في سوريا ما بعد بشار الأسد، لم يعد الاقتصاد مجرد ملف من ملفات المرحلة الانتقالية، بل بات اختباراً مباشراً لقدرة السلطة الجديدة على تثبيت أركان النظام السياسي الذي تشكل بعد سقوط النظام السابق.
فبينما تحاول دمشق طي صفحة أكثر من عقد من الحرب والعزلة، يجد ملايين السوريين أنفسهم أمام واقع معيشي لا يتناسب مع الوعود التي رافقت التغيير السياسي، من ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والطاقة إلى ضعف الدخول وتراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية.
أزمة تتجاوز الفقر
في قراءة تحليلية معمقة للمشهد السوري الراهن، خلص تقرير نشرته مجلة الشؤون الخارجية الأميركية “فورين أفيرز”، بعنوان “الانتقال السوري المهدد: كيف يهدد العلاج بالصدمة السلام بعد الأسد”، إلى أن التحدي الأكبر الذي يهدد استقرار سوريا ومستقبل انتقالها السياسي لا ينبع فقط من تعقيدات الانقسام الداخلي أو المخاوف الطائفية، بل يكمن في المقام الأول في الأزمة المعيشية والاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد.

وتوضح المجلة الأميركية أن السوريين، بمختلف طبقاتهم وخلفياتهم، باتوا يواجهون مشقة غير مسبوقة لتأمين أساسيات الحياة من غذاء ومسكن وخدمات حيوية، في وقت يسعى فيه المجتمع لتجاوز نصف قرن من الحكم الاستبدادي و14 عاماً من الحرب المدمرة، وبناء نظام سياسي بديل أكثر حرية.
ومع تقدم مسار إعادة الترتيب السياسي تحت قيادة أحمد الشرع في مرحلة ما بعد إسقاط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، لم يلمس المواطن العادي ثمار الازدهار المالي الموعود، بل تدهورت القدرة الشرائية بصورة أعمق، مما حول المكاسب الدبلوماسية المتمثلة في كسر العزلة الدولية ورفع حزم العقوبات إلى إنجازات بروتوكولية لم تسعف جيوب المواطنين المنهكين، وسط قرارات تقشفية قاسية اتخذتها الإدارة الجديدة وضاعفت من أعباء المعيشة اليومية.
الهشاشة تضاعف المخاطر
تشير “فورين أفيرز” إلى أنه رغم عدم انفراد دمشق بأزمات التضخم وارتفاع التكاليف عالمياً، فإن هشاشتها الهيكلية البالغة تجعل من فشل تلبية المتطلبات اليومية صاعق تفجير حقيقي يهدد بعرقلة عملية التحول الوطني برمتها.
أشارت إلى أن فصائل المعارضة كانت قادت هجوماً حاسماً أطاح بالنظام السابق في أواخر 2024، ليتولى الشرع إدارة مؤسسات الدولة ومساعي التعافي، مسجلا بعض النقاط الإيجابية مثل حيازة دعم إقليمي ودولي، بما في ذلك من جانب واشنطن، والنجاح في تجنيب البلاد سيناريو التفتت الجغرافي عبر مسار إعادة دمج مناطق الشمال الشرقي بعد انحسار نفوذ القوات الكردية مطلع هذا العام.
إلى جانب الحد نسبياً من عمليات الثأر الفردي رغم تسجيل انتهاكات بحق أقليات محلية، وتحييد الساحة الداخلية عن نيران الصراع الإقليمي المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، غير أن العثرة البنيوية الفادحة برزت بوضوح في الملف الاقتصادي وإدارة الموارد المتاحة.
وبحسب توثيق المجلة استناداً إلى بيانات البنك الدولي، فإن أربعة عشر عاماً من الصراع العسكري خلفت دماراً شاملاً هجر أكثر من نصف السكان، وقلص الناتج المحلي بأكثر من 50 بالمئة، مع تسجيل خسائر في البنية التحتية والمباني قاربت 108 مليارات دولار تركزت أساساً في كبرى المراكز الحضرية كحلب ودمشق وحمص.
الفقر يطوق الاقتصاد
تكشف أرقام المنظمات التابعة للأمم المتحدة عن واقع بالغ القتامة، إذ يقبع ثلثا السكان تحت خط الفقر المحدد بـ 3.65 دولار للفرد يومياً، في حين تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن 90 بالمئة من السوريين يعيشون في فقر عام، ونحو 66 بالمئة يعانون فقراً مدقعاً.
وكانت هذه البيئة الاقتصادية المتهاوية هي الشرارة التي دفعت قطاعات عسكرية وجماهيرية للتخلي عن النظام السابق أواخر 2024، ما يعني أن إدارة المهمة كانت ستثقل كاهل أي حكومة تملك موارد ضخمة وخبرات عميقة، وهي عناصر تفتقر إليها القيادة الحالية بشدة.

وتبرز الهوة بين الدخل والتكاليف الحقيقية كأحد أهم محاور التحليل في التقرير الأميركي، فاستناداً إلى بيانات برنامج الأغذية العالمي المحسوبة على أساس أسعار الصرف المتداولة، تحتاج الأسرة المكونة من خمسة أفراد إلى نحو 197 دولاراً شهرياً لتأمين الحد الأدنى من الغذاء والخدمات، بينما يقدر المركز السوري لأبحاث السياسات، ومقره دمشق، عتبة الفقر المدقع الشهرية بنحو 255 دولارا.
وفي المقابل، لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور في البلاد 95 دولارا، وهو ما يجعل الاعتماد على تحويلات المغتربين شريان الحياة الوحيد المتبقي للأغلبية الساحقة، وتزداد الأزمة اشتعالاً مع قفزة تكلفة المواد الاستهلاكية الأساسية بنسبة بلغت 34 بالمئة بين تموز/يوليو 2025 والشهر ذاته من العام الجاري، رافقها تراجع متجدد للعملة الوطنية بعد تحسن زائف لم يدم طويلا، لتعاود الاقتراب من مستوياتها المنهارة تاريخياً.
الغذاء.. نقطة الضعف الأخطر
يوضح التقرير أن انعدام الأمن الغذائي المنتظم لا يزال يطال أكثر من 80 بالمئة من المجتمع، فعلى الرغم من ارتفاع نسبة السوريين الآمنين غذائيا من 11.1 بالمئة إلى 18.4 بالمئة في أحدث المسوح الرسمية والأممية المشتركة، فإن وفرة المحاصيل الناتجة عن الأمطار الأخيرة بعد موجات جفاف قاسية لا تعني قدرة المستهلك على شرائها من الأسواق.
كما تضاعفت أزمة السكن بنسب حادة، إذ سجلت دراسات المركز السوري لأبحاث السياسات ارتفاعا في بدلات الإيجار بنحو 66 بالمئة بين أيار/مايو 2025 ومايو 2026، مما اضطر آلاف العائلات إلى العودة للإقامة في أحيائهم المدمرة عجزا عن مواكبة الأسعار في المناطق السليمة، فضلا عن معاناة الطبقة الوسطى والميسورة من تضاعف أقساط المدارس وتكاليف العقارات.
وترى “فورين أفيرز” أن تحميل تركة الحرب وعقود الفساد المسؤولية الكاملة لم يعد كافيا لتبرير المأزق، إذ تتحمل سياسات حكومة الشرع قسطاً ملموساً عبر تطبيق برنامج تحرير اقتصادي غير مدروس، متجاهلة الهشاشة الاجتماعية العميقة.
فبينما كان النظام السابق قد شرع في تقليص الدعم تحت وطأة الإفلاس، اتخذت السلطة الجديدة قرارات أكثر صدمة للمجتمع، شملت رفع سعر ربطة الخبز المدعومة بنسبة ناهزت 1400 بالمئة، مع تقليص حجمها ووزنها لاحقاً، ورفع رسوم الكهرباء مطلع العام بنسب وصلت في بعض الشرائح إلى 800 بالمئة في محاولة لتحميل المستهلك كلفة إعادة تأهيل الشبكة، وهو ما قوبل بامتناع قطاعات واسعة عن السداد.
وتكرر الأمر مع تحرير أسعار المشتقات النفطية ومطابقتها للمتوسطات العالمية، وصولا إلى رفع سعر الديزل بنسبة 40 بالمئة في منتصف أيلول/ سبتمبر، بذريعة تقلبات السوق العالمية وصيانة مصفاة محلية رئيسية، الأمر الذي فجر احتجاجات واسعة في الشارع اعتبرت الكبرى منذ التغيير السياسي.
زيادة الأجور أمام اختبار التضخم
لم تفلح محاولات امتصاص الغضب عبر زيادات الرواتب الحكومية، التي بلغت 50 بالمئة في آذار/مارس الماضي، في ملاحقة قطار التضخم المتسارع، ورافق ذلك اختلال في العدالة التوزيعية ناتج عن تسريح واسع لعشرات الآلاف من موظفي ومسؤولي المرحلة السابقة، واستبدالهم بكوادر موالية أو ضمهم للتشكيلات الأمنية والعسكرية المستحدثة.
وعلاوة على ذلك، أدى فتح باب الاستيراد بشكل واسع وإلغاء القيود الحمائية التي كانت متبعة إلى إغراق الأسواق بسلع استهلاكية منافسة، مما ضيق الخناق على المصانع والورش السورية التي تعاني بالفعل من ارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة.

وتصف المجلة النهج الاقتصادي المتبع بالافتقار إلى الخبرة اللازمة لمواجهة واقع دولة مفلسة، فالمشاريع الطموحة لتحويل البلاد إلى ممر تجاري إقليمي عبر السكك الحديدية وخطوط الأنابيب، أو استثمار حقول النفط والأراضي الزراعية المستعادة في الشمال الشرقي، تتطلب رؤوس أموال ضخمة لا تملكها الخزينة.
كما أن المساعدات الدولية خيبت آمال دمشق، فلم تقدم الولايات المتحدة التزامات تمويلية واسعة النطاق على غرار مؤتمرات إعادة الإعمار السابقة في المنطقة، واقتصر دور دول الخليج كالسعودية وقطر على دعم تشغيلي ومساندة الرواتب دون تقديم حزم إنقاذ مفتوحة، تزامناً مع تراجع تمويل برنامج الأغذية العالمي الذي اضطر لإنهاء مشروع دعم الخبز وخفض حصصه الغذائية إلى النصف.
أزمة ثقة بالأرقام
تفاقم هذا الوضع مع إحجام القيادة السورية عن الاقتراض الدولي بحجة رفض الارتهان السياسي، وفشلها في تحويل مذكرات التفاهم الاستثمارية الأولية إلى مشاريع تشغيلية حقيقية، بسبب الغياب التشريعي والمصرفي والهشاشة الأمنية، واقتصار العقود الموقعة على عقارات استهلاكية معزولة عن التنمية المستدامة.
ينبه التقرير إلى أن حصر القرارات الاقتصادية العليا داخل دوائر ضيقة غير معلنة تابعة للرئاسة والصندوق السيادي الجديد، وتهميش الوزارات الفنية كالاقتصاد والنقل، أفرز تخبطاً في المؤشرات الرسمية، مثل الادعاء بتحقيق معدلات نمو بلغت 35 بالمئة العام الماضي، في حين تؤكد مراكز الأبحاث المستقلة كمركز السياسات أن نسبة النمو الحقيقي لم تتجاوز 0.3 بالمئة.
وتظهر استطلاعات الرأي تآكل الحاضنة الشعبية بسرعة، حيث بينت بيانات نشرة “سوريا في مرحلة انتقالية” ارتفاع نسبة غير الراضين عن الأداء الحكومي إلى 52 بالمئة في حزيران/يونيو مقارنة بـ 44 بالمئة في نيسان/أبريل، بينما أكد 66 بالمئة عجز السلطات عن ضبط الأسعار.
وقفزت معدلات التشاؤم بمستقبل البلاد من 30 بالمئة إلى 46 بالمئة، ورغم استبعاد عودة الصراع المسلح الشامل بسبب الإنهاك المجتمعي، فإن الاحتجاجات المطلبية والإضرابات بدأت تأخذ طابعا أكثر تنظيما.
مناطق هشة تحت ضغط الأسعار
يتعاظم هذا الخطر الاجتماعي في المناطق الحساسة كالشمال الشرقي الخاضع لإعادة الدمج مع تجريده من دعوم المحروقات المعتادة، وعلى الساحل السوري حيث تتضافر أعباء المعيشة المرتفعة مع معدلات بطالة مرتفعة نجمت عن حل المنظومات السابقة وتراجع العمل الحكومي، مما يخلق بيئة قابلة للاشتعال المجتمعي.
وتختم “فورين أفيرز” بالتشديد على أن الحفاظ على استقرار سوريا وتأمين نجاح انتقالها السياسي يتطلبان من حكومة الشرع مراجعة أولوياتها الاقتصادية فورا، والابتعاد عن صدمات السوق غير المحمية، وإعادة تأسيس شبكات أمان اجتماعي تدعم الغذاء والوقود والطاقة والإنتاج المحلي، بالتوازي مع التزام المانحين الدوليين بتوفير شريان إنمائي حقيقي يبني الثقة في مرحلة ما بعد الحرب، قبل أن يستنزف الفقر ما تبقى من صبر السوريين.
- هجوم “حوثي” على المقاطرة.. هل يٌهدد شريان تعز الأخير؟
- الاقتصاد يخنق الانتقال السوري.. تقرير أميركي يحذر من نفاد صبر الشارع
- عائلات بريف دمشق تناشد الكشف عن مصير أبنائها المعتقلين.. ما القصة؟
- أسوشيتد برس: مستشارون إيرانيون قادوا تقدم “الحوثيين” على الساحل
- “سويفت” في سوريا.. هل يصل أثر الانفتاح المالي إلى جيوب السوريين؟

