لماذا يصعد “الحوثيون” ضد السعودية بينما تعرض إيران الوساطة؟

تتخطى العمليات العسكرية التي تنفذها جماعة “الحوثي”، المدعومة من إيران، ضد المملكة العربية السعودية، حدود المواقع المستهدفة، سواء في مطار الملك خالد بالعاصمة الرياض أو مطار الملك فهد في الدمام شرقي المملكة، لتبعث برسائل تتجاوز الميدان العسكري، وتضع دول الخليج أمام تداعيات التصعيد واتساع نطاق مخاطره.

وتبرز هذه الدلالات في التحرك الدبلوماسي الإيراني، من خلال ما نُسب إلى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بشأن طرح وساطة على نظيره السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، بين الرياض و”الحوثيين”، بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار.

لما تعرض طهران وساطة وسط التصعيد؟

يبدو أن طهران تسعى، من خلال هذا المسار، إلى تعزيز موقعها كـ”طرف فاعل” في معادلات الشرق الأوسط، وقادر على التأثير في مسارات التصعيد والتهدئة على حد سواء. وهنا، تبرز مفارقة تكتيكية بشأن ما إذا كانت التحركات الإيرانية تستهدف احتواء المواجهة فعلياً، أم تسعى أيضاً إلى تكريس دور طهران في إدارة تداعياتها، في ظل تصاعد المخاطر التي تهدد المنشآت الحيوية داخل المملكة، وما يمثله استهداف المطارات من رسائل تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة.

وفي سياق التحركات الرامية إلى احتواء التصعيد، أعربت إيران، الاثنين الماضي، عن قلقها إزاء تطورات المواجهة بين السعودية و”الحوثيين” في اليمن والمدعومة من طهران أيضاً، عقب هجمات استهدفت مطار الرياض ومناطق أخرى في المملكة، مؤكدة استعدادها للمساعدة في تسهيل الحوار والتوصل إلى حل سياسي.

موقع تابع لشركة “أرامكو” جنوب الرياض، السعودية، 3 تشرين الأول/أكتوبر 2026 © / ا ف ب

ونقلت تقارير صحفية عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، قوله، خلال تصريحات للصحفيين في طهران، إن بلاده تشعر “بقلق بالغ إزاء تطورات الوضع في شبه الجزيرة العربية”، لافتاً لاستعداد بلاده لتسهيل الحوار بين أطراف النزاع.

وبحث وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني، عباس عراقجي، التطورات الإقليمية الأخيرة والجهود المبذولة للتعامل معها، وفق ما أوردته وكالة الأنباء السعودية “واس”.

وحذّر عراقجي من تداعيات استمرار التصعيد العسكري، معتبراً أن “الإصرار على النهج العسكري وتجاهل الحل السياسي من شأنه أن يزيد من تعقيد الوضع الراهن”، وأن الأزمات الإقليمية لا يمكن حلها بالوسائل العسكرية، وعلى أهمية المسار الدبلوماسي في خفض التصعيد.

من الصعوبة بمكان النظر إلى مسألة الوساطة من زاوية توظيف إيران لهذه الورقة فحسب، أو التعامل مع رفضها باعتباره موقفاً محسوماً بمعزل عن حقيقة الواقع السياسي، فالأمر يحتاج إلى قراءة أكثر واقعية لدوافع طهران وراء طرح الوساطة، ومدى قدرتها على تحقيق التهدئة في ظل الاضطرابات العميقة التي تحيط بها. 

كما أن إيران تدرك أن الضربات “الحوثية” ضد السعودية لا تقتصر تداعياتها على جغرافيا المملكة، بل تمتد إلى مجمل المشهد الإقليمي، وتضع مسارات التهدئة التي تسعى إليها الأطراف المعنية أمام اختبارات متزايدة، خصوصاً مع تعثر المفاوضات وبقاء احتمالات عودة التصعيد قائمة.

إضافة إلى سعي طهران إلى جعل التوازن السياسي الذي تحاول واشنطن إرساءه خلال هذه المرحلة هشّاً وقابلاً للاهتزاز في أي لحظة، بما قد يفتح الباب أمام تحولات ميدانية أكثر حدة، وصولاً إلى احتمال استئناف ضربات أميركية واسعة ضد إيران. ومن ثم، قد يكون طرح الوساطة محاولةً لاحتواء أحد مسارات التصعيد، وتقليص مخاطر اتساع المواجهة، قبل أن تتجاوز التطورات حدود السيطرة السياسية والدبلوماسية.

يأتي ذلك في وقت تتباعد فيه مساحات التفاهم بين واشنطن وطهران، بما يجعل فرص احتواء التصعيد في الأفق المنظور موضع شك. وفي هذا الإطار، قالت إيران إنها لا تزال تدرس الرد الأميركي على مقترحها الرامي إلى إعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام وإنهاء الحرب، وسط تعثر الجهود الدبلوماسية بسبب الخلاف على شروط استئناف المفاوضات، لا سيما إصرار واشنطن على بحث الملف النووي الإيراني منذ البداية، بدلاً من تأجيله إلى مرحلة لاحقة.

وفي سياق متصل، يبدو لافتاً دخول روسيا على خط الوساطة، بعد قطر وباكستان، في مسعى جديد لاحتواء المواجهة العسكرية مع إيران، التي تقترب، وفق السياق الزمني للأحداث المشار إليها، من إتمام عام على اندلاعها.

غير أن جهود الوساطة التي تقودها قطر وباكستان وروسيا لا تزال تفتقر إلى مؤشرات واضحة على تحقيق اختراق دبلوماسي يمهّد لاستعادة الاستقرار النسبي وإعادة فتح مضيق هرمز. ويتزامن ذلك مع استمرار التوترات الإقليمية وتعدد مسارات المواجهة، بما يثير تساؤلات بشأن انعكاسات السياسات الإيرانية على الأمن الإقليمي والدولي، في ظل ما يُشار إليه من عمليات عسكرية تستهدف مواقع داخل المملكة العربية السعودية، وما يرتبط بها من سقوط ضحايا ومصابين من جنسيات مختلفة.

“الحوثيون” ورقة ضغط إيرانية

في ضوء ذلك، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، إن الرد الأميركي على الشروط السبعة الواردة في المقترح الإيراني لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام “غير كافٍ”. وأضاف أن واشنطن وافقت على بعض الشروط الإيرانية، لكنها لم توضح موقفها من الشروط الأخرى، من دون أن يحدد الشروط التي وافقت عليها الولايات المتحدة أو تلك التي لم تحسم موقفها منها.

عم طهران لسنوات لـ”الحوثيين” بالسلاح والتدريب والخبرات العسكرية عزز قدرتهم على استهداف المصالح السعودية وتهديد أمن الملاحة الدولية. “إنترنت”

وأشار رضائي إلى أن بعض المسائل لا تزال بحاجة إلى توضيح، من دون الكشف عن طبيعتها، مؤكداً أن إيران لن تعود إلى النهج الدبلوماسي السابق، وبأن “دبلوماسية إيران تغيّرت”، في إشارة إلى تمسك بلاده بموقفها في المفاوضات.

ويمكن قراءة هذه التطورات والتصريحات في ضوء الأحداث الجارية على الساحة السعودية، وما تثيره من تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي تؤديه جماعة “الحوثيين” في الحسابات الإيرانية. فثمة فرضية مفادها أن طهران قد توظف نفوذها لدى الجماعة للضغط على الأطراف المعنية وتوتير الأجواء الإقليمية، بما قد يسهم في ردع أي تحرك عسكري محتمل ضدها، سواء من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل.

وتكتسب هذه الفرضية أهمية إضافية في ضوء تقارير صحفية تحدثت عن احتمال تنفيذ إسرائيل هجوماً منفرداً ضد إيران، وهو ما يستدعي التحقق من طبيعة تلك التقارير ومدى جدية السيناريوهات التي تناولتها.

وتضع هذه التطورات السياسات الإيرانية أمام مسؤولية سياسية مباشرة عن تداعيات التصعيد الإقليمي، في ظل المخاطر التي يثيرها استمرار دعم الجماعات المسلحة الحليفة لطهران، وفي مقدمتها “الحوثيين في” اليمن، على أمن دول الشرق الأوسط واستقرارها. فبدلاً من توظيف علاقاتها الإقليمية مدخلاً لاحتواء الأزمات وبناء تفاهمات مستدامة، تثير هذه السياسات تساؤلات متزايدة بشأن دورها في توسيع نطاق المواجهات ونقل كلفتها الأمنية والاقتصادية إلى دول المنطقة.

طهران و”الحوثيين” يهددون أمن الخليج

لا تقف تداعيات هذا النهج عند حدود السعودية واليمن، بل تمتد إلى أمن الخليج والممرات البحرية الدولية، ولا سيما البحر الأحمر ومضيق هرمز، بما يهدد حركة التجارة وإمدادات الطاقة وسلامة المنشآت الحيوية.

وبحسب مراقبين، فإن الهجمات “الحوثية” على المصالح السعودية واستهداف المنشآت المدنية والمطارات والمدنيين والملاحة الدولية تزيد من الكلفة الاقتصادية والسياسية للصراع، بما قد يدفع حلفاء واشنطن إلى التوجه لإنهاء الحرب، إلى جانب أن طهران تسعى بذلك لتوسيع أوراقها في أي مفاوضات تتعلق بإنهاء المواجهة.

وقد أعلن “الحوثيون” المدعومون من طهران في اليمن، مساء الأربعاء، استهداف مطار الرياض الدولي بصاروخ بالستي، وذلك بعد ساعات من إعلان التحالف بقيادة السعودية اعتراض صاروخ أُطلق باتجاه العاصمة السعودية.

كما أن دعم طهران لسنوات لـ”الحوثيين” بالسلاح والتدريب والخبرات العسكرية عزز قدرتهم على استهداف المصالح السعودية وتهديد أمن الملاحة في البحر الأحمر ودول الخليج، وبالتالي حولت طهران الموقع الاستراتيجي لليمن إلى ورقة ضغط إضافية في صراعها مع الولايات المتحدة وحلفائها بالمنطقة. وإيران اليوم، بهذا السلوك العدائي، باتت تزعزع استقرار المنطقة، وتمتد تداعيات ذلك إلى تعريض التجارة الدولية وإمدادات الطاقة ومصالح المدنيين للخطر، فيما يدفع اليمنيون ودول الجوار أثماناً باهظة لحسابات ومصالح النفوذ الإيراني.

أما “الحوثيون”، فيتحملون مسؤولية مباشرة عن قراراتهم وهجماتهم التي لا يمكن تبريرها باعتبارها جزءاً من مواجهة إقليمية أو وسيلة لمساندة طهران، إذ إن استهداف المنشآت المدنية والحيوية وتهديد الملاحة لا يخدمان أمن اليمن، بل يعمّقان عزلته ويزيدان مخاطر انزلاقه إلى صراع أوسع.

ولذلك، فإن جدية الدعوات الإيرانية إلى التهدئة لا تُقاس بالتصريحات الدبلوماسية وحدها، بل بمدى استعداد طهران لاستخدام نفوذها لوقف الهجمات واحترام سيادة الدول، والانتقال من توظيف أدوات الضغط العسكري إلى تسويات سياسية فعلية. فاستقرار المنطقة لن يتحقق عبر إدارة التصعيد أو إعادة توزيع أوراقه، بل بمعالجة أسبابه والحد من المخاطر التي تهدد أمن دولها ومصالح شعوبها، وهو ما سيدفع الدول إلى الضغط على إيران وأذرعها لإضعاف قدراتها ونفوذها بالمنطقة، ومن ثم تغيير نظامها سيكون حتمياً.

هشام الجندي

هشام الجندي

كاتب صحفي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم