نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً عن محافظة السويداء، بعد زيارتين أجراهما صحفيوها إلى المنطقة، التقوا خلالهما نازحين وقادة سياسيين ودينيين ومسؤولين أمنيين وعاملين في القطاع الطبي، في محاولة لرصد واقع المحافظة بعد عام على موجة العنف الطائفي التي شهدتها.
ولا يكتفي التقرير بإعادة سرد أحداث تموز/يوليو 2025، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص، معظمهم من الدروز، وفق الأمم المتحدة، وإنما يقدم صورة عن السويداء باعتبارها منطقة ذات واقع أمني وسياسي مختلف عن بقية مناطق سوريا، وسط غياب سلطة دمشق عنها واستمرار التوتر على خطوط التماس.
“نعلم أنهم قادمون”
يلخص التقرير حالة القلق داخل السويداء بعبارة قالتها امرأة درزية تبلغ 65 عاماً ونزحت من المحافظة خلال أحداث العنف: “نعلم أنهم قادمون”.

وتربط المرأة، كما ينقل التقرير، بين ما يجري في السويداء وما حدث في شمال شرقي سوريا، حين تمكنت الحكومة السورية من فرض سيطرتها بالقوة على المنطقة التي كانت تخضع لسنوات لإدارة كردية.
وبحسب الصحيفة، يرى سكان دروز أن التطورات التي شهدتها المنطقة الكردية قد تشكل مؤشراً إلى ما يمكن أن يحدث في السويداء، التي بقيت خارج سيطرة الحكومة المركزية منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024.
وتنقل الصحيفة عن سكان ومسؤولين محليين اعتقادهم بأن مسألة تحرك دمشق نحو المحافظة قد تكون مسألة وقت، في ظل إصرار الحكومة السورية على “فرض” سلطة مركزية واحدة.
عام على العنف.. والمدينة لم تتعافَ
يعيد التقرير التذكير بحجم أحداث تموز، عندما بدأت المواجهات بين مجموعات مسلحة من البدو وفصائل درزية، على خلفية نزاعات قديمة حول الأراضي والرعي والمياه.

وسرعان ما اتسع نطاق القتال مع دخول القوات الحكومية ومقاتلين متحالفين معها إلى المواجهات، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى، وتدمير بلدات وقرى، ونزوح عشرات الآلاف.
وبينما يشير التقرير إلى أن الدروز تحملوا العبء الأكبر من أعمال العنف، فإنه ينقل أيضاً اتهامات إلى مقاتلين دروز بارتكاب عمليات قتل وانتهاكات، في وقت نفى أو رفض بعض القادة الدروز تحمل المسؤولية عن تلك الانتهاكات.
وكانت الحكومة السورية قد أقرت بوقوع “انتهاكات صادمة وجسيمة” خلال الأحداث، فيما خلص تحقيق حكومي إلى وجود مسؤولية جنائية في بعض الوقائع، مع إحالة عدد من الملفات إلى القضاء العسكري في دمشق.
لكن مرور عام لم ينهِ التوتر
وفق التقرير، لا تزال عمليات إطلاق النار والاشتباكات المتقطعة تقع على خطوط التماس بين القوات المحلية والقوات الحكومية وحلفائها، بينما يعيش كثير من سكان المحافظة في حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل المنطقة.

ومن أبرز المعطيات التي يسلط التقرير الضوء عليها وجود “الحرس الوطني” في السويداء، وهي قوة محلية يقدر عدد أفرادها بنحو 28 ألف مقاتل، وموالية للشيخ حكمت الهجري.
وينقل التقرير عن المتحدث باسم “الحرس”، طلال عامر، قوله إن القوة على اتصال دائم بإسرائيل، من دون أن يكشف طبيعة هذا التنسيق.
وتقول الصحيفة إن إسرائيل، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الأقلية الدرزية داخل أراضيها، تعارض انتشار القوات الحكومية السورية وحلفائها بالقرب من حدودها، وتطالب بإبقاء السويداء منطقة منزوعة السلاح من تلك القوات.
وهذا أحد أبرز العوامل التي تجعل إعادة بسط سلطة الحكومة السورية على المحافظة أكثر تعقيداً، مقارنة بمناطق أخرى تمكنت دمشق من استعادة السيطرة عليها. وفق الصحيفة.
حكمت الهجري.. الانفصال خياراً
ويقدم التقرير موقف الشيخ حكمت الهجري باعتباره أحد أكثر المواقف تشدداً داخل البيئة الدرزية تجاه الحكومة السورية الجديدة.
ففي مقابلة أجريت معه في كانون الثاني/يناير، قال الهجري إن السلطات في دمشق لم تختلف، من وجهة نظره، عن النظام السابق في طبيعة الحكم، رغم تغير الأشخاص.
ويرى الهجري أن الدروز لا يملكون مستقبلاً في ظل حكومة الرئيس أحمد الشرع، ويعتبر الانفصال الخيار الوحيد القابل للحياة بالنسبة إلى السويداء.
لكن الصحيفة تشير في الوقت نفسه إلى أن هذا الموقف أكثر تشدداً من مواقف مرجعيات درزية أخرى لم تطالب علناً بالانفصال.
وتكشف هذه النقطة عن وجود تباين داخل البيئة الدرزية نفسها بشأن مستقبل العلاقة مع دمشق، بين من يرى ضرورة الحفاظ على مسافة واسعة عن الحكومة المركزية، ومن لا يذهب إلى حد المطالبة بالانفصال.
ضغوط من دمشق.. وحياة معلقة
ينقل التقرير عن سكان ومسؤولين محليين اتهامات للحكومة السورية بممارسة ضغوط على المحافظة لإجبارها على الخضوع لسلطتها.

وتشمل الاتهامات قطع الكهرباء والمياه، وتعطيل إصلاح البنية التحتية، وتأخير وصول المساعدات الإنسانية أو تقييدها، بما في ذلك المواد الغذائية والإمدادات الطبية.
وتنفي الحكومة هذه الاتهامات، وتقول إنها لا تزال تدفع الرواتب، وتساعد في إعادة بناء المنازل المتضررة، وتسمح بدخول المساعدات بصورة منتظمة.
لكن آثار العنف لا تزال واضحة في المحافظة، بحسب التقرير، الذي يصف مدينة السويداء بأنها تعيش حالة من الجمود، مع توقف مشاريع البناء وخفوت النشاط في الأسواق.
كما لا يزال عدد من النازحين يقيمون في مراكز إيواء داخل المدينة، بعد مرور عام على موجة العنف.
- محمد بن سلمان: ندعم الحكومة اليمنية لبسط سلطتها على اليمن
- رويترز: محادثات سرية جمعت مسؤولين سوريين و”حزب الله” في تركيا
- جدل حول حصر القبول في كليات ومعاهد التعليم العالي السورية بـ”الطلاب الذكور”
- مطالبات حقوقية بتعويض ضحايا التدخل العسكري الروسي في سوريا
- تعز تحت الهجوم.. القوات الحكومية تصد محاولة “حوثية” لتطويق المدينة

