بعد رفع أسعار المحروقات.. كيف أعاد الغلاء رسم ميزانيات السوريين؟

سوريا

لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات في سوريا محصوراً بمحطات الوقود، بل بدأ سريعاً في إعادة توزيع أعباء الإنفاق داخل ميزانيات الأسر، مع انتقال أثر الزيادة إلى أجور النقل وأسعار السلع والخدمات وتكاليف الإنتاج، في اقتصاد تعاني فيه الأسر أصلاً من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وكانت الحكومة السورية قد أقرت في 13 أيلول/ سبتمبر الجاري أسعاراً جديدة مؤقتة للمشتقات النفطية، رفعت بموجبها سعر المازوت إلى 175 ليرة سورية جديدة للتر، مقارنة بـ125 ليرة، والبنزين 95 إلى 195 ليرة، مقابل 152 ليرة سابقًا.

النقل يدفع الفاتورة أولاً

بررت وزارة الطاقة القرار بارتفاع كلفة تأمين المشتقات عالمياً، إلى جانب دخول مصفاة بانياس في عملية صيانة شاملة، ما يزيد الحاجة مؤقتاً إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة.

لكن انعكاس القرار على الأسر لا يتوقف عند ما تدفعه مباشرة في محطات الوقود، فأي زيادة في تكلفة النقل تعني ارتفاع كلفة انتقال العاملين والطلاب، كما ترفع تكلفة نقل المواد الغذائية والسلع من الأسواق المركزية إلى منافذ البيع، قبل أن تصل الزيادة في النهاية إلى المستهلك.

كانت الحكومة السورية قد أقرت في 13 أيلول/ سبتمبر الجاري أسعاراً جديدة مؤقتة للمشتقات النفطية- إنترنت

وأكد أمين سر جمعية حماية المستهلك عبدالرزاق حبزة، أن أثر ارتفاع المحروقات ظهر مباشرة في أجور نقل الركاب، ثم امتد إلى نقل المواد الغذائية والسلع من الأسواق المركزية إلى أسواق المفرق، مقدراً زيادة تكاليف نقل المواد الغذائية بنحو 5 إلى 10 بالمئة، وهي زيادة يتحملها المستهلك في نهاية المطاف، وفق ما نقلت عنه صحيفة “الوطن”.

ولا تقتصر الضغوط على النقل، إذ يدخل الوقود في قطاعات الإنتاج نفسها، من الزراعة والصناعة إلى تشغيل المولدات وتكاليف الأمبير وضخ المياه والقطاف ونقل المنتجات الزراعية.

 ويقول حبزة: “15 بالمئة على السلع”، موضحاً أن المحروقات تضغط على مختلف حلقات الإنتاج، ومقدّراً الزيادة الحالية على أسعار السلع والمواد الغذائية والمنتجات المحلية والمستوردة بنحو 15 بالمئة.

قدرة شرائية تحت الضغط

تأتي هذه التقديرات في وقت تكشف فيه بيانات برنامج الأغذية العالمي عن هشاشة الوضع المعيشي، إذ بلغ عدد السوريين الذين يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي 7.2 مليون شخص في أيار/ مايو الماضي، فيما اضطر البرنامج إلى خفض مساعداته الغذائية الطارئة إلى النصف بسبب نقص التمويل.

كما أظهرت بيانات مركز السياسات السوري أن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة كان من العوامل الرئيسية وراء التضخم، إذ سجل مؤشر أسعار المستهلك ارتفاعاً شهرياً بلغ 6.5 بالمئة في شباط/ فبراير الماضي، بينما ساهمت مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود وحدها بـ52 بالمئة من التضخم المسجل خلال الشهر.

ويلفت حبزة إلى أن ارتفاع أسعار الأطعمة الجاهزة استمر رغم انخفاض سعر الفروج، معتبراً أن إبقاء الأسعار مرتفعة بحجة زيادة تكاليف المحروقات يحتاج إلى متابعة، ولا ينسجم مع انخفاض بعض مكونات الكلفة.

وفي المقابل، يرى خبراء أن أثر الزيادة قد يتجاوز الأسعار المباشرة إلى التضخم وتراجع القدرة الشرائية،  وقال الخبير الاقتصادي والمتخصص في شؤون الطاقة زياد عربش إن مشتقات الطاقة تدخل في النقل والإنتاج الصناعي والزراعي، بما يعني ضغطاً إضافياً على المنتجين وارتفاعاً محتملاً في تكاليف المعيشة.

ثلاثة أنواع.. وآلية غائبة

لا يتوقف الجدل عند الأسعار، إذ انتقد حبزة طرح ثلاثة أنواع من المازوت، معتبراً أن القرار صدر من دون وضع آلية تنفيذ واضحة ومستلزمات نجاحه، ما أدى إلى صعوبة تطبيقه في السوق، محذراً من أن غياب آلية واضحة قد يفتح المجال أمام الخلط والتلاعب بين الأنواع المختلفة، في وقت يصعب فيه على الجهات الرقابية تغطية جميع نقاط البيع والأسواق.

كانت الحكومة السورية قد أقرت في 13 أيلول/ سبتمبر الجاري أسعاراً جديدة مؤقتة للمشتقات النفطية- إنترنت

وبذلك، لا تبدو زيادة أسعار المحروقات مجرد تعديل في فاتورة الطاقة، بل عاملاً يعيد تشكيل أولويات الإنفاق لدى الأسر السورية، فما يُدفع إضافياً للنقل قد يُقتطع من الغذاء، وما يرتفع في تكلفة الإنتاج قد يظهر لاحقاً على رفوف المتاجر.

ومع استمرار هشاشة الدخول، يصبح السؤال الأهم ليس فقط كم ارتفع سعر الوقود، وإنما إلى أي حد تستطيع ميزانيات الأسر امتصاص موجة الغلاء الجديدة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم