تتعثر مجدداً محاولات إعادة تثبيت مسار التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما أكدت طهران عدم إحراز تقدم في الجهود الرامية إلى إحياء الاتفاق المؤقت الموقع في حزيران/ يونيو، فيما بقيت أزمة الملاحة في مضيق هرمز إحدى أكثر العقد تعقيداً في أي تسوية محتملة.
وبينما تتبادل واشنطن وطهران الاتهامات بشأن الالتزامات التي لم ينفذها كل طرف، تراجعت حركة السفن عبر المضيق إلى مستويات شديدة الانخفاض مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، لتتحول الملاحة من مجرد ملف أمني إلى ورقة تفاوضية واقتصادية تضغط على الطرفين والأسواق العالمية في آن واحد.
اتفاق لم يصمد طويلاً
كان الاتفاق المؤقت الذي توصل إليه الطرفان قد فتح نافذة لوقف القتال والانتقال إلى مفاوضات تستهدف اتفاقاً أوسع، يتناول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات وإعادة فتح الممرات البحرية.
لكن هذه التفاهمات سرعان ما انهارت، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السابع من تموز انتهاء الاتفاق، بينما تقول طهران إن واشنطن انتهكته بعد وقت قصير من إبرامه وانسحبت منه لاحقاً.

وفي أحدث موقف إيراني، قال مسؤول رفيع إن طهران لا تناقش تمديد وقف إطلاق النار، وإن أي مسار جديد يجب أن يبدأ بعودة الولايات المتحدة إلى الالتزامات الواردة في الاتفاق ووضع جدول زمني لتنفيذها.
وتتمسك إيران، في المقابل، بربط إعادة فتح هرمز بتنفيذ واشنطن التزاماتها، بما في ذلك رفع العقوبات والحصار عن الموانئ والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة.
وكانت طهران قد قالت في وقت سابق إن التوصل إلى ترتيبات مع سلطنة عُمان بشأن ممر آمن للسفن لا يكفي وحده لإعادة فتح المضيق، ما لم يتغير الوضع المرتبط بالعمليات والضغوط الأميركية، وفي المقابل، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة تملك “سيطرة كاملة” على المضيق، في موقف يعكس حجم التباعد بين روايتي الطرفين بشأن الوضع الملاحي.
الملاحة تتراجع إلى القاع
على الأرض، لا تعني هذه التطورات أن حركة الملاحة توقفت بصورة مطلقة، لكنها تراجعت بشدة، فقد عبرت ست سفن فقط المضيق في أحد أيام الأسبوع الجاري، مقابل متوسط بلغ نحو 11 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، فيما كانت حركة المرور قبل الحرب تتراوح بين 130 و140 سفينة يومياً، ليعكس هذا الانخفاض إحجام شركات الشحن عن المخاطرة في ممر لا تزال سلامته وشروط العبور فيه موضع نزاع بين واشنطن وطهران.
تزداد حساسية الأزمة لأن مضيق هرمز ليس ممراً إقليمياً عادياً، بل إحدى أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية؛ إذ كانت تمر عبره قبل الحرب كميات تعادل نحو خمس النفط والغاز الطبيعي المسال المتداول عالمياً، لذلك فإن استمرار اضطراب الحركة فيه لا يهدد صادرات إيران وحدها، وإنما يرفع مخاطر الإمدادات والتأمين والشحن بالنسبة إلى أسواق الخليج وآسيا والاقتصاد العالمي الأوسع.
وقد انعكست هذه الحساسية سريعاً على أسعار النفط، التي ارتفعت أول أمس، الثلاثاء، مع إعلان إيران استمرار إغلاق المضيق، قبل أن تتراجع اليوم مع تزايد المخاوف بشأن الطلب العالمي وارتفاع المخزونات الأميركية، وسجل خام برنت في أحدث تداولات نحو 87 دولاراً للبرميل.
الخطر يتجاوز هرمز
لم تقتصر المخاطر على هرمز، إذ شهدت طرق الملاحة الإقليمية هجمات جديدة زادت من حذر شركات الشحن، ففي البحر الأحمر، تعرضت سفينة شحن لهجوم قرب باب المندب أسفر عن سقوط قتلى بين أفراد طاقمها، بينما أعلنت القيادة المركزية الأميركية في حادث منفصل استخدام مروحية تابعة للبحرية صاروخين لتعطيل معدات توجيه سفينة كانت، وفق الرواية الأميركية، تنتهك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
وتزامن ذلك مع تحذيرات متزايدة من أن اتساع نطاق المخاطر البحرية قد يجعل استعادة حركة التجارة الطبيعية أكثر صعوبة حتى في حال التوصل إلى تفاهم سياسي.

وبذلك، تبدو أزمة هرمز عالقة في قلب معادلة التفاوض، واشنطن تريد فتح الممر باعتباره مؤشراً على عودة الملاحة ونجاح الضغط العسكري والاقتصادي، بينما تستخدم طهران التحكم في الحركة البحرية كورقة تفاوضية للضغط من أجل رفع العقوبات وإنهاء الحصار.
ومع عدم إحراز تقدم في إحياء الاتفاق المؤقت، تصبح إمكانية التوصل إلى انفراجة سريعة أكثر صعوبة، خصوصاً أن كل حادث بحري جديد يرفع كلفة التأمين والطاقة ويقلص استعداد شركات النقل للمجازفة.
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض
- مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟

