حذر المركز السوري للعدالة والمساءلة من ثغرات قانونية وإجرائية في محاكمات عاطف نجيب ووسيم الأسد وأحمد حسون، معتبراً أن الملاحقات تجري ضمن إطار تشريعي ومؤسسي غير مكتمل وضمانات محدودة للمحاكمة العادلة.
ويستند التقرير إلى متابعة فريق مراقبة المحاكمات التابع للمركز لجلسات القضايا الثلاث، في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية بمحاسبة مسؤولين وشخصيات مرتبطة بالنظام السابق.
ثغرات في الأدلة وحقوق الدفاع
قال المركز إن فريقه وثق “ثغرات إجرائية وإثباتية بالغة الأهمية” خلال محاكمات عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، ووسيم الأسد، وأحمد حسون، مفتي الجمهورية السابق.

وأشار التقرير إلى أن هذه الملاحقات بدأت قبل اعتماد قانون خاص بالعدالة الانتقالية أو الإعلان عن استراتيجية متماسكة للملاحقة القضائية، إلى جانب عدم وضوح توزيع الاختصاصات بين الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ووزارة العدل والنيابة العامة والمحاكم.
وبحسب التقرير، شهدت سوريا خلال حزيران/يونيو 2026 أكثر من 40 مظاهرة طالبت بالعدالة، وربطت بعض التحركات بين المساءلة الجنائية وقضايا أخرى تتعلق بتدهور الخدمات العامة وانعدام الأمن الاقتصادي واستمرار نفوذ أشخاص مرتبطين بالحكومة السابقة.
وقال المركز إن “الإجراءات الجنائية لا تستطيع تلبية سوى جزء من هذه التوقعات”، لكنه أضاف أن طريقة تصميمها وتنفيذها تكشف مدى قدرة المرحلة الانتقالية على بناء منظومة مساءلة تستند إلى القانون.
وانتقد التقرير اعتماد المحاكمات بصورة واسعة على شهادات شفوية سريعة، في مقابل محدودية الأدلة التوثيقية اللازمة لإثبات هياكل تسلسل القيادة والمسؤوليات داخل مؤسسات النظام السابق.
كما تحدث عن قيود فرضت على اطلاع الدفاع على وثائق وملفات بعض القضايا، مشيراً إلى أن دور محامين منتدبين من نقابة المحامين اقتصر في بعض الجلسات على طلب الرأفة والرحمة، من دون منازعة موضوعية للتهم والأدلة المقدمة.
وربط المركز بدء المحاكمات بوتيرة سريعة بالضغوط والمطالب الشعبية المتزايدة لتحقيق مساءلة ملموسة، محذراً من ربط مصداقية المرحلة الانتقالية بصرامة الأحكام بدلاً من سلامة وعدالة الإجراءات، ولا سيما في القضايا التي قد تنتهي بعقوبة الإعدام.
إشكالات في الأساس القانوني للملاحقات
وأوضح التقرير أن قانون العقوبات السوري يجرم القتل والاحتجاز غير المشروع والخطف وبعض أشكال التعذيب، لكنه لا يتضمن نصوصاً صريحة بشأن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والاختفاء القسري أو مسؤولية القيادة.
وقال إن النيابة العامة سعت إلى معالجة هذا النقص عبر الجمع بين أحكام القانون الجنائي السوري والإعلان الدستوري واتفاقيات جنيف والقانون الدولي العرفي وتعريف الجرائم ضد الإنسانية الوارد في نظام روما الأساسي، رغم أن سوريا ليست طرفاً فيه.
ورأى المركز أن هذا المسار يثير تساؤلات مرتبطة بمبدأ الشرعية، الذي يتطلب استناد المسؤولية الجنائية إلى قواعد قانونية واضحة وواجبة التطبيق وقت وقوع الأفعال المنسوبة إلى المتهمين.
وأشار كذلك إلى أن غياب نصوص وطنية تعرف الجرائم الدولية يخلق إشكاليات في تحديد العقوبات، لافتاً إلى أن المادة 17 من الإعلان الدستوري تنص على أنه “لا عقوبة إلا بنص”.
وبحسب التقرير، فإن الاعتماد على مصادر من القانون الدولي لم تُدمج في القانون الجنائي الوطني، أو تطبيق مسؤولية القيادة دون نص يحدد عناصرها، إلى جانب غياب عقوبات مقررة لتلك الجرائم، قد يجعل الأحكام الصادرة عرضة للطعن في مراحل الاستئناف.
ودعا المركز السلطات الانتقالية إلى استكمال قانون العدالة الانتقالية، وإشراك منظمات المجتمع المدني والخبراء القانونيين ومجتمعات الناجين في تصميم المسار والإشراف عليه.
كما أوصى بوضع بروتوكولات لحماية الشهود واستجوابهم، وإنشاء آلية دفاع مستقلة وممولة للمتهمين، وتحديد اختصاصات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ووزارة العدل والنيابة العامة ومحكمة الجنايات الرابعة.
ودعا النيابة العامة إلى إعداد استراتيجية مؤقتة للملاحقة القضائية تمنح التحقيقات وقتاً كافياً لبناء الأدلة، والاستفادة من السجلات والتوثيقات الجنائية المستخدمة سابقاً في محاكمات الولاية القضائية العالمية في أوروبا والولايات المتحدة.

