدولي على منع فرض ترتيبات أحادية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

أسامة عفيف

أسامة عفيف

صحفي، محرر الشأن اليمني لدى "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم