وسّعت الولايات المتحدة نطاق عملياتها العسكرية ضد إيران، مستهدفة بنى تحتية ومنشآت استراتيجية في تصعيد جديد للحملة الجوية، وذلك على إثر استهداف طهران لسفنٍ خليجية للنفط والغاز في مضيق هرمز. بينما قامت طهران بالرد على استهداف الدول الخليجية والأردن، وضرب منشآت مدنية. واستهدفت غارات أميركية جسوراً في محافظة هرمزغان جنوب إيران، إذ تُعد هذه الجسور شرياناً حيوياً يربط بمدينة بندر عباس، التي تضم أكبر الموانئ الإيرانية.
انتهت تجارب ما يسمى بـ”محور المقاومة”، من سوريا إلى لبنان وغزة والعراق، إلى استنزاف كبير دون تحقيق مكاسب استراتيجية مستدامة، وهو ما يعكس أزمة بنيوية في قدرة إيران وأذرعها على الانتقال من منطق الصدام الدائم إلى منطق التسويات السياسية. ويتجلى ذلك بوضوح في مواقف “حزب الله” في لبنان من مسار المفاوضات مع إسرائيل، كما يتجلى في مقاربة “الحوثيين” في اليمن للأزمة الإقليمية وطبيعة علاقتهم بالقوى الخليجية.
كما دمّرت غارات أميركية برج مراقبة في ميناء تشابهار المطل على خليج عُمان. وقال الجيش الأميركي إن البرج كان جزءًا من شبكة يستخدمها “الحرس الثوري” الإيراني لتنسيق الهجمات على السفن العابرة لمضيق هرمز. وامتدت الضربات لتشمل منشآت رئيسية في شبكة الكهرباء، إضافة إلى مطار إيرانشهر. في أعقاب الهجمات، دعت وزارة الطاقة الإيرانية المواطنين إلى ترشيد استهلاك الكهرباء وأجهزة التكييف، مؤكدة أن شبكة الطاقة تتعرض لضغوط كبيرة بعد استهداف عدد من منشآتها، بالتزامن مع موجة حر شديدة تضرب المحافظات الجنوبية، بما يؤشر إلى التحول الأميركي في استهدافاته، الذي يسعى من خلالها إلى شلّ قدرات النظام الاستراتيجية العسكرية وعلى مستوى البنية التحتية.
شلّ القدرات البحرية الإيرانية وتأمين هرمز
وفي ما يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يمضي نحو تنفيذ تهديداته بتوسيع العمليات العسكرية ضد إيران، بما يشمل استهداف البنية التحتية ومحطات الطاقة، لجهة زيادة الضغط على طهران بغرض إعادة فتح مضيق هرمز، مع الأخذ في الاعتبار أنه خلال الأسبوع عقد الرئيس الأميركي اجتماعات مع كبار المسؤولين في إدارته لبحث توسيع الحملة الجوية.
في المقابل، توعّد “الحرس الثوري” بفرض “ثمن مدمر”، إذ هدد بتدمير “كافة البنية التحتية في المنطقة” إذا واصلت واشنطن تصعيدها على البلاد، وقد عاودت طهران هجماتها على الخليج في البحرين والكويت والأردن وسلطنة عُمان وقطر. وأعلنت السلطات القطرية إصابة طفل بجروح نتيجة سقوط شظايا صواريخ اعترضتها الدفاعات الجوية، فيما أفادت الكويت بأن ضربة إيرانية أصابت محطة لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، متسببة في أضرار بمنشأة توفر نحو 90% من مياه الشرب في البلاد.
وفي شمال العراق، أسفرت ضربات استهدفت إقليم كردستان عن مقتل ثمانية عناصر من جماعات كردية مسلحة معارضة. كما أعلنت طهران استهداف قاعدة التنف العسكرية في سوريا، وهو ما نفته السلطات السورية، ومن ثم القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”.
تؤشر مواصلة الولايات المتحدة تصعيد عملياتها العسكرية ضد إيران لليلة السابعة على التوالي، إلى تبنيها استراتيجية واضحة تستهدف شلّ القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما تلك التي تهدد حركة الملاحة في مضيق هرمز، مع تأكيد واشنطن أن أكثر من 50 ألف جندي أميركي في الشرق الأوسط لا يزالون في حالة جاهزية قتالية مرتفعة.
كما لا يغفل اتجاه الضربات العسكرية الأميركية استهداف البنية التحتية الداعمة للقدرات البحرية الإيرانية، من خلال قصف خمسة جسور في جنوب إيران، في خطوة تبدو موجهة لقطع خطوط الإمداد المؤدية إلى منطقة بندر عباس، التي تُعد المركز الرئيس للعمليات البحرية الإيرانية في الخليج. ويعني ذلك انتقال واشنطن من استهداف الأهداف العسكرية المباشرة إلى ضرب شبكات الحركة والإمداد، بما يقوض قدرة طهران على تحريك قواتها ومنصاتها الهجومية نحو الساحل، ويقلص قدرتها على تهديد الملاحة.
وبحسب الخبير العسكري الدكتور سيد غنيم، في تحليل نشره عبر حسابه الرسمي على “فيسبوك”، فإن توسيع الولايات المتحدة ضرباتها لتشمل الجسور وشبكات الإمداد، إلى جانب المنصات العسكرية، يعكس تحولاً في أهدافها من مجرد الرد على الهجمات الإيرانية إلى شلّ القدرات البحرية الإيرانية وإضعاف بنيتها العسكرية الداعمة للعمليات في الخليج. وأضاف أن تركيز الضربات على بندر عباس وخطوط الإمداد المؤدية إليها يؤشر إلى سعي واشنطن لفرض سيطرة نارية على الساحل الإيراني بهدف تأمين الملاحة في مضيق هرمز. ويشير إلى أن هذا السيناريو قد يرفع، وإن بشكل محدود، احتمال تنفيذ عمليات برية أو إنزال على بعض الجزر أو المواقع الساحلية الإيرانية، إلا أنه يبقى ضمن السيناريوهات الأقل أو متوسطة الاحتمال في المرحلة الحالية.
وفي المقابل، يعتقد غنيم أن إيران تواصل استراتيجية توسيع ساحات الصراع لتعويض تراجع قدرتها على خوض مواجهة مباشرة، موضحاً أن استهدافها دولاً مثل الكويت والبحرين وقطر والأردن، إلى جانب تحركاتها في العراق وسوريا، يهدف إلى توزيع الضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها، وإظهار للعالم أن “استمرار الحرب ستكون له تكلفة إقليمية متزايدة”.
“الحرس الثوري” يعيد إنتاج الأزمة
تكشف معاودة العمليات العسكرية الأميركية، رداً على قيام “الحرس الثوري” الإيراني بالهجوم على سفن تجارية في مضيق هرمز، مدى عمق الهوة بين الأطراف الفاعلة في مواقع القيادة الإيرانية، وحجم الانشقاق الذي وقع على خلفية مقتل المرشد الأعلى خامنئي الأب، الأمر الذي سمح بتطرف “الحرس الثوري” في موقفه من الأحداث وتطوراتها، سواء على المستوى السياسي أو الميداني، على حساب الأطراف السياسية الأخرى التي تتبنى الاستمرار في مسار المفاوضات السياسية مع الجانب الأميركي.
وربما يبدو ذلك واضحاً من حديث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن وجود خلاف بين أعضاء مجلس الأمن القومي، عندما ناقشوا مذكرة التفاوض مع الولايات المتحدة.
إذاً، بدا أن الخلاف داخل مجلس الأمن القومي لم يكن مجرد تباين في وجهات النظر، وهو أمر وارد الحدوث في مثل هذه القرارات المركزية والأوقات الحاسمة، بل عكس صراعاً بين جناحين ورأيين واتجاهين في إدارة الأزمة؛ فإن الأول، وهو الجناح البراغماتي، رأى أن مذكرة التفاهم تمثل فرصة لإعادة إدماج إيران دولياً وتخفيف الضغوط عنها، بينما رأى الثاني، ويبدو أنه الطرف المسيطر ويمثله “الحرس الثوري”، في أي تسوية تهديداً مباشراً لنفوذه السياسي والعسكري والاقتصادي، فدفع باتجاه إعادة إنتاج الأزمة عبر الاستخدام المكثف لورقة مضيق هرمز.
في المقابل، كانت واشنطن تراهن على وجود تمثيل واضح داخل بنية السلطة يتحرك باعتباره شريكاً سياسياً مسؤولاً قادراً على تنفيذ التفاهم، لكن تطور الأحداث وتمثلاتها خلال الآونة الأخيرة كشف مدى تغلغل نفوذ “الحرس الثوري” داخل مؤسسات صنع القرار، وهو ما جعل ذلك الرهان يتلاشى، فأصبحت القوة العسكرية الأداة الوحيدة التي تراها واشنطن قادرة على فرض معادلة التفاهم مع إيران.
كيف ضيعت إيران فرصتها التاريخية؟
في هذا السياق، ليس ثمة شك في أن العديد من الشواهد تظهر بوضوح أن موقف إيران من تطور الأحداث، سياسياً وميدانياً، يعكس وجود فريقين ورأيين بشأن الوضع السياسي لإيران ورؤيتها لمنظور الوضع الإقليمي والدولي.
بدت إيران، خلال الفترة التي سبقت توقيع مذكرة التفاهم مع واشنطن، تعمل بقوة عبر ورقة مضيق هرمز، على اعتبارها آلية ضغط استراتيجية تؤثر بشكل فاعل في مصالح التجارة الدولية وأسعار الطاقة لجميع دول العالم.
كما بدا ذلك واضحاً خلال الفترات اللاحقة التي تلت توقيع مذكرة التفاهم، حتى اللحظة التي اندفعت فيها قوى “الحرس الثوري” لمهاجمة بعض السفن التجارية مرة أخرى، مما دفع السيولة الميدانية من جديد بغية التأثير على القوة العسكرية لطهران.
كما أن الطرف الأكثر تشدداً في معادلة السلطة الإيرانية، والمتمثل في “الحرس الثوري”، يتحرك وكأنه “أحرز النصر”، وعثر على ورقة الضغط الأكثر فاعلية وتأثيراً في المسار العسكري والسياسي، والمتمثلة في مضيق هرمز، الأمر الذي يجعله يتحرك دون رؤية تسمح لمذكرة التفاهم، أو لمقاربة المفاوضات السياسية، بأن تمضي بوتيرة منتظمة.
في المقابل، تبدو آراء خبراء عسكريين تفضي إلى ذات النتيجة، حيث ينفرد فريق واحد بسردية الأحداث دون الاعتداد بآراء الآخرين. وقد قال الدكتور سيد غنيم، تعليقاً على الأنباء التي تحدثت عن تنفيذ الجيش الأميركي هجوماً رادعاً ومدمراً استهدف قاعدة بحرية إيرانية في ميناء بندر عباس باستخدام قوارب مسيّرة أحادية الاتجاه.
وبالتالي أكثر ما أثار الانتباه، هو ما تداوله مراقبون إيرانيون بشأن غياب الإجراءات الأمنية خلال مسار القوارب المسيّرة، إذ لم ترصدها أي نقطة مراقبة أو دورية بحرية، ولم يلفت حجمها الانتباه، كما لم يكن هناك أي مراقب بصري على امتداد خط الهجوم، ولم تُواجه حتى بإطلاق نيران من أسلحة خفيفة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول كفاءة منظومة التأمين والإنذار في أهم قاعدة بحرية إيرانية.
وأوضح غنيم في تحليل آخر منفصل أن ما جرى يكشف عن إخفاق أمني مركب، لم يقتصر على اختراق الدفاعات، وإنما شمل قصوراً في منظومات الاكتشاف والإنذار والاعتراض، بما سمح للقوارب المسيّرة بالوصول إلى أهدافها دون مواجهة تُذكر.
وأضاف أن الهجوم يعكس تفوقاً أميركياً في توظيف الأنظمة غير المأهولة، سواء من خلال امتلاك معلومات استخباراتية دقيقة عن القاعدة وأهدافها، أو عبر استخدام القوارب المسيّرة كسلاح منخفض الكلفة وعالي الفاعلية لضرب أهداف بحرية محصنة، بما يؤكد أن الحروب البحرية تتجه بوتيرة متسارعة نحو الاعتماد على الوسائط غير المأهولة.
في المقابل، يوجّه الهجوم ضربة معنوية وعملياتية لقدرات الإنذار والدفاع البحري الإيرانية، ويؤشر إلى أن حماية الموانئ والقواعد البحرية الإيرانية أصبحت بحاجة إلى مراجعة شاملة، تشمل تعزيز منظومات المراقبة والإنذار المبكر والدفاع القريب لمواجهة هذا النمط المتطور من التهديدات.

وبالتالي، فإن هذه التطورات تعزز الانطباع بأن إيران ركزت، خلال السنوات الماضية، على بناء قدرات هجومية تستهدف تهديد الملاحة في مضيق هرمز وأراضي الخصوم، أكثر من تركيزها على تطوير منظومات الدفاع عن قواعدها ومنشآتها الحيوية. ويبدو أن الهدف من هذه الاستراتيجية يتمثل في الحفاظ على قدرة مستمرة على الضغط على أسواق الطاقة والتجارة العالمية، بما يولد ضغوطاً سياسية واقتصادية على الولايات المتحدة وحلفائها لدفعهم إلى تقديم تنازلات. وهو ما يبدو أنه بات بعيد المنال.
وإذا استمرت إيران في هذا النهج، القائم على تعظيم أدوات الضغط الهجومي مقابل إهمال تطوير قدراتها الدفاعية، فإنها قد تصبح أكثر عرضة لتكرار الاختراقات العسكرية، بما يؤدي تدريجياً إلى استنزاف قدراتها، وتعميق عزلتها، وإضعاف تماسكها العسكري والاستراتيجي على المدى المتوسط.
يتسق ذلك كله مع تصريحات الرئيس ترامب، الذي أعلن أن واشنطن قررت فرض حصار كامل على السفن القادمة من الموانئ الإيرانية أو المتجهة إليها، مؤكداً أن مضيق هرمز أصبح مفتوحاً أمام حركة جميع السفن باستثناء السفن الإيرانية. كما اتهم القيادة الإيرانية بأنها تقود البلاد نحو “دمار شامل”، مشيراً إلى أن تدفق النفط يجري بمعدلات غير مسبوقة بفضل ما وصفه بـ”القوة الهائلة للجيش الأميركي”. وأضاف ترامب أن إدارته قررت استبدال ما سماه “رسوم التعويض” البالغة 20% بصفقات تجارية.
لا مكاسب استراتيجية ونظام مهدد
في ضوء ذلك، يبدو واضحاً أن واشنطن لن تعود مجدداً إلى محاولات التهدئة، وأن مستوى التصعيد يتجه نحو مسار غير مسبوق، قد لا تشهده إيران والجناح المتشدد داخل بنية النظام مرة أخرى. ويبدو أن الإدارة الأميركية تضع هذا الجناح أمام خيار حاسم هذه المرة، في ظل انتقالها من سياسة احتواء الأزمة إلى سياسة فرض الوقائع بالقوة والضغط المتصاعد.
ربما يدفع ذلك كله التحليل السياسي إلى عدم غضّ البصر عن حقيقة أن هذا السلوك السياسي والميداني لا يبدو منفصلاً عن المسار الذي سلكه ما يسمى بـ”محور المقاومة” خلال السنوات الأخيرة، إذ انتهت تجارب هذا المحور، من سوريا إلى لبنان وغزة والعراق، إلى استنزاف كبير دون تحقيق مكاسب استراتيجية مستدامة، وهو ما يعكس أزمة بنيوية في قدرة هذا المحور على الانتقال من منطق الصدام الدائم إلى منطق التسويات السياسية. ويتجلى ذلك بوضوح في مواقف “حزب الله” في لبنان من مسار المفاوضات مع إسرائيل، كما يتجلى في مقاربة “الحوثيين” في اليمن للأزمة الإقليمية وطبيعة علاقتهم بالقوى الخليجية، ولا سيما المملكة العربية السعودية.
وعليه، يبدو أن ثمة خطراً حقيقياً يهدد بنية النظام الإيراني واستمرار تموضعه في السلطة، حال استمر الجناح المتشدد في احتكار القرار. وبالتالي لن تقتصر الأزمة على الاستنزاف العسكري أو الاقتصادي، بل قد تمتد، في الأفق المنظور، إلى مظاهر تكشف عن تآكل بنية النظام نفسه، مع تضاؤل قدرة المؤسسات السياسية على استعادة زمام المبادرة، بعدما اتضح أن مسارات الصراع الدائر لم تعد تتعلق فقط بمستقبل المفاوضات أو أمن الملاحة في مضيق هرمز، بل باتت ترتبط بمستقبل بنية النظام الإيراني نفسه.
- استنزاف “حوثي” متواصل في معارك غرب تعز.. تابع المستجدات
- مهاجرون أفارقة في الصفوف الأولى لهجمات “الحوثيين” على تعز
- طهران وبكين على مفترق هرمز.. ماذا تريد الصين من إيران؟
- تقرير حقوقي يحمل الحكومة وفصائل بالسويداء مسؤولية عرقلة امتحانات الطلاب
- على خلفية مقتل متظاهرين عراقيين.. تحرك قضائي ضد زعيم منظمة “بدر”
